قال أبو عبد الله بن الضريس ﵀ في "فضائل القرآن" له (٢١٩): "أخبرنا عباس بن الوليد، حدثنا عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير قال: من قرأ يس إذا أصبح لم يزل في فرح حتى يمسي (١)، ومن قرأها إذا أمسى لم يزل في فرح حتى يصبح، قال: وأخبرنا من جرب ذلك. قال: هي قلب القرآن " (٢) .
ورواه (٢٢١) عن شيخ آخر عن عامر بن يساف به، قال: " مثل حديث عباس". يعني: ابن الوليد النرسي، شيخه في الأول.
_________________
(١) روى أبو نعيم في ترجمة عكرمة من "الحلية" (٢/٢٢٨) عنه قال: " من قرأ (يس والقرآن الحكيم) لم يزل ذلك اليوم في سرور حتى يمسي ". وفي إسناده نظر. فهد بن عبد الله أبو شامة لم أهتد إليه، وسعيد - راويه عن عكرمة - لم يتعين لي، فإن كان هو سعيد بن المرزبان أبا سعد البقال فهو متروك الحديث.
(٢) القائل: " هي قلب القرآن " سبق إلى قلبي أنه يحيى بن أبي كثير كما هو واضح في العنوان، لكنني بعد ذلك ترددت في كونه يحيى أو الذي أخبره أنه جرب ما ذكر. بل لم يتبين لي أيضًا هل هو شيخ لعامر بن يساف أم هو يحيى بن أبي كثير؟ فالله أعلم بحقيقة الأمر.
[ ٧٤ ]
وذكره القرطبي (١٥/٢) عن يحيى بنحوه بلاغًا، ولم يقل: " هى قلب القرآن "، وقال: " ذكره الثعلبي وابن عطية، قال ابن عطية، ويصدق ذلك التجربة ".
قلت: العمدة في دين الله ﷿: صحة النقل، وثبوت العرش!
(وهذا) أثر منكر لا يصح، عامر بن يساف مختلف فيه.
والراجح في حقه - عندي - ما قاله فيه أبو أحمد (١) بن عدي ﵀. وسيأتي مدعمًا بالأدلة العملية على صحته وصوابه.
* قال أبو داود: " ليس به بأس، رجل صالح " كما في سؤالات الآجري (٤٦٧) .
_________________
(١) قد يظن بعض الكرام من صنيعي هنا - وغيره كثير - أنني أميل دائمًا إلى التشديد، والاستنكار، وترجيح الجرح على التعديل، والإعلال على التصحيح. وليس الأمر كذلك، لأنه قد استبان لي بيقين أن مدار الحكم على الراوي - في الغالب - إنما يكون بالممارسة العملية لحديثه، وسبر مروياته، فلا مجال في هذا الأمر للتشهي واتباع الهوى أو الانتصار للتوثيق النظري للراوي - وإن كان رأيًا فرديًا شاذًا أو متساهلًا - بحجة أن تتابع أكثرهم على تجريحه لا مستند لهم فيه. وكذلك الحكم على الحديث المختلف فيه رفعًا ووقفًا، أو وصلًا وإرسالًا، إنما يصدُر المرء فيه عن دراسة متأنية وبحث دؤوب عن طرقه وحكم أئمة النقد عليه، واحتكام تام إلى القواعد والأسس العلمية التى أرساها أهل الشأن من المتقدمين الذين هم أرسخ قدمًا، وأغزر علمًا، وأعمق فهمًا، وأصدق فراسة وحكمًا ممن خالف مناهجهم، وقصر في جميع هذه الصفات عنهم من جمهور المتأخرين والمعاصرين إلا من رحم ربي (وقليل ما هم) وقد رأيت بعض الإخوة يرجح توثيق مثل (نعيم بن حماد) لكلمة متعقب على قائلها، وبعض طلبة الأزهر يوثقون (مؤمل بن إسماعيل) لإطلاق ابن معين توثيقه، مع أن أوهامه يحتاج بيانها عدة أجزاء (!)، وإني لمشفق على هؤلاء، وأسأل الله أن يبصرهم بالصواب، ويرزقهم الأناة فإنه دين.
[ ٧٥ ]
* وقال الدوري عن ابن معين: " ليس بشيء " وقال ابن البرقي عنه: " ثقة ".
كما قال الحافظ ﵀ في "تهذيب التهذيب" (٥/٧٦) . لكنه عكس في "اللسان" (٣/٢٢٤)، فقال: " وقال الدوري عن ابن معين: ثقة ".
واغتر بذلك محققو الطبعة الثانية والثالثة من "الكامل" (٥/١٧٣٩، ٥/٨٥)، فقالوا: " قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: صالح واتفق ابن عدي (١) والعجلي أنه ضعيف ويكتب حديثه، لسان الميزان ٣/٢٢٤ ".
والحق أن ما في "التهذيب" هو الصواب، وقد أفصح الحافظ ﵀ عن ذلك في "تعجيل المنفعة" (ص٢٠٧)، فقال: " واختلف فيه قول يحيى بن معين، فقال ابن البرقي عنه: ثقة. وقال العباس الدوري عنه: ليس بشيء ".
قلت: ولاشك أن رواية الدوري هي الراجحة، وليس ابن البرقي معدودًا من مشاهير أصحابه ولا المُقَدَّمين فيه، بالإضافة إلى كون هذا الحكم هو الأغلب من ابن معين في أمثاله، والأشبه بواقعه وحاله.
* وأما البخاري ﵀ فسكت عليه في "تاريخه الكبير".
_________________
(١) وما الحاجة إلى نقل كلام ابن عدي في الرجل بواسطة "لسان الميزان" وجميع كلامه فيه نصب عيني كل قاريء؟! وليس فلتة، بل كثير الوقوع في حواشيهم وأحيانًا يُقَوِّلُونه ما لم يقل كما في ترجمة (عمرو بن خليف) من الطبعتين لِلَّهِ
[ ٧٦ ]
* وقال أبو حاتم الرازي: " هو صالح " كما في "الجرح" (٦/٣٢٩) .
* وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/٥٠١) (١) !
* وقال العجلي: " يكتب حديثه، وفيه ضعف " كما في "التهذيب" و"التعجيل".
وزاده محقق "معرفة الثقات - للعجلي - بترتيب الهيثمي والسبكي" (ترجمة ٨٣١) إلى الكتاب أخذًا منهما.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٥/١٧٣٩): " منكر الحديث عن الثقات ".
وختم ترجمته بقوله: " وهذه الأحاديث التى أمليتها لعامر بن يساف عن سعيد (وهو ابن أبي عروبة)، وعن يحيى بن أبي كثير، وعن النضر بن عبيد؛ غير محفوظة، وإنما يرويها عامر بن يساف. ولعامر غير ما ذكرت من الأحاديث التي ينفرد بها، ومع ضعفه يكتب حديثه ".
قلت: فمن مناكيره:
١ - ما أورده له من طريق محمد بن الحسن التل، ورواه الطبراني في "الكبير" (١٨/٢٦) من طريق محمد بن بكير الحضرمي، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٠/١٥١) - واللفظ له (٢) - بسند صحيح إلى عبيد الله بن عمر الغداني، قالوا: حدثنا عامر بن يساف عن سعيد بن
_________________
(١) ولم يرو عنه في "صحيحه" شيئًا، فهذا رجل ليس عنده ما يحتاج إليه.
(٢) لكونه أصح الثلاثة إسنادًا، وأحسنهم سياقًا للحديث.
[ ٧٧ ]
أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس (ولم يذكره محمد بن الحسن (١) على ما في طبعتي الكامل) عن أنس بن مالك قال: لما أصيب عتبان (٢) بن مالك في بصره - وهو رجل من الأنصار، وكان عقبيًا بدريًا - بعث إلى رسول الله - ﷺ - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو جئتَ فصليتَ في بيتي أو بقعة من داري، ودعوتَ الله ﷿ لنا بالبركة؟ فقام رسول الله - ﷺ - في نفر من أصحابه حتى أتى منزله، فصلى في بيته، وخرج فصلى في بقعة من داره، ثم قعد القوم يتحدثون فذكر بعضهم ابن الدخشم، فقالوا: يا رسول الله، ذلك كهف المنافقين ومأواهم - وأكثروا فيه - حتى رخص لهم رسول الله - ﷺ - في قتله، ثم قال لهم: " هل يصلي؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، صلاةً لا خير فيها أحيانًا، ويلبي أحيانًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "نُهيت عن قتل المصلين، إنه من يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا بها، يموت على ذلك، حرَّمه الله على النار ".
قال سعيد (٣): قال قتادة: قال النضر بن أنس: أمرنا أبونا أن نكتب هذا الحديث، وما أمرنا أن نكتب حديثًا غيره، وقال: احفظوه يا بني ".
قال الهيثمي في "المجمع" (١/٢٩٦): " وفيه عامر بن يساف، وهو منكر الحديث ".
_________________
(١) تكلم فيه أكثر النقاد، فلا يعتد بخلافه وتقصيره في الإسناد إن لم يكن تحريفًا لِلَّهِ
(٢) تحرف في مطبوعة "التمهيد" إلى: " عثمان بن مالك ".
(٣) رواية ابن عدي مختصرة جدًا، وليست فيها هذه الزيادة، فلا ينافي ورودها عند غيره الاحتمال الذي تقدم ذكره.
[ ٧٨ ]
قلت: لم أجد له أصلًا عن سعيد بن أبي عروبة مع وفور أصحابه من الثقات الحفاظ!
نعم، للحديث أصل عن قتادة، مع اختلاف عليه في إسناده (فرواه) النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١١٠٤) من طريق شيبان (وهو ابن عبد الرحمن النحوي) عنه عن أنس - رأسًا ـ، قال: ذكر أصحاب النبي - ﷺ - مالك بن الدخشم عند رسول الله - ﷺ - فوقعوا فيه وشتموه، فقال رسول الله - ﷺ -: " دعوا لي أصحابي ". فقالوا: يا رسول الله، إنه كهف المنافقين وملجؤهم الذي يلجؤون إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قالوا: بلى، ولا خير في شهادته. فقال رسول الله - ﷺ -: " لا يشهد بها عبد صادقًا من قلبه ثم يموت على ذلك إلا حرمه الله على النار ".
فلم يذكر (نُهيت عن قتل المصلين) ولا كلام أنس (١) عقبه (!) (ورواه) إبراهيم ابن طهمان في "مشيخته" (٦٤) وعنه النسائي (١١٠٣) والطبراني (١٨/٢٧) عن الحجاج (وهو ابن الحجاج الباهلي) عن قتادة عن أبي بكر بن أنس عن محمود بن عمير بن سعد أنه قال: " إن عتبان بن مالك أصيب بصره " فذكر نحوًا من رواية النسائي السابقة بزيادة في أوله. وليس فيه أيضًا تلك الألفاظ.
(ورواه) مسلم (١/٤٥ - ٤٦) وغيره من طريقين عن ثابت عن
_________________
(١) ولا ترخيصه - ﷺ - للقوم في قتله في باديء الأمر، فتأمل.
[ ٧٩ ]
أنس حدثني محمود ابن الربيع عن عتبان بن مالك به نحوه، وفيه " قال أنس: فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني: اكتبه، فكتبه " حَسْبُ!
(وروى) الإمام أحمد (٤/٤٤) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٣٦) والطبراني (١٨/٢٦ - ٢٧) من طريق علي بن زيد بن جدعان قال: " كنا عند أنس ابن مالك، فقال لابنه أبي بكر: حدثهم حديث عتبان بن مالك الأنصاري، فحدثنا أبو بكر - وأنس شاهد - قال: خرجت مع أبي إلى الشام، فلما أقبل من الشام مشى معنا محمود بن الربيع الأنصاري فشيعنا حتى إذا أراد أن يفارقنا قال: ألا أحدثكم بحديث عتبان بن مالك؟ قلنا: بلى. قال: فإنه حدثني أنه ذهب بصره على عهد رسول الله - ﷺ - " فذكره بنحو الروايات السابقة. وفيه: " فقال لي أنس (١): احفظ هذا الحديث فإنه من كنوز العلم، فلما أتينا المدينة وجدنا عتبان بن مالك حيًا، فقلت لأبي: هل لك في عتبان تسأله عن الحديث الذي حدثناه محمود عنه؟ فانطلقنا فسألناه عنه، فحدثنا ".
(وروى) البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" (٣٣٤) من طريق موسى بن عبيدة (وهو الربذي) عن هود بن عطاء عن أنس أن أبا بكر - رحمة الله عليه - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل المصلين ".
_________________
(١) وأثبتها محقق "الآحاد": " فقال لي: إني أحفظُ هذا الحديث " (!) وهذا تصحيف صوابه: "قال لي أنس - أو: فقال لي أبي ـ: احفظْ هذا الحديث " بصيغة الأمر، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. ولا ريب أن الثابت - من كل ذلك - رواية ثابت البناني ﵀ عند مسلم وغيره، والتي فيها: "قال أنس: فأعجبني هذا الحديث " إلخ. وسياقه مخالف للسياق الذي أتي به عليُّ، فلينظره من شاء.
[ ٨٠ ]
قال البزار: " لا نعلم روى عن هود غير موسى بن عبيدة، وموسى تشاغل بالعبادة عن الحديث ". قال الهيثمى: " قلت: ثم أعاده بسنده إلا أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ضرب المصلين ".
ورواه أبو يعلى (٤١٤٤) باللفظ الثاني.
ورواه الدارقطني (٢/٥٤) من طريق زيد بن الحباب عن موسى به إلى أنس أن عمر بن الخطاب قال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن ضرب المصلين.
وروى أبو يعلى (٩٠، ٤١٤٣) والدارقطني من طريق محمد بن الزبرقان، والآجري في "الشريعة" (ص٣٠) من طريق زيد بن الحباب - أيضًا - قالا: حدثنا موسى بن عبيدة قال: حدثني هود بن عطاء الحنفي عن أنس بن مالك قال: " كان فينا شاب ذو عبادة وزهد، فوصفناه للنبي - ﷺ - وسميناه باسمه، فلم يعرفه، فبينما نحن كذلك إذ أقبل، فقلنا: يا رسول الله، هو ذا، فقال - ﷺ -: " إني لأرى على وجهه سفعة من شيطان "، فجاء فسلم على القوم فردوا السلام، فقال له رسول الله - ﷺ -: " جعلت في نفسك أن ليس في القوم أحد خيرًا منك؟ " فقال: نعم، ثم ولَّى ودخل المسجد، فقال رسول الله: " من يقتل الرجل؟ " فقال أبو بكر ﵁: أنا، فدخل المسجد، فوجده يصلي فقال أبو بكر ﵁: وجدته يصلي، وقد نهينا عن قتل المصلين، فجاء فقال له النبي - ﷺ -: " مه يا أبا بكر "، فقال - - ﷺ - ـ: " من يقتل الرجل؟ " فقال
[ ٨١ ]
عمر ﵁: أنا. فدخل المسجد فوجده ساجدًا، فقال: أقتل رجلًا يصلي وقد نهينا عن ضرب المصلين؟ فجاء فقال له النبي - ﷺ -: " مه يا عمر " قال عمر ﵁: وجدته ساجدًا، وقد نهينًا عن ضرب المصلين " الحديث. وهذا لفظ الآجري.
وله طرق مطولة ومختصره عنده (ص٢٨ - ٢٩) وفي "المجمع" (٦/٢٢٥: ٢٢٧) ليس فيها النهي عن قتل المصلين أو ضربهم.
وفي هذا الإسناد: موسى بن عبيدة، وهو متروك كما قال الهيثمي ﵀ (١/٢٩٦) . وهود بن عطاء تناوله ابن حبان في "المجروحين" (٣/٩٦) فالسند تالف، والمتن بالغ النكارة.
(فهذه) روايات الحديث التى وقفت عليها عن أنس، والتي تلتقي مع حديث عامر بن يساف ولو في بعض جزئياته.
على أن حديث عتبان ﵁ ثابت في "الصحيحين" مطولًا من طرق عن الزهري عن محمود بن الربيع عنه كما في "التحفة" (٩٧٥٠) .
(وإحقاقًا) للحق، واستجلاءً لمنشأ وهم ابن يساف، فقد وجدت معنى " إني نُهيت عن قتل المصلين " في حديث آخر فيه مناسبة شبيهة بتلك.
ففي "مصنف عبد الرزاق" (١٠/١٦٣) عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه أن رسول الله - ﷺ - بينا هو جالس بين ظهراني الناس جاءه رجل يستأذنه - أو يشاوره - يساره في قتل رجل من
[ ٨٢ ]
المنافقين، يستأذنه فيه فجهر رسول الله - ﷺ - بكلامه، فقال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولكن لا شهادة له. قال: " أليس يشهد أني رسول الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له. قال: " أليس يصلى؟ " قال: بلى. ولا صلاة له. قال: " أولئك الذين نهيت عنهم ". وعنه البيهقي (٣/٣٦٧، ٨/١٩٦) . وهو مُعلٌّ بالإرسال فقد رواه البيهقي من طريق مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار مرسلًا. وانظر "التمهيد" (١٠/١٤٩ ـ١٥٠، ١٦١: ١٦٨) تدرك علته والله المستعان.
فيلوح لي أن هذا الحديث علق بذهن عامر بن يساف، فدخل له في حديث أنس. العلم عند الله تعالى.
(ثم) إنني وجدت الحديث بعد في ترجمة (عتبان بن مالك) من "التاريخ الكبير" (٧/٨٠ ـ٨١) من طريق ميسور بن بكر بن عامر بن إساف (١) عن سعيد بن أبي عروبة به مختصرًا، وفيه قول أنس في آخره بلفظ: " فقال لنا: اكتبوا هذا الحديث، ولم يأمرنا أن نكتب حديثًا من حديثه غيره " وذكر رواية شيبان عن قتادة عن أنس باختصار أيضًا.
_________________
(١) كذا في التاريخ (عامر بن إساف) وهي صحيحة، فقد ذكر ابن حبان في "الثقات" أنه يقال فيه (عامر بن إساف) .
[ ٨٣ ]
وميسور لم يعرفه أبو حاتم. ولكن تابعه ثلاثة وتابعهم عبد الله بن غالب العباداني عند ابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٩٦١) .
٢ - وروى ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (١٥٦) وابن عدي - أيضًا - عن أبي نصر التمار، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٤٩) والرافعي في "التدوين" (١)
(٣/٦٠ - ٦١) والذهبي في "السير" (١٤/٢٠٠) من طريق زكريا الساجي عن محمد ابن موسى الحرشي قالا: ثنا عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يا أبا هريرة، أفلا أخبرك بأمر هو حق، من تكلم به في أول مضجعه من مرضه نجاه الله به من النار؟ قال: قلت: بلى بأبي وأمي. قال: " فاعلم أنك إذا أصبحت لم تمس، وإذا أمسيت لم تصبح، فإنك إذا قلت ذلك في أول مضجعك من مرضك نجاك الله من النار، تقول: لا إله إلا الله يحيى ويميت وهو حي لا يموت، سبحان رب العباد والبلاد، والحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على كل حال. الله أكبر كبيرًا كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان. اللهم إن أنت أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا، فاجعل روحي في
_________________
(١) في ترجمة (سنقر بن عبد الله الأرمني)، وقال: " سمع أبا الحسن سعد الله بن محمد بن علي بن طاهر الدقاق ببغداد " فذكره بإسناده، فلم يتبين لي اتصاله. وروى الحديث أيضًا أبو النعيم في "أخبار أصبهان" (١/٩٦) - معلقًا - من طريق النعمان بن عبد السلام ثنا عامر بن يساف به، فاختصره. ورواه أيضًا ابن منيع في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٣/٢٣٤ - ٢٣٥) . وقال محققه: "سكت البوصيري على إسناده، وقال: تقدم له شواهد "! قلت: رواه ابن أبي الدنيا بنحوه (١٤٤) من حديث أنس. وإسناده مظلم.
[ ٨٤ ]
أرواح من سبقت له منك الحسنى، قال: فإن مت في مرضك ذلك، فإلى رضوان الله والجنة، وإن كنت قد اقترفت ذنوبًا، تاب الله عليك ". واللفظ لابن أبي الدنيا. وإليه وحده عزاه الحافظ المنذري ﵀ في "الترغيب والترهيب" (٤/٦١٠: ٦١٢)، وقال - عقبه ـ: " ولا يحضرني الآن إسناده ".
قال محققه الشيخ محمد خليل هراس ﵀: " والحديث لا يحتاج في الحكم عليه إلى معرفة إسناده، فإن كل كلمة فيه تنطق عليه بالوضع، ولكنها غفلة أهل الحديث عن هذه المتون المنكرة ".
وقال الحافظ الذهبي ﵀ إذ أورد طرفًا منه: " فذكر خبرًا منكرًا، وعامر ضعيف (١) الحديث ".
(أما) محقق "المرض والكفارات" - حفظه الله - فقال: " إسناده كسابقه " وقال في سابقه: " إسناده: حسن " (٢) !
ولاشك أن قول أبي حاتم ﵀ الذي لم يُفهمْ وجهُه (٣)، والاعتماد عليه - وحده - سبَّب تتابع الكثيرين على هذا التحسين المتوهم.
_________________
(١) سوف أختم هذه المناكير بذكر حكم الحافظين: الذهبي وابن حجر على (عامر بن عبد الله ابن يساف اليمامي) تتميمًا للفائدة، وتدليلًا على أنهما لم يعبآ بما جاء فيه، مما يوهم قبوله وتقوية أمره.
(٢) ولم يعبأ باستنكار ابن عدي للحديث - لأنه لم يعزُه إليه - ولا بتهافت المتن ونكارة عباراته التي لا ينبغي أن تخفى على أحد. وتَرْك متابعة الأئمة المتقدمين في ذلك هو رأس البلاء.
(٣) قال ابن أبي حاتم ﵀ في "الجرح والتعديل" - باب بيان درجات رواة الآثار - (٢/٣٧): " وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا " فتأمل.
[ ٨٥ ]
(فمنهم) محقق "الصمت" (٣٧٧)، حيث قال في أثر يرويه عامر عن يحي عن أم الدرداء: " إسناده صحيح " (!!) أما أخونا أبو إسحاق الحويني - حفظه الله - فقال في "تحقيقه" (٣٧٥): " سنده ضعيف ". وقال في آخره: " يحيى بن أبي كثير أظنه لم يسمع من أم الدرداء والله أعلم ".
وسيأتي في المثال الرابع أن العلامة الألباني - حفظه الله - قد حسَّنه أيضًا له، والله المستعان.
وأزيد هنا أن (يحيى بن أبي كثير عن الحسن عن أبي هريرة) تركيبة إسنادية عجيبة لم أرها إلا من رواية الكذابين. انظر "المعجم الكبير" (١٨/١٥٦) . والحسن لم يصح سماعه من أبي هريرة كما قدمْتُ.
٣ - وروى ابن عدي والطبراني في "الكبير" (١٢/٤٣٧) من طرق عن إسماعيل ابن إبراهيم الترجماني ثنا عامر بن يساف عن النضر بن عبيد عن الحسن بن ذكوان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي قال: " من قال: سبحان الله وبحمده كتبت له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، ومن قال: لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله يوم القيامة ".
[ ٨٦ ]
وهذا حديث منكر عن النضر بن عبيد - ولا يُدرى من هو - بهذا الإسناد كما صرح ابن عدي (١) ﵀ وإنما الحديث أشهر من طريق محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن عفيف بن سالم الموصلي عن أيوب بن عتبة اليمامي عن عطاء به - في قصة طويلة منكرة - عند ابن حبان في "المجروحين" (١/١٦٩ـ١٧٠) والطبراني (١٢/٤٣٦ - ٤٣٧) وعنه أبو نعيم (٣/٣١٩) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/٤٣) (!) وقد أشار ابن حبان إلى طريقنا هذه فقال: " وقد رُوي نحو هذا المتن أيضًا عن عامر بن يساف عن النضر بن عبيد عن الحسين بن ذكوان (كذا، والصواب: الحسن) عن عطاء ".
