قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في «مسنده» (٥/٢٦): «ثنا عارم ثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار أن رسول الله - ﷺ - قال: «البقرة سنام القرآن وذروته، ينزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش فوصلت بها أو: فوصلت بسورة البقرة. ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله ﵎ والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم» .
ورواه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٧٥) - باختصار أوله ـ، والطبراني في «الكبير» (٢٠/٢٢٠، ٢٣٠ - ٢٣١) من طرق عن المعتمر بن سليمان به، وليس عند النسائي زيادة: «عن أبيه» - الثانية - في الإسناد.
ورواه أيضًا ابن نصر في «قيام الليل» كما في «مختصره» (ص٧٣) وحذف الشيخ المقريزي - سامحه الله - إسناده، كأنه صنع ذلك لما وجده في الكتاب مرفوعًا وموقوفًا، والظاهر أن لفظهما واحد أو متقارب، ولذلك سأورده بإذن الله في الآثار الموقوفة.
[ ٥٠ ]
وعزاه الحافظ السيوطي ﵀ في «الدر» - مع المذكورين - إلى أبي داود وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في «الشعب» بلفظ: «يس قلب القرآن » حتى قوله: «إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرؤوها على موتاكم» .
وفي هذا الصنيع نظر ظاهر، فليس من الحديث عند أبي داود (٢/١٧٠) وابن ماجه (١٤٤٨) والحاكم (١/٥٦٥) والبيهقي (٢٤٥٧) وكذا في «سننه الكبرى» (٣/٣٨٣) سوى الجملة الأخيرة منه حَسْبُ: «اقرؤوا على موتاكم يس» من طرق عن ابن المبارك عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه به. ورواه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (٤٨٠): «حدثت عن عبد الله بن المبارك عن التيمي به» .
وهو عند ابن حبان (٣٠٠٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان (١) عن سليمان عن أبي عثمان عن معقل به مختصرًا أيضًا. فظهر بذلك أن زيادة: «يس قلب القرآن» في هذا الحديث شاذة لتفرد المعتمر بن سليمان بها، بمخالفة الحافظين الثبتين: عبد الله بن المبارك ويحيى القطان على النحو المتقدم سندًا ومتنًا.
بل في رواية للبيهقي في «الشعب» (٢٤٥٨) بسند صحيح إلى
_________________
(١) يبدو أن الراجح عن يحيى القطان إيقافه، فقد جزم الحاكم بأنه أوقفه هو وغيره، ثم إن تفرد ابن حبان عنه مرفوعًا يوقع ريبة كبيرة، لتوافر دواعي سائر المصنفين على روايته من طريقه. فالله أعلم.
[ ٥١ ]
أبي عمر الضرير ثنا المعتمر بن سليمان به، باختصار هذه الزيادة، ولم يقل في الإسناد (عن أبيه) نعم، المعتمر ثقة حافظ أيضًا مقدم في أبيه، قال ابن معين ﵀: «كان معتمر بن سليمان أعلم الناس بحديث أبيه، لم يكن أحد من الناس يقوم في سليمان مقامه» كما في «معرفة الرجال» لابن محرز (١/٥٥٨) .
وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: «ما كان أحفظ معتمر بن سليمان، قل ما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء» كما في «تهذيب التهذيب» (١٠/٢٢٨) .
ولكن أُخِذَتْ عليه - في الجملة - أشياء.
* قال أبو الوليد الباجي في «التعديل والتجريح» (٢/٧٦٤): «قال أحمد بن علي ابن مسلم: حدثنا مجاهد بن موسى: سمعت يحيى بن سعيد يقول: إذا حدثكم المعتمر ابن سليمان بشيء فاعرضوه، فإنه سيء الحفظ» وقال ابن خراش: «صدوق يخطيء من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة» .
ورده الذهبي في «الميزان» (٢/١٤٢٤) بقوله: «قلت: هو ثقة مطلقًا. ونقل ابن دحية عن ابن معين: ليس بحجة» . قلت: الثابت عنه توثيقه.
[ ٥٢ ]
قال إسحاق بن منصور الكوسج عنه: «ثقة» كما في «الجرح والتعديل» (٨/٤٠٢ - ٤٠٣) . ولكنه قدم جماعة من أثبات أهل البصرة عليه.
قال ابن محرز (١/٥٠٣): «وسمعت يحيى - وسئل - «من الثقات من البصريين؟ فقال: حماد بن زيد، وخالد بن الحارث، وعبد الوارث، وبشر بن المفضل، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، ومعاذ بن معاذ. قيل له: فمعتمر؟ قال: معتمر ثقة، وليس مثل هؤلاء هؤلاء أكثر منه» .
قلت: وليس ابن المبارك أو القطان بدون واحد من هؤلاء، فكيف باجتماعهما على خلاف معتمر؟ ولا يعني ما تقدم عن ابن معين أن معتمرًا بمنزلة (المعصوم) في أبيه. فمالك ﵀ هو أثبت أصحاب الزهري بإطلاق، ومع ذلك أخذوا عليه في الزهري أشياء وأبو معاوية الضرير رفعوه جدًا في الأعمش - وحده - ومع ذلك لم يسلم من بعض الوهم في حديثه.
والحاصل أن الواقع العملي والممارسة العملية المتأنية هما اللذان يستدل بهما على مثل هذه الأمور والقضايا (أما) حديث معقل بن يسار المتقدم - برمته - فالخلاصة فيه ما قاله الشيخ حمدي السفلي - حفظه الله - في حاشية «المعجم الكبير»، حيث قال:
«والحديث ضعيف لعلل ثلاث:
أولًا: الاضطراب في الإسناد.
[ ٥٣ ]
ثانيًا: جهالة أبي عثمان وأبيه.
ثالثًا: الوقف.
قال الحافظ في «التخليص» (٢/١٠٤): وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث» اهـ.
قلت: ولأخينا علي بن حسن الحلبي - هداه الله ورده إلى الحق ردًا جميلًا - رسالة (١) مطولة في تضعيف هذا الحديث من هذا الوجه وغيره.