قال الحافظ أبو بكر البزار ﵀ في «مسنده»: «حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، ثنا زيد، ثنا حميد، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس» .
كما في «كشف الأستار» (٢٣٠٤) للحافظ الهيثمي، و«مختصر زوائد البزار» (١٥٤٩) للحافظ ابن حجر - رحمهما الله - وهذا إسناد منكر، له علتان:
الأولى: جهالة حال عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق - وهو الثقفي
[ ٤٠ ]
الكوفي - شيخ البزار، حيث انفرد ابن حبان بإيراده في «الثقات» - كما تقدم.
وما رأيت له ترجمة مستقلة في مكان آخر، ولم أر هذا الحديث موصولًا عن زيد بن الحباب العكلي الحافظ إلا من جهته، فهل له مدخل في نكارته من هذا الوجه؟ علم ذلك عند الله تعالى.
ويحتمل أنه قد توبع، فقد عرف الحديث من هذا الوجه بعض الحفاظ كالترمذي ﵀ كما تقدم عنه.
ورواه ابن مردويه أيضًا في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» (٥/٢٥٧) حيث قال السيوطي ﵀ عقب حديث ابن عباس باللفظ التام المتقدم: «وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس مثله» . فالله أعلم.
الثانية: جهالة شيخ شيخه - أيضًا ـ: حميد المكي مولى آل علقمة كما تقدم عن الحافظ ابن حجر ﵀ (وقال) الإمام البخاري ﵀ في «تاريخه الصغير» (٢/١٢٣ـ ١٢٤) وعنه ابن عدي (٢/٦٨٩):
«حميد المكي مولى ابن علقمة، روى عنه زيد بن حباب ثلاثة أحاديث زعم أنه سمع عطاء عن أبي هريرة عن سلمان (تحرفت إلى: سليمان، والتصويب من «الكامل» و«تهذيب الكمال» (٧/٤١٥) ولما سيأتي قريبًا) عن النبي - ﷺ - وحديثين آخرين لا يتابع فيهما» .
قال الحافظ المزي ﵀: «يعني حديث سلمان في الدعاء: «من
[ ٤١ ]
قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك الحديث»، وفي آخره: «من قالها مرة عتق ثلثه (١) من النار الحديث» .
وقال البرقاني في «سؤالاته للدارقطني» (٦٦): «قلت: فحميد مولى علقمة عن عطاء؟ قال: مجهول» (٢) .
وقال ابن عدي: «وحميد المكي لم ينسب ولم يُذكر أبوه، وحديثه هذا المقدار الذي ذكره البخاري لا يتابع عليه كما قال» .
وقال الذهبي في «المغني» (١/١٩٦): «قال البخاري: لا يتابع عليه» .
وقال في «الكاشف» (١/٢٥٩): «لين» .
وحكى في «الميزان» (١/٦١٨) ما حكاه عن البخاري في «المغني»، وزاد: «قلت: له ثلاثة أحاديث (٣) . قال ابن عدي: لا يتابع على بعض (٤) حديثه. قلت: هو أصغر من حميد بن قيس المكي المذكور» .
_________________
(١) تحرفت في المطبوع إلى: «ثلاثة» .
(٢) قال العلامة المعلمي ﵀ في حاشية «الفوائد المجموعة» (ص٢٩٩): «والمجهول إذا روى خبرين لم يتابع عليهما، فهو تالف» .
(٣) هذه من تمام عبارة البخاري في «التاريخ الصغير» كما رأيت.
(٤) ليس هذا لفظ ابن عدي - كما رأيت - ولا معناه. فمن الخطأ البين ما جرى عليه كثير من المعاصرين من الاعتماد على كتب المتأخرين كـ «الميزان» و«تهذيب التهذيب» وما شابههما دون الرجوع إلى الأصول التي ينقل عنها أولئك الأئمة المتأخرون إلا أن لا نجد تلك النصوص عند أحد سواهم، فالله المستعان.
[ ٤٢ ]
وجهَّله الحافظ في «التقريب» (١٥٦٨) كما تقدم.
وحديثه هذا أورده في «الكافي الشاف» (ص ١٤٠) معزوًا للبزار، وأعله بضعفه.
وقال فيه ابن كثير ﵀: «منظور فيه» كما تقدم.
ولم أره في «مجمع الزوائد» للهيثمي ﵀ مع كونه على شرطه.
(والملاحظ) أن مناكير حميد هذا، التي يرويها بهذا الإسناد الواحد تدندن - كلها - حول قضية بعينها، هي (فضل ذكر الله ﷿) بل حول صحابة بأعيانهم، هم: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وسلمان ﵃!
فمنها:
١ - ما رواه الترمذي في «جامعه» (٣٥٠٩) عن إبراهيم بن يعقوب عن زيد بن الحباب عنه به: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» .
وعين هذا الحديث، رواه البزار كما في «الكشف» (٣٠٧٨) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا زيد بن الحباب به أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي بكر ﵀ (١) ـ: «ألا ترتع في روضة من رياض الجنة
_________________
(١) كذا في «كشف الأستار»، وفي «مجمع الزوائد» بدون قوله: ﵀.
[ ٤٣ ]
وتريح فيها؟» فقال: يا رسول الله، وما الرتع، قال: «الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر «قال سلمان: إن لكل شيء غرسًا، فما غراس الجنة؟ قال:» سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وشيخا الترمذي والبزار كلاهما ثقة حافظ!
نعم، وروي هذا المتن مختصرًا من طرق بغير هذا السياق (١) .
_________________
(١) ورواه الحافظ في «نتائج الأفكار» (١/٢١) من طريق جعفر الفريابي، حدثني الفضل بن مقاتل البلخي ثنا زيد بن الحباب به، بلفظ: «يا أبا بكر إذا مررت برياض الجنة فارتع فيها» قال: وما الرتع فيها يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وقال الحافظ ﵀: «وهذا حديث غريب » . قلت: أما اللفظ المختصر الذي أعنيه فهو: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر» . وقد روي من طرق منكرة وواهية عن أنس وجابر وابن عمر وغيرهم. ولي رسالة في تحسينه طبعت منذ ست سنوات باسم: «أخذ الجنة بحسن حديث الرتع في رياض الجنة» لو لم أضعها لكان خيرًا لي إن شاء الله، ولكنني - وقتئذ - كنت أشد جهلًا مني الآن بقواعد هذا العلم الشريف، وأنهم لم يكونوا يحسنون أو يصححون متنًا من المتون من مجموع طرق ضعيفة، بل الترمذي ﵀ الذي اصطلح على هذا؛ اشترط انتفاء الشذوذ، فالنكارة كذلك بل أضل سبيلًا، وقد ألحقت بالرسالة المذكورة أيضًا (أذكار الصباح والمساء وبعد الصلاة)، وتراجعت عن كثير مما فيها. وقد أشار عليّ أحد الإخوة أن أفرد رسالة لبيان ما رجعت عنه وتبين لي عدم ثبوته. فلم تخف عليّ وجاهة رأيه فعزمت على ذلك والله المستعان.
[ ٤٤ ]
٢ - وما رواه البزار في «مسنده» أيضًا كما في «الكشف» (٣٠٩٢): «حدثنا رجل من أصحابنا عن زيد بن الحباب به: بينما النبي - ﷺ - جالس، وأبو بكر ﵁ وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، ونعيم بن سلامة، إذ قدم بريد على النبي - ﷺ - من بعث بعثه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأينا بعثًا أسرع إيابًا، ولا أكثر مغنمًا من هؤلاء، فقال النبي - ﷺ -: «يا أبا بكر ألا أدلك على ما هو أسرع إيابًا وأفضل مغنمًا؟ من صلى الغداة في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس» .
قال البزار: «لا نعلم أحدًا شارك حميدًا في هذا، ولا نعلم رواه عن عطاء عن أبي هريرة غيره» .
قلت: قد رُوي معناه من أوجه أخرى لا يصح منها شيء.
وشيخ البزار - وإن كان مبهمًا - لا ندري من هو، وقد يكون (عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق) أيضًا، لكنه توبع.
قال الحافظ ﵀ في ترجمة (نعيم بن سلام، ويقال: ابن سلامة السلمي) من «الإصابة» (٣/٥٦٧): «له ذكر في حديث أخرجه البزار من طريق زيد بن الحباب » فذكره، وقال: «وقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده » ثم رأيته في «المعرفة» لأبي نعيم (٢ أق ٢١٧ أ) معلقًا من طريق محمد بن عصام عن زيد به.
[ ٤٥ ]
٣ - وما رواه ابن عدي (٢/٦٨٩ ـ٦٩٠) والطبراني في «الكبير» (٦/٢٢٠) من طريق أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا زيد بن الحباب به إلى أبي هريرة: حدثني سلمان الفارسي قال رسول الله - ﷺ -: «من قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأشهد من في السموات ومن في الأرض أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأكَفِّر من أبى من الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك. من قالها مرة عتق ثلثه من النار، ومن قالها مرتين عتق ثلثاه من النار، ومن قالها ثلاثًا عتق كله من النار» .
وتقدمت إشارة البخاري ﵀ إلى هذا الحديث مما لم يتابع عليه حميد.
ورواه أيضًا البزار كما في «مختصر زوائده» (٢٠٨٩) للحافظ ﵀: «حدثنا أحمد، ثنا زيد بن الحباب » فذكره.
وشيخه - أحمد - لم يعرفه الهيثمي (١٠/٨٦)، وأعله هو والحافظ بضعف حميد.
وهذا الشيخ قد يكون ابن يحيى الصوفي الذي رواه ابن عدي والطبراني من طريقه، وقد يكون ابن يحيى الحجري الآتي ذكره فقد رواه - أيضًا - الحاكم (١/٥٢٣) من طريق أبي عبد الله أحمد بن يحيى الحجري عن زيد بن الحباب، فقال: «حدثنا حميد بن
[ ٤٦ ]
مهران (!) ثنا عطاء » فذكره بنحوه، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» .
قال الذهبي - ملخصًا كلامه بغير تعقب ـ: «صحيح» . وقد اغتر بظاهر هذا الإسناد: الأستاذ العلامة الألباني - حفظه الله - فقال في «الصحيحة» (٢٦٧):
«وهو كما قالا. وله شاهد ضعيف كما بينته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» رقم (١٠٤١) اهـ.
قلت: والحجري - في إسناد الحاكم - هو أحمد بن يحيى بن المنذر الكوفي، قال الدارقطني ﵀: «صدوق» كما في «سؤالات الحاكم له» (ترجمة: ٤) .
وأما أحمد بن يحيى الصوفي، وهو ابن زكريا الأودي الكوفي العابد أبو جعفر، فهو من رجال «التهذيب» .
وهو ثقة بإطلاق، فقد وثقه أبو حاتم وابن حبان، وقال النسائي: «لا بأس به» . وروى عنه هو والبخاري في «تاريخه» كما في «تهذيب الكمال» (١/٥١٨) .
ومعلوم - بداهة - أن الصدوق - بل الثقة الحافظ - يهم، ويخطئ، ويخالف.
فإن لم يكن الوهم في تسمية شيخ زيد بن الحباب من الحاكم نفسه أو شيخه الأصم، فهو من أحمد بن يحي الحجري، يؤيد ذلك قرائن شتى منها:
[ ٤٧ ]
١ - أن الحديث معدود في مناكير حميد المكي، وبه يعرف، ولذلك ساقه في ترجمته: البخاري، وابن عدي، والذهبي نفسه.
٢ - أن المتن منكر - لا محالة - فلا يتناسب، بل لا يستحق أن يرد بهذا الإسناد النظيف.
٣ - أن حميد بن مهران - وهو الكندي البصري الخياط - لم يذكر أحد - علمته - روايته عن عطاء بن أبي رباح، أو رواية زيد بن الحباب عنه، وإن كان من نفس طبقة الآخر. (وقد) نزا على الحديث: إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي - فيما يظهر - فرواه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء به عند الطبراني (٦/٢٢٠) .
ولما رآه بعضهم اتهم ابن جريج بتدليسه وإسقاط حميد من إسناده فأغرب (!) فالمصيصي كذاب متهم بسرقة الحديث. انظر «الميزان» (١/٤٠ - ٤١) ثم ما لابن جريج وحميد مولى آل علقمة حتى يدلسه؟!