ولم يتعقب السيوطي في "اللآليء" (١/٤٤٧) ابن الجوزي بها، بل قال:
" ووجدت لأيوب متابعًا. قال ابن عساكر " فذكر إسناده إلى عبد الحميد بن حماد حدثني سويد بن عبد العزيز حدثني أبو عبد الله البحراني (كذا)، والصواب: (النجراني) عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به.
قلت: وهذه متابعة واهية لمتن منكر متهافت.
_________________
(١) حيث حكم عليه وعلى الحديثين الآخرين بأنها " غير محفوظة " أي منكرة. وهذا مفهوم شائع عند الأئمة المتقدمين ﵏ خلافًا لمن جعل (الشاذ) ضد (المحفوظ)، و(المعروف) ضد (المنكر) بهذا التحديد وحده. بل الأمر - عندهم - أوسع من ذلك، والمقام لا يحتمل أكثر من هذه الإشارة.
[ ٨٧ ]
وسويد متروك الحديث كما قال الإمام أحمد ﵀ ووهَّاه أيضًا البخاري وابن معين - في أكثر الروايات عنه - وغيرهم. وفي "الميزان" (٢/٢٥٢): " وقد هرت ابن حبان سويدًا، ثم آخر شيء قال: وهو ممن أستخير الله فيه، لأنه يقرب من الثقات، قلت: لا ولا كرامة بل هو واهٍ جدًا ".
قلت: والراوري عنه - عبد الحميد بن حماد - هو البعلبكي، لم يذكر ابن عساكر في ترجمته (٩/٧٩٥ - ٧٩٦) جرحًا، ولا تعديلًا، وفيها ساق له هذا الحديث مطولًا.
ووجدت له متابعًا باللفظ المختصر عنده أيضًا (١٨/٣٢٧) في ترجمة (أبي عبد الله النجراني) - واسمه: يزيد بن عبد الله بن أبي يزيد الدمشقي - من طريق إسحاق بن إبراهيم الختلي، نا أبو الوليد هشام بن عمار الدمشقي، نا سويد ابن عبد العزيز السلمي، نا أبو عبد الله النجراني به مختصرًا.
وهذه أيضًا متابعة لا تثبت إلى سويد، الختلي مختلف فيه. قال الدارقطني: " ليس بالقوي "، وقال أيضًا " ضعيف "، وقال الخطيب: " وكان ثقة " وهشام فيه مقال مشهور.
(والحاصل) أن ابن عدي ﵀ مصيب في استنكاره الحديث على عامر بن يساف بهذا الإسناد خاصةً ولا ينافي ذلك أن يكون عالمًا تمام
[ ٨٨ ]
العلم بوروده عن أيوب ابن عتبة عن عطاء، وعن سويد عن النجراني عن الحسن بن ذكوان عن عطاء.
(وقد) أشار أبو نعيم إلى إعلاله من طريق عفيف بن سالم ﵀ حيث قال: " هذا حديث غريب من حديث عطاء تفرد به عفيف عن أيوب بن عتبة اليمامي، وكان عفيف أحد العباد والزهاد من أهل الموصل، وكان الثوري يسميه الياقوتة ".
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (١/٥٢٤) - وقد أورده مطولًا ـ: " فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف ".
وقال في تفسير سورة الإنسان (٤/٤٥٧): " وقد رَوى الطبراني ههنا حديثًا غريبًا جدًا فقال: حدثنا على بن عبد العزيز حدثنا محمد بن عمار الموصلي حدثنا عفيف بن سالم " فذكره.
والحمل على (أيوب بن عتبة اليمامي) وحده في هذه الطريق ليس متعينًا - عندي - بل أوجه الخلل في هذا الإسناد متعددة، فمنها تفرد عفيف عنه، وعدم تبين سماع عفيف منه مطلقًا - لا في هذا الحديث وحده - وعدم تبين سماع أيوب من عطاء فلعل هناك أيد خفية لا يوثق بأصحابها (!) والله المستعان.
٤ - وروى الحاكم في "المستدرك" (١/٣٧٦) بسند صحيح إلى بشر بن معاذ العقدي - وهو ثقة صالح - ثنا عامر بن يساف، ثنا إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن عباد عن أنس بن مالك قال: قال
[ ٨٩ ]
رسول الله - ﷺ -: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها فإنه يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا ".
وسكت عليه هو والذهبي، أما الشيخ الألباني - حفظه الله - فقال في "أحكام الجنائز" (ص١٨٠): " أخرجه الحاكم (١/٣٧٦) بسند حسن " (١) !
ثم قال: " ثم رواه (١/٣٧٥ و٣٧٦) وأحمد (٣/٢٣٧ و٢٥٠) من طريق أخرى عنه - يعني: أنسًا - بنحوه، وفيه ضعف ".
قلت: يعني: ما رواه هذان، وكذا ابن أبي شيبة (٣/٣٤٢) - مختصرًا - وعنه أبو يعلى في "مسنده" (٣٧٠٥) وكذا الضياء المقدسي في "المختارة" (٢٣٤٣) - مطولًا - ورواه أبو يعلى أيضًا (٣٧٠٦، ٣٧٠٧) وعلَّقه عنه الضياء - في الموضع الأخير - من طرق عن يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر الكوفي عن عمرو بن عامر (قرنه
_________________
(١) ولاشك أن كثيرًا ممن حسنوا حديث عامر بن يساف لم يتفطنوا - فيما أعتقد - إلى أنه هو و(عامر بن عبد الله بن يساف) رجل واحد نسب إلى جده، وبناءً عليه لم يعتمدوا في معرفة حاله إلا على قول أبي حاتم ﵀ وحده - وقد علمت ما فيه - أو بالانضمام إلى توثيق ابن حبان إياه بنفس الاسم وقد تتابع على ذلك جماعة من آحاد المحققين، لكن ما كان ذلك الظن بشيخ المحققين - نفع الله به - فإن أدنى نظرة في "لسان الميزان" أو "تعجيل المنفعة" تدرك بها حقيقة الأمر، والمفترض لمعرفة حال رجل ما عدم الاقتصار على "الجرح" وحده - أو أي مصدر آخر - لجواز أن يكون مجروحًا أو فيه خلاف أو في أمره تفصيل إلخ، والله المستعان.
[ ٩٠ ]
الإمام أحمد وأبو يعلى في رواية ابن اسحاق عن يحيى الجابر بعبد الوارث (١) مولى أنس) عن أنس به.
(ولا) شك في نكارة ما تفرد به مثل عامر بن يساف - بهذا المتن - عن إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن عباد عن أنس ﵁ وإن لم يظهر له مخالف. ثم وجدته خولف!
فقد رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/٧٧) من طريق أبي حذيفة (وهو موسى ابن مسعود النهدي البصري) ثنا إبراهيم - يعني ابن طهمان - ثنا عمرو بن عامر وعبد الوارث عن أنس به!
وموسى بن مسعود أبو حذيفة مختلف فيه، وعامة الطعن فيه متوجه إلى روايته عن الثوري ﵀.
ولا ينبغي لعاقل أن يتوقف عن كونه أصلح حالًا في الرواية من عامر بن يساف - رحمهما الله - والإسناد الذي أتى به له أصل في الجملة كما رأينا، إلا أن شيخ البيهقي فيه - أبا القاسم زيد بن جعفر بن محمد العلوي - لم نجد فيه جرحًا ولا تعديلًا حتى الساعة.
_________________
(١) وهو منكر الحديث. ويحيى الجابر أيضًا فيه اختلاف ومقال وفي "التقريب" (٧٥٨١): " لين الحديث، من السادسة، وروايته عن المقدام مرسلة " قلت: هذه الزيادة محلها من "التقريب" وكذا "التهذيب" ترجمة (يحيى بن جابر الطائي الحمصي القاضي) فهو الذي قال أبو حاتم في ترجمته هذه الجزئية، والكمال لله ﷿ وحده.
[ ٩١ ]
(وقد) اغتر بهذه المتابعة اللينة محقق "مسند أبي يعلى" فقال - بعد إعلال الحديث بيحيى الجابر ـ: " ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان وهو ثقة " (!) وأظنه لم يدرس (١) الإسناد إليه (!) وهو - على ما فيه - معلول كما يأتي قريبًا.
(ووجه) الوهم في رواية عامر - عندي - أن كلا من (يحيى بن عباد) و(عمرو بن عامر) أنصاري كوفي من أصحاب أنس.
(واتفق) - مع ذلك - ثبوته من أوجه عن (يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر) بسنده إلى أنس، فالتبس بـ (يحيى بن عباد) . العلم عند الله تعالى.
(ولما) رجعت إلى ما رواه (عمرو بن عامر الأنصاري) عن أنس ﵁ في "مختارة الضياء" اعتقادًا مني أنني سأستفيد في التعليق على هذا الحديث ولابد، وجدته رواه (٢٣٤٤) من طريق أحمد بن حفص (وهو ابن عبد الله بن راشد النيسابوري)، حدثني أبي، ثنا إبراهيم - هو ابن طهمان - عن يحيى بن سعيد الكوفي (كذا) عن عمرو بن عامر وعبد الوهاب (كذا) عن أنس به.
وعبد الوهاب، لاشك في تحرفه من (عبد الوارث) فكذلك (يحيى بن سعيد) لاشك أيضًا من تحرفه أو وهم أحدهم فيه، لأن الحديث حديث (يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر الكوفي) .
_________________
(١) وهذا الأمر من البلايا الشائعة في هذه الأيام من المشتغلين بالتحقيق على اختلاف مراتبهم.
[ ٩٢ ]
وقد روى عنه إبراهيم بن طهمان في الجزء المطبوع من "مشيخته" (٤٥) حديثًا واحدًا عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس ﵄.
(أما) هذا الحديث، فلم أره في "المشيخة" مع أن الكتاب مروي من طريق أحمد ابن حفص عن أبيه عنه.
(وهذا) إسناد جيد إلى إبراهيم بن طهمان، وبه انكشفت العلة فيما جاء به كل من (عامر بن يساف) و(أبي حذيفة النهدي) - إن كان محفوظًا عنه - عن ابن طهمان.
٥ - وروى ابن الضريس (٢٣٤) من طريقه عن يحيى بن أبي كثير، قال: كان طاووس لا ينام حتى يقرأ بهاتين السورتين: (تنزيل) و(تبارك) وكان يقول: إن كل آية منها تشفع ستين آية " يعني: تعدل ستين آية ".
(وهذا) منكر من طريق يحيى بن أبي كثير عن طاووس. وابتداءً لا تعرف له عنه رواية!
(والمعروف) ما رواه جماعة من الثقات عن ليث بن أبي سليم عن طاووس بغير هذا اللفظ (!) بل بلفظ: " وتفضلان كل سورة من القرآن ستين حسنة ". وفي رواية: " فضلت (ألم تنزيل) و(تبارك الذي بيده الملك) على سائر القرآن بستين حسنة ". وسائر ألفاظه يقارب هذا. وفي رواية الترمذي: " تفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة "، فمن هؤلاء:
١ - عبد الوارث بن سعيد التنوري عند ابن الضريس (٢٣٨) .
[ ٩٣ ]
٢ - المعتمر بن سليمان عند الدارمي (٢/٤٥٥) (١) والبيهقي في الشعب (٢٤٥٥) .
٣ - أبو معاوية الضرير عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢٤)، وما فيه من ضعف في غير الأعمش ينجبر بمتابعة هؤلاء الثقات الحفاظ.
٤ - عبد الواحد بن زياد العبدي عند ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٧٥) .
٥ - الفضيل بن عياض عند الترمذي (٢٨٩٢)، وتقدم لفظه، وهو شاذ بلا ريب. والراوي عن فضيل فيه: هريم بن مسعر الترمذي قضيته تشبه قضية موسى بن خالد الحلبي - شيخ الدارمي، وإن وصوفه بأنه (خادم الفضيل بن عياض) . فالله أعلم ممن الوهم، لكنه متابع في الجملة لمن تقدم ذكرهم.
ورواه أيضًا مسدد في "مسنده" كما في "المطالب" (٣٦٩٩): " ثنا معتمر عن ليث " به، كما في "المطالب" (المسندة ق ٥٠٠/١) .
(ثم) فوجئت بأبي عبيد ﵀ يرويه في "فضائل القرآن" (٤٧٦) عن على بن معبد عن عبيد الله بن عمرو (تحرفت إلى: عبد الله) عن ليث
_________________
(١) عن شيخه موسى بن خالد، وقد تقدم حاله. ولكن تابعه محمد بن أبي بكر المقدمي عند البيهقي وهو ثقة من شيوخ البخاري ومسلم، ومسدد في "مسنده" كما سيأتي وهو ثقة حافظ مشهور.
[ ٩٤ ]
بن أبي سليم (١) عن فلان عن ابن عمر: " أنه كان يقول في (تنزيل السجدة) و(تبارك الذي بيده الملك) قال: فيهما فضل ستين درجة على غيرهم من سور القرآن ".
والظاهر أنه وهم، فقد رواه الناس عن ليث عن طاووس كما علمت. وقد يكون من تخاليط ليث ﵀ نفسه على بعد عندي. فالله أعلم.
(ومما) تقدم يتضح:
١ - أن الزيادة الفعلية في أول المتن لم تظهر إلا في رواية عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير (٢) عن طاووس.
٢ - وأن الثواب المتقرر في روايته مخالف تمام المخالفة للمعروف عن طاووس - على ضعف ليث بن أبي سليم واختلاطه - إذ لم يتفقا إلا في ذكر رقم (الستين) فحسب!
(والعجيب) أن محقق "فضائل ابن الضريس" - حفظه الله - قال:
_________________
(١) قال محقق "الفضائل": " في ل ت " ليث بن أبي سليمان " تحريف ".
(٢) وإنما هي في الحديث المرفوع الذي روى ليث عقبه أثر طاووس، وهو حديث لا يصح فقد رواه أيضًا مع ليث: المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر، وهو منكر بهذا الإسناد، فقد صرح أبو الزبير بأنه سمعه من صفوان أو ابن صفوان يعني: مرسلًا، فظنَّهُ بعضهم أنه عنه عن جابر فصحح الحديث لِلَّهِ
[ ٩٥ ]
" وبرجوعي إلى كتب غريب الحديث وكتب اللغة لم أعثر أن تشفع تأتي بمعنى: تعدل " فإن صح هذا فهي طامة جديدة!
٦ - وروى أيضًا (٢٤٠) عنه عن يحيى بن أبي كثير قال: " ومن قرأ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) فقد قرأ نصف القرآن ".
وحكمه حكم أثرنا المروي بهذا الإسناد في فضل سورة يس، حيث لم يأت بهما أحد من مشاهير الثقات الحفاظ من أصحاب يحيى بن أبي كثير ﵀ كهشام الدستوائي، وهمام، وأبان العطار، وحرب بن شداد، وأضرابهم.
بل مَنْ دونهم ممن تُكُلِّم في روايته عن يحيى، كالإمام الأوزاعي، وعكرمة ابن عمار اليمامي، مع توافر دواعي وهمم هؤلاء على نقل مثل هذه الروايات عن شيخهم، والاعتناء بها. فلو خفيت على بعضهم ما جاز أن تخفي على الجميع، فتأمل.
ولكن يلوح لي أن هذا الأثر والأثر الأول في فضل يس هما قطعتان من أثر طويل في فضائل سور شتى، أو هما - على أحوط الاحتمالات - متصلان ببعضهما، ففرقهما ابن الضريس ﵀ في الموضعين من كتابه.
والقرينة عندي قوله هنا: " ومن قرأ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) " الدالّ على كونه متصلًا بكلام قبله. فالله أعلم بحقيقة الأمر.
