حَيَاة المؤذنين والأولياء وَالْعُلَمَاء، ذكرهَا كثير من أهل الْعلم بِغَيْر دَلِيل، وَكَأَنَّهُم قاسوها على حَيَاة الشُّهَدَاء، لَكِن هَذَا لَا يثبت بِالْقِيَاسِ بل بِالنَّصِّ، وَحَدِيث: إِن الْعلمَاء تحْشر فِي زمرة الشُّهَدَاء لَا يلْزم مِنْهُ حياتهم وَمَعَ ذَلِك فَالْحَدِيث ضَعِيف، بِاتِّفَاق أهل الْعلم، تقدم الْكَلَام على حَدِيث: " يُوزن دم الشُّهَدَاء ومداد الْعلمَاء فيرجح مداد الْعلمَاء "، وَأَنه لَا يَصح، وَلَا مَانع أَن الله يكرمهم بِالْحَيَاةِ الْمَذْكُورَة إِذْ كل مزية غير النُّبُوَّة جَائِزَة فِي حق الْعباد، وَلَكِن ثُبُوتهَا يحْتَاج نَص خَاص.
(فَائِدَة:)
حَيَاة الْخضر - ﵇ - اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء وأثبتها الْأَوْلِيَاء والصالحون - رضوَان الله عَلَيْهِم - وَلم يرد فِي حَيَاته شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ. نعم ورد أَنه يجْتَمع مَعَ إلْيَاس - ﵇ - كل عَام فِي الْمَوْسِم وَلَكِن سَنَده لم يَصح وَقَالَ الْمَنَاوِيّ: ضَعِيف وَقَالَ ابْن حجر والسخاوي: مُنكر، وعَلى فرض صِحَّته فَيدل لحياة إلْيَاس وَهُوَ بَاطِل أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأحمد فِي حَيَاة إلْيَاس وَأَن طوله ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَأَنه يمشي فِي السَّحَاب وَأَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأكل مَعَه. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة يزِيد بن يزِيد البلوي وَقَالَ: هَذَا خبر بَاطِل وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ الْآيَة، فَأخذ الْعَهْد على كل نَبِي بوقته أَنه إِن أدْرك مُحَمَّدًا ﷺ يقوم بنصره ويؤمن بِهِ وَالْخضر - ﵇ - نَبِي على الْمَشْهُور عِنْد الْعلمَاء وَإِن لم يكن نَبيا فَهُوَ تَابع لنَبِيّ فَيجب عَلَيْهِ نصْرَة نَبينَا ﷺ واتباعه إِن كَانَ حَيا وَلم يرد مَا يدل على حَيَاته فِي زَمَنه ﷺ وَلَو ورد لما خَفِي علينا؛ لِأَنَّهُ من الْأُمُور الغريبة وَلَو فرضت حَيَاته فِي عصر الصَّحَابَة لمات؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيح البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم أَن ابْن عمر قَالَ: صلى بِنَا
[ ٣٥٥ ]
النَّبِي ﷺ الْعشَاء فِي آخر حَيَاته فَلَمَّا سلم قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِن رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد. وَلَا يشكل هَذَا فِي حَيَاة الدَّجَّال لآخر الْوَقْت كَمَا صحت الْأَخْبَار بذلك؛ لِأَن الدَّجَّال أحد أَبَوَيْهِ جني فَهُوَ تَابع للجن فِي طول الْحَيَاة وينضم لهَذِهِ الدَّلَائِل قَوْله ﷺ يَوْم بدر: " اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض، وَلَو كَانَ الْخضر حَيا لَكَانَ يعبده - سُبْحَانَهُ تَعَالَى -. أما مَا ورد من أَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ فخبر بَاطِل وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم أَنه حضر موت رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ مَوْضُوع وَكَذَا مَا ورد فِي مَوته كَحَدِيث لَو كَانَ الْخضر حَيا لزارني فَإِنَّهُ مَوْضُوع أَيْضا وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مَا ورد فِي حَيَاته أَو مَوته غير صَحِيح. وَأما اجتماعه بالأولياء - ﵃ - فَيