مَنْ ضعف الحديثَ مِنْ العلماء، وأسبابُ ذلك
تقدم في المطلب الأوَّل الإشارة إلى من ضعفه ممن رواه من أصحاب الكتب الأصلية فلا نعيد ما ذُكر، ولكن أضيف هنا عَالِمَينِ ممن ضعفَ الحديثَ مِنْ جميعِ طُرُقه:
الأوّل: ابنُ الجوزي وقد أطال النّفس في بيان طرق الحديث ونقدها في كتاب "الموضوعات من الأحاديث المرفوعات" (٢) وهو أوسعُ من تكلم على الحديثِ وطرقه مجتمعةً - حَسَب علمي -، وقد ضعف الحديثَ مِنْ وجهين:
١ - مِنْ جهة الإسناد فقد قال بعد روايته حديث أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، وابن حنظلة، وعائشة: «ليس في هذه الأحاديث شيء صحيح » ثم بين ما فيها من علل.
٢ - مِنْ جهةِ المتن فقال: «واعلم أنّ مما يردّ صحة هذه الأحاديث، أنّ المعاصي إنما تُعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنى يُفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقه، ويؤثّر في القبائح ما لا يؤثره أكل لُقمة لا يتعدّى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا».
وما قاله ابن الجوزي ظاهر ففي الزنا من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلاّ الله؛ وقد سماه الله - تعالى - فاحشة وساء سبيلا، ونهى عن الاقتراب منه كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
_________________
(١) انظر: ص ٢٠ من هذا البحث.
(٢) (٣/ ٢٠ - ٢٦).
[ ١٦٨ ]
وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢)، وحرمت الشريعة الطرق المفضية إليه، وسدت الذرائع الموصلة له، وفيه خيانة كبرى لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وارتفاع الحياء، واختلاط الأنساب، وفشو الأمراض، وحصول الشكوك، وتبرؤ الزوج من نسبة ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك، وربما حصل عنده شك في أولاده من زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت، وحد غير المحصنين الجلد والتغريب، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن يتوبوا، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوي فيه أجسادهم.
فهل يعقل بعد ذلك أن يكون درهم واحد أعظم من ست وثلاثين زنية!، وأشدّ من ذلك نكارةً تعظيم الربا على الزنا بالأم.
الثاني: المعلمي اليماني، فَقَالَ بعد نقده بعض طرق الحديثِ: «والذي يظهر لي أنّ الخبر لا يصح عن النبيّ - ﷺ - ألبته» (١).