(ولو) رجعنا قليلًا سنجد الأمر كذلك في رواية (صاحب معمر) عند
[ ٩٦ ]
ذكر المقاطيع. فإن فيها تشابهًا كبيرًا مع هذا الأثر، بزيادة فضل (قل يا أيها الكافرون) .
(أما) تقويم الحافظين الكبيرين: الذهبي وان حجر - رحمهما الله - لعامر بن عبد الله بن يساف اليمامي - عفا الله عنه - فقال أولهما في "المغني" (١/٣٢٣): " عامر ابن عبد الله بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، له مناكير " (١) .
ولم يورد في ترجمته من "الميزان" (٢/٣٦١) سوى كلام ابن عدي ﵀ فيه، وساق له الحديثين الأول والثالث فيما استنكره عليه ابن عدي، وتقدم ذكرها بنفس ترتيبه في "الكامل". وقد استنكر أيضًا أوسطهما في "السير" كما تقدم، وقال في "تاريخ الإسلام" (وفيات ١٧١: ١٨٠ ص١٩٦ - ١٩٧): " قال أبو داود: ليس به بأس. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه ".
وتقدم قوله في "السير": " وعامر ضعيف الحديث ".
وأما ثانيهما: فقال في "التقريب" (٣١٠١): " عامر بن عبد الله، شيخ لرواد ابن الجراح، مجهول (٢)، من التاسعة، وأظن اسم
_________________
(١) والمستبين لكل ذي عينين أن عامرًا يقبل - في الغالب - بيحيى بن أبي كثير، تارة عن الحسن، وتارة عن طاووس، وتارة عن أم الدرداء وتارة عن النبي - ﷺ - معضلًا، بما لا يعرف عن أحد منهم. وهذه سمة غير الثقات.
(٢) أما الذهبي، فأفرد هذا عن ابن يساف، فأشار إلى جهالته في "الميزان" (٢/٣٦١)، وقال في "الكاشف" (٢/٥٧): " نكرة ". والذي يهمنا في هذا المقام أنا علمنا رأي الحافظ ابن حجر ﵀ في عامر هذا - بموافقة الذهبي ﵀ أيضًا، والذي لو أدركه أكثر أولئك الذين حسنوا له لطاروا به كل مطار، ولتراجعوا عن ذلك التحسين المزعوم.
[ ٩٧ ]
جده: يساف، بفتح التحتانية ثم مهملة وآخره فاء، شيخ لين الحديث ".
(وختامًا) أذكر فائدة ليس فيها كبير فائدة!
قال الحافظ المناوي ﵀ في "فيض القدير" (٢/٥١٣) شارحًا حديث أنس (١) الذي بدأنا به البحث - عند قوله: " إن لكل شيء قلبًا " قال: " أي لبًا ".
وقوله: (وقلب القرآن يس) قال: " أي هي خَالِصُهُ وَلُبُّهُ المودع فيه المقصود منه، لأن أحوال البعث وأهوال القيامة مستقصاة فيها مع تصديرها بإثبات نبوة المصطفى - ﷺ - بالقسم عليها على أبلغ وجه، واشتمالها - مع قصر نظمها وصغر حجمها - على الآيات البديعة من خلق الليل والنهار والقمرين والفلك وغير ذلك من المواعظ والعبر، والمعاني الدقيقة، والمواعيد الرائقة، والزواجر البالغة، والإشارات الباهرة، ما لم تكد تكن في سورة سواها - مع صغر حجمها وقصر نظمها " حتى قال: " وقد تواترت الأخبار بجموم فضائل يس " (!!) فأورد
_________________
(١) وهو مرموز له بالضعف في "الجامع الصغير"، وقد ذهلت عن إثبات ذلك في موضعه وإن جاز الاستغناء عنه لما علمناه عن هذه الرموز.
[ ٩٨ ]
حديثًا للحارث بن أبي أسامة في "مسنده" ذكره بلفظ: " من قرأ سورة يس وهو خائف أمن، أو سقيم شفي، أو جائع شبع ". وهو في "المطالب العالية" (٣٧١١) بتمامه، وطرفه: " يا علي، اقرأ يس " فذكر نحوًا مما تقدم بتقديم وتأخير. وهو في "بغية الباحث" (٧٣) بأطول مما في "المطالب" أيضًا، وهذا حديث تالف، فإنه من طريق عبد الرحيم بن واقد - متكلم فيه - عن حماد بن عمرو النصيبي - متهم بالوضع - عن السري بن خالد بن شداد - لا يعرف - تفرد عنه النصيبي، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي، وعلي بن الحسين عن علي منقطع، وهيهات أن يصح وله طرق أخرى لا تسمن ولا تغني من جوع (١) .
(ثم) ذكر مرسل عطاء عند الدارمي ﵀ وقد تقدم ما فيه من الغوائل والعلل.
فلا أدري أي تواتر يعني، عفا الله عنه.
_________________
(١) وهو بمعنى ما اشتهر على الألسنة بلفظ: " يس لما قرئت له "، وهو حديث باطل لا أصل له عن النبي - ﷺ - وقد تقدم نحو حديث علي هذا أثر أبي قلابة ﵀ وهو منكر واهٍ، فهو مادة جيدة لـ"تكميل النفع" والله المستعان. وفكرة هذا التعليق كانت بإيعاز من أهلي، جزاها الله خيرًا.
[ ٩٩ ]
(وقال) العلامة المباركفوري ﵀ في "تحفة الأحوذي" (٨/١٩٧) (١): "قال الغزّالي: إن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر، وهو مقرر فيها بأبلغ وجه، فكانت قلب القرآن لذلك واستحسنه الفخر الرازي (٢) . قال الطيبي: إنه لاحتوائها - مع قصرها - على البراهين الساطعة، والآيات القاطعة، والعلوم المكنونة، والمعاني الدقيقة، والمواعيد الفائقة، والزواجر البالغة، وقال - عند ذكر ثوابها في الحديث ـ: "ولله تعالى أن يخص ما شاء من الأشياء بما أراد من مزيد الفضل كَلَيْلَة القدر من الأزمنة، والحرم من الأمكنة ".
قلت: جزاهم الله خيرًا على ما بذلوا من جهد في تفسير كتاب الله - تعالى - العزيز، وأحاديث سيد المرسلين - ﷺ - وعلى سلامة نواياهم وصدق بواعثهم في خدمة هذا الدين.
ولكن لنا وقفة مع هذا الحديث خاصة حيث أثبتنا بالدليل العملي نكارته إسنادًا وكذلك متنًا حيث أن القول بأن (لكل شيء قلبًا) إطلاق منكر لا يشهد له الواقع ولا يقر به العقل، كذلك تقدمت الإشارة إلى قضية المجازفة في المتن، والمبالغة في تقرير الثواب والعقاب. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تمت الرسالة بحمد الله تعالى وحسن توفيقه.
_________________
(١) لما فسر قوله: " وقلب القرآن يس " بقوله: " أي لبه وخالصه سورة يس ".
(٢) الفخر الرازي عفا الله عنه تُكُلِّمَ في معتقده وفي تصانيفه. فانظر ترجمته من "السير" (٢١/٥٠٠-٥٠١) و"لسان الميزان" (٤/٤٢٦: ٤٢٩) لتعرف ما له وما عليه إن شاء الله.
[ ١٠٠ ]
استدراكات:
الأول: أوقفني أحد الإخوة المحبين لهذا العلم الشريف على طريق جديدة للشطر الثاني من الحديث عن أبي أمامة ﵁ وهو في كتاب "التوحيد" لابن منده ﵀ (٣/ ٣١٥) ط. الجامعة الإسلامية (رقم ٩١٢)، قال: " أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمزة بن عبادة ثنا يزيد بن المبارك الفارسي ثنا محمد بن إسحق عن أيوب بن موسى عن عطاء بن عجلان () (١٥٢ / ب) عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: من قرأ ياسين فكأنما قرأ القرآن عشر مرات، وكُتب له بكل حرف عشر حسنات، ومُحي عنه عشر سيئات، ورفع له بكل حرف عشر درجات ".
وهذا إسناد تالف.
