إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ .
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
[ ٨ ]
فإني أتقدم إلى إخواني الكرام من المهتمين بحديث النبي - ﷺ - والمشتغلين بتخريجه وتحقيقه ومعرفة مراتبه بهذه الرسالة الجديدة التي ستكون بإذن الله جل وعلا باكورة السلسلة التي أسميتها (أحاديث ومرويات في الميزان) .
وهي بعنوان: (حديث «قلب القرآن يس» في الميزان) وجملة مما رُوي في فضلها، أعني ما رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» لكنني آثرت اختصار العنوان مكتفيًا بالإشارة وقد أشرت إلى ذلك في تقدمتي لرسالة أهلي - أم عبد الرحمن بنت النوبي - حفظها الله تعالى ـ: (إماطة الجهل بحال حديثَي «ما خير للنساء؟» و«عقدة الحبل»)، وأومأت في الحاشية - بإيجاز - إلى قصة اختيار هذه الرسالة.
وأزيد هنا إبداء اغتباطي وفرحي بستر الله ﷿ وفضله حيث لم يقدر لي - سبحانه - أن أورده في الجزء الثاني من «تكميل النفع»، فقد تبين لي بَعْدُ ثبوته عن صاحب لمعمر بن راشد ﵀ لم يُسَمَّ، على احتمال أبديته في موضوعه مما يتنافى مع شرطي في الكتاب المتقدم ذكره. أضف إلى ذلك أن التأني في تنقيحه قد أفاد كثيرًا في تدعيمه بالفوائد الجمة، والتعليقات التي رأيتها تنفع القارئ الكريم لأدنى مناسبة مع العلم بأن اكتمال عناصر هذه الرسالة لدي - قبل الشروع في
[ ٩ ]
تبييضها وتنقيحها - هو الذي دعاني إلى البدء بها في هذه السلسلة التي أدعو الله ﷿ أن يُبَلِّغَهَا أقوامًا ينتفعون بما فيها ولا يضنون على أخيهم بالنصح والإرشاد والملاحظات النافعة، ولا بالدعوات الصالحة بظهر الغيب: أن يتقبل الله ﷿ مني صالح عملي، وأن يتجاوز عن سيئاتي، وأن يجعل ما أقول وأفعل حجة لي لا عَلَيَّ.
وأن يجعل الحرص والإسهاب الذَيْن لا يخفيان علي القارئ اللبيب مما خلص لوجه ربنا الكريم. إنه خير مسؤول وأقرب مأمول.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
كما أتقدم إلى الجميع - ناصحًا - أن يتقوا الله ﷿ فيَّ، ويقدروني قدري، ويكرروا النظر والتأمل فيما سطرته في تقدمتى للجزء الأول من «تكميل النفع» وفي ص ١٠٣: ١٠٥ منه أيضًا.
والذي استبان لي بيقين أن استعجالي في تصنيف الرسائل والكتب، والتعليق عليها، بل ومراجعة بعضها، هو الذي جرَّ عليَّ أمورًا لم تكن في الحسبان، وتَعَرُّفًا من الكثيرين عَلَيَّ، بصورة لم تخطر على القلب، بحيث ارتسم في أذهان الكثيرين تصور غير صادق لحقيقة أمري ومبلغ علمي، وزادهم اغترارًا بي: إجازةٌ من الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀ لم أستشرف لها ولم أسع إليها، ولم أُرٍه من نفسي ما يؤهلني لها (١) . إنما هو مجرد توسم للخير فِيَّ من شيخ فاضل لم ألازمه ولم أُطِل صحبته ولا الانتفاع به.
_________________
(١) ولا علاقة لها بكتاب «المجموع» - رغم وجودها فيه - ولا غيره. وأتوقع أن يستغل هذه التصريحات بعض ضعفاء النفوس. فالله يتولاني، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ١٠ ]
وقد صرت أسمع ألقابًا وأوصافًا لا تنبغي للمتقين، ولا تليق إلا بالعلماء - حقًا وصدقًا - من الحفاظ العاملين!
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تعليق آمالٍ على المسكين وأنه أهل أن يدرس فقهًا، أو يلقي محاضرة في قضية عامة، أو يُطْلَب منه موعد لحل مشكلة زوجية ينبني عليها تقرير مصير!! وجماعة من المتقين من علماء الأمة - حقًا وصدقًا - كانوا يتحاشون كثيرًا من هذه الأمور فلا ينطقون فيها بحرف، مع الأهلية والكفاءة!
إن إنسانًا ابتُلِي بمعرفة الناس إيَّاه وتمييزه في المعاملة ومبالغتهم في أمره أحيانًا إلى درجة الكذب عليه (!) ينبغي أن يُرحم وأن يُعان على تخليص رقبته، وعلى هوى نفسه وشيطانه ودنياه، فإن النفوس - في هذا الزمان - ضعيفة تسارع إليها الفتنة إن لم يتداركها ربها - تعالى - برحمته فأرجو هؤلاء وأولئك أن يصححوا تصورهم، وألاَّ يحملوا ما ذكرتُ على تواضع أو غيره، فإن لكل مقام مقالًا كما قال أبو الطفيل عليه رضوان الله، وذلك قبل أن يؤاخذني ربي - جل وعلا - على ما يقولون (١) ويفعلون ويعتقدون ويغالون.
إذ أن المقصد الأسمى عند كل من عرف هذا الرب الجليل - تعالى ـ
_________________
(١) وقد دار حوار بيني وبين أهلي فهمتُ - على أثره - أن البعض يظن أنني لا أتقاضى مقابلًا نظير كتبي ورسائلي. وليس هذا بصحيح.
[ ١١ ]
ورضيه ربًا وإلهًا، ورضي محمدًا - ﷺ - نبيًا ورسولًا، وشريعة الإسلام دينًا ومنهجًا هو رضوانه - تعالى - في الدنيا والآخرة، ومغفرته للذنوب الأوزار، وستره عليه في الدنيا والآخرة، ودخول جنته، والتزحزح عن ناره وعذابه، وكل ما سوى ذلك فهو تابع له، دائر في فلكه.
فعلى كل امرئٍ أن يُقبل على شأنه ويعرض عما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
وكتبه:
محمد عمرو بن عبد اللطيف
القاهرة في أوقات متفرقة كان آخرها يوم الثلاثاء الموافق
٧ من صفر سنة ١٤١٤ هـ
و٢٦ من يوليو سنة ١٩٩٣م.
[ ١٢ ]