شيخ ابن منده الصواب في اسمه: (محمد بن حمزة بن عمارة) وهو مترجم في "أخبار أصبهان" (٢ / ٢٦٩، ٢٧٠) .
قال أبو نعيم: " تُوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، أحد الفقهاء، يروي عن أبي مسعود وعباس الدوري ". ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وكذلك الذهبي في ترجمته من "تاريخ الإسلام" وفيات (٣٢١: ٣٣٠) (ص ٨٩، ٩٠) .
[ ١٠١ ]
وشيخه يزيد بن المبارك الفارسي: هو الفسوي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/٢٧٧)، وقال: " يروي عن أبي نعيم، وأبي عاصم، وكان راويًا لسلمة بن الفضل، حدثنا عنه ابن أبي داود، مستقيم الحديث ".
قلت: وهو لا يدرك محمد بن إسحق - وهو ابن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي - بيقين، وأكاد أقطع أن بينهما: سلمة بن الفضل الأبرش، فإن صح ذلك فهو صدوق كثير الخطأ كما في "التقريب" (٢٥١٨) وقد يمشي في "المغازي" لابن إسحق ﵀ وليس هذا منها.
وإن كان غيره، فلا أدري من يكون؟
ومحمد بن إسحق مختلف فيه اختلافًا كثيرًا، وهو مع ذلك يدلس، وقد عنعنه.
وعطاء بن عجلان هو: الحنفي البصري العطار، متروك الحديث كذبه ابن معين - في بعض الروايات - والفلاس، وقال العجلي - وحده ـ: " بصري ثقة "!
وهو أيضا لم يدرك أبا أمامة، بل الظاهر وقوع سقط بينهما أشار إليه محقق الكتاب بوضعه بين قوسين.
الثاني: وجدت أيضًا للشطر الثاني من الحديث طريقًا أخرى بمغايرة في الثواب، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من قرأ يس في ليلة فكأنما قرأ القرآن سبع مرات ".
قال محققا "فردوس الأخبار" (٤ / ٣٦) جزاهما الله خيرًا:
[ ١٠٢ ]
" وفي المسند - يعنيان "مسند الفردوس" - أخبرناه إسماعيل الواعظ ﵀ أخبرنا أحمد بن الفضل الباطرقاني، أخبرنا أبوبكر أحمد بن موسى الحافظ، حدثنا أحمد بن إسحق، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا محمد بن سنان العَوَقِيّ (تحرفت نسبته إلى العوفي)، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ ".
قلت: هذا حديث منكر جدًا، رجاله كلهم ثقات سوى شيخ الديلمي.
والباطرقاني وشيخه - وهو ابن مردويه - من الحفاظ الكبار، وأحمد بن إسحق - الذي يروي عنه أبو نعيم كثيرًا - هو: (أحمد بن بندار بن إسحاق الأصبهاني الشعار)، وثقه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١ / ١٥١) .
وقال الذهبي في "السير" (١٦ / ٦١): " الإمام الفقيه البارع المحدث، مسند أصبهان "، وذَكَر محمد بن زكريا في شيوخه، وابن مردويه في الرواة عنه.
ومحمد بن زكريا هو: ابن عبد الله أبو جعفر القرشي الأصبهاني، قال أبو الشيخ في "الطبقات": (٣ / ٣٤٩): " كتب عن عثمان بن الهيثم، وأبي حذيفة، وبكار، وعبد الله بن رجاء، والبصريين. عنده عن هؤلاء أصول جياد ".
وقال أبو نعيم (٢ / ٢٦١): " صاحب أصول جياد صحاح ".
والثلاثة فوقه ثقات من رجال الصحيح،
[ ١٠٣ ]
والبلاء - في نقدي - من إسماعيل الواعظ - شيخ أبي منصور الديلمي - وهو: (أبو عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد الأصبهاني المحتسب الواعظ) .
قال الذهبي في ترجمته من "السير" (١٩/٣٨٢): " قال ابن ناصر: وضع حديثًا، وأملاه، وكان يخلط ".
قال ابن النجار - كما في "المستفاد" (ترجمة ٥٨) - تعقيبًا على ابن ناصرـ: " قلتُ: وقد وصفه (١) شيرويه الحافظ بالصدق، وكذلك أبو منصور (٢) اليزدي، ولم أعلم لأحد فيه طعنًا، إلا ما حكاه ابن السمعاني عن ابن ناصر، فالله أعلم ".
وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" وفيات (٥٠١ ـ٥٢٠)، صفحة ٢١٦ - ٢١٧: "وكان ضعيفًا"، ثم ذكر كلام ابن ناصر.
وقال الحافظ في "اللسان" (١ / ٤٣٤): " ولو ذكر ابن ناصر الحديث لأفاد ".
قلتُ: لا أُبعد أن يكون هذا (!) واختيار الذهبي أشبه عندي من دفاع ابن النجار، ثم الحافظ ﵏ جميعًا - فإن الرجل قد يسقط بحديث واحد. والله المستعان.
_________________
(١) تحرفت في "المستفاد" إلى: (وقد سرد به الحافظ بالصدق)، والتصويب من "لسان الميزان".
(٢) تحرفت في "المستفاد" إلى: ابن ناصر اليزدي، والتصويب من "اللسان" بمعناه.
[ ١٠٤ ]
وهذا - إن لم يكن من وضعه - فمما أشار إليه ابن ناصر من تخليطه والعلم عند الله تعالى.
الثالث: كنتُ قد ذكرتُ (ص ٢٧ من الطبعة الأولى) قول ابن عدي: " ورواه عن هارون يوسف بن عطية - الكوفي لا البصري - بعضه " فتكلمتُ عليه - بناءً على قول ابن عدي ﵀ وجزمتُ في الحاشية بأن ابن منيع رواه عن الكوفي، وليس الأمر كذلك.
بل قال ابن منيع: " ثنا يوسف بن عطية الصفار البصري عن هارون بن كثير " إلخ. كما في "إتحاف الخيرة المهرة" - المطبوع - (رقم ٧٧٩٦) (١)، وكذا " المطالب العالية" - المسندة - (٤٠٧٢) لكن وضع محققاه: (الصفار البصري، عن) بين معكوفين.
ولأن الحافظ المزي ﵀ ذكر (أحمد بن منيع البغوي) في جملة الرواة عن (يوسف بن عطية الصفار البصري) دون الكوفي، في ترجمة الأول من "تهذيب الكمال" (٣٢ /٤٤٤) .
ثم فوجئت بابن عدي ﵀ يروي طرفًا من هذا الحديث في ترجمة الكوفي من "الكامل" (٧ / ٢٦١٢) من طريق بشر بن معاذ والنضر بن منصور الباهلي عن أبي المنذر يوسف بن عطية الكوفي الباهلي عن هارون بن كثير به!
_________________
(١) وتصحفت فيه إلى: (الصفار المصري) ونبهني إليه الأخ الحبيب المذكور، لكنه لم يتفطن إلى تصويب النسبة زاده الله حرصًا وفهمًا.
[ ١٠٥ ]
وشيخ ابن عدي فيه: (حفص بن أبي حفص) لم أهتد إلى ترجمته، فإن كان حفظه فالظاهر أن الحديث عند السَّمِيَّيْن جميعًا: يوسف بن عطية الصفار البصري، ويوسف بن عطية الباهلي الكوفي. والله أعلم بحقيقة الأمر.
الرابع: في القصة التي وقعت لمؤمل بن إسماعيل في تتبع الحديث الموضوع في فضائل سور القرآن، هناك مغايرة بين متن الإسناد الأول - الذي لم أتحقق من بعض رجاله - ومتن الثاني التالف، وهو أن لفظ الثاني: " فقال - يعني مؤملًا ـ: لقد حدثني رجل ثقة - سمَّاه - قال: أتيت المدائني فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث "، فجعل القصة جرت للرجل الثقة الذي حدَّث عنه المؤمل وسمَّاه، لكن لم يذكر اسمه في القصة، وليس للمؤمل نفسه.
ولا أشك أن الأول أصح.
وعسى الله ﷿ أن يقيض لنا طالب علم من النابهين يفيدنا في تحقيق حال من لم نتوصل إليه من رجاله.
الخامس: وقع عند حديث أبي هريرة وأبي سعيد بشطره الثاني - ص (٤٢) من الطبعة السابقة - خطأ وقلب في اسم شيخ البيهقي نبه عليه أخونا المذكور - جزاه الله خيرًا - فتم تصويبه.
السادس والأخير: كنت قد ذكرت - (ص ٣٤) من الطبعة السابقة - حديثا رواه البزار عن أبي هريرة، وعزوته إلى "معرفة الصحابة" لأبي
[ ١٠٦ ]
نعيم (٢ أق ٢١٧ أ) معلقًا من طريق محمد بن عصام عن زيد - أعني ابن الحباب به ـ.
فاستدرك الأخ المذكور - وفقه الله - عليَّ بوقوع خلط بين اسمين: (محمد بن عاصم الثقفي الأصبهاني)، و(أحمد بن عصام)، صوابه (محمد بن عاصم) وأن الحديث في "جزئه العالي المشهور" رقم (٣٥)، فلما رجعت إلى الموضع المذكور من "المعرفة" وكذا المطبوع (٥ / ٢٦٦٩) (الترجمة ٢٨٧٢) تبين لي أنه وهم، وسبق قلم.
ولي بعض العذر، لأنه كما أن هناك من محدثي أصبهان: (محمد بن عاصم) و(أحمد بن عصام)، هناك أيضا ثلاثة باسم (محمد بن عصام) !
فلم ألفق بين اسمين وأخْرُجُ بثالث.
ولو رفق بي وقال: " وهذا تداخل بين اسمين " بدلا من: "وهذا خلط بين اسمين"، ثم عاد في ظهر الورقة فقال: " قلت: إنه خلط بين اسمين " مع صغر سنه، وقرب عهده بالحديث، كأنه يخاطب بليدًا بطيء الفهم.
أقول: لو رفق بي، عملا بوصية إمامنا الشافعي ﵀ لأحد تلاميذه: "اكْسُ ألفاظك أحسنها "؛ لكان خيرًا له وأصلح لذات البين.
اللهم ألهمه رشده، وأعذه من شر نفسه.
[ ١٠٧ ]
اللهم انفعه بما علمته، وعلمه ما ينفعه، وزده علمًا، آمين. آمين. آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ١٠٨ ]
الفهرس
الصفحة الموضوع
* تقدمة بين يدي الطبعة الجديدة، والإشارة إلى إبقاء أصل الكتاب على حاله تيسيرًا على طابعيه الأفاضل، إلا أحرف يسيرة، والإشارة أيضًا إلى جعل الاستدراكات التي طرأت عليه حتى الآن في آخره.
* التقدمة، والإشارة إلى قصة اختيار هذا الحديث والبدء به في سلسلة " أحاديث ومرويات في الميزان ".
ونصيحة للكافة بمعرفة قدر أخيهم وترك المغالاة في أمره وطلب إعانته على نفسه إلخ وبيان المقصد الأسمى لكل من عرف الله ﷿ لبيان عدم جدوى كثير مما يحدث على ساحة الواقع.
* الطرق الإجمالية للحديث مرفوعًا وموقوفًا ومقطوعًا والإشارة إلى خاتمة الرسالة.
* نص الحديث.
* طرق حديث أنس عند مخرجيه، وتعليق في الحاشية عن وصف كتاب الترمذي بالصحة وترجيح تسميته بـ "الجامع" لا غير ذلك. وإيراد تعليق المباركفوري على عبارة للترمذي وبيان ما فيه مع تعقبه في جزمه بأن قتادة لم يسمع من صاحبي سوى أنس ﵁.
* استعراض رأي أبي حاتم والأزدي وابن العربي المالكي والمنذري والذهبي والألباني وغيرهم في الحديث. وإلقاء الضوء على خمس مسائل تتعلق بتخريج
الألباني للحديث.
* حديث ابن عباس والإشارة إلى حكم ما يتفرد به ابن مردويه.
* حديث أبي بن كعب من رواية زر بن حبيش عنه، وجزم ابن الجوزي والذهبي بوضعه، وبيان علله.
* حديثه من رواية أبي أمامة عنه. وكلام بعض الأئمة فيه وفي بعض رواته. وإيراد طرفة مروية عن (مؤمل بن إسماعيل) ﵀ في تعقب رواة هذا الحديث واكتشاف وضعه.
* حديث أبي هريرة بالشطر الأول وإعلاله من وجهين. وسوق كلام المتقدمين والمتأخرين في (حميد المكي مولى آل علقمة) وسرد مناكيره.
* والإشارة في الحاشية إلى حديث " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا " والرجوع عن الرسالة المصنفة فيه.
* حديث ابن عباس بشطره الأول وبيان ورود القطعة الوسطى منه موقوفة عليه، والقول النهائي في (شهر بن حوشب) ﵀، وورود آخره من حديث أبي أمامة وموقوفًا على شهر أيضًا وبيان ما فيهما.
* حديث معقل بن يسار بشطره الأول وبيان شذوذ الزيادة المتعلقة بحديثنا فيه، وبعض ما قيل في (المعتمر بن سليمان التيمي) ﵀ والعلل الإجمالية لحديث معقل برمته فيما يتعلق بالسورة. والإشارة إلى رسالة علي الحلبي - هداه الله - في ذلك.
* حديث أبي هريرة وأبي سعيد بشطره الثاني وبيان نكارته وكلام النقاد في (سويد أبي حاتم) راويه.
* حديث ابن عباس بالشطر الثاني وبيان ما فيه، وأن بعضه مروي عن (عطاء بن أبي رباح) ﵀ مرسلًا بلاغًا. وبيان علله وحكم (مراسيل عطاء) .
* حديث عقبة بن عامر بالشطر الثاني، وبيان ما فيه.
* معضل حسان بن عطية به أيضًا، وتحقيق أنه لم يثبت سماعه من أحد من الصحابة.
* أثر معقل بن يسار موقوفًا، والإحالة على الحديث المتقدم عنه.
* أثر أبي قلابة الجرمي مقطوعًا وبيان نكارته، والتعقيب على وصف البيهقي إياه بأنه من (كبار التابعين)، واستظهار مقصوده بهذا الوصف من نص آخر عنه.
والتعرض لقضية التوسع في إعطاء كل ما لا مجال للرأي فيه حكم الرفع إلى النبي؟ مع إبداء النصح فيها. وإيراد مثال علمي صريح للدلالة على التخبط في هذه القضية، يتعلق بقول حذيفة ﵁: " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"، مع عجالة سريعة فيها القول الفصل في رفعه صراحة إلى النبي؟.
* أثر عبد الرحمن بن أبي ليلى، واستظهار عدم ثبوته.
* أثر صاحب معمر، وبيان ما فيه من الاحتمالات، وتخريج الثواب المتقرر فيه موقوفًا على سليمان التيمي أو الحسن، على تردد في ذلك.
* أثر يحيى بن أبي كثير؛ وبيان نكارته، وسوق كلام النقاد في (عامر بن عبد الله بن يساف اليمامي)، راويه عنه. وإيراد أربعة أحاديث وأثرين مما يستنكر عليه مع التوسع في طرق بعضها، وبيان وجه الوهم في اثنين منها.
واختتام الرسالة بتقويم الحافِظَين الذهبي وابن حجر لعامر هذا، مع فائدة تتعلق بشرح الحديث عن "فيض القدير" و"تحفة الأحوذي".
والتعقيب على ذلك لتبرير قلة جدواه لانتفاء الصحة، وإبداء القول الفصل في الحديث سندًا ومتنًا. والإشارة إلى بُطلان حديث: " يس لما قُرئت له " في الحاشية.
* الاستدراكات على بعض ما في الطبعة الأولى للكتاب.
ملحوظة: كثير من الفوائد التي سطرتها في حواشي الرسالة لم أشر إليها في هذا الفهرس، فلا يضن أحد على نفسه بالانتفاع بما فيها، والله المستعان.
تم الفهرس بحمد الله
[ ١٠٤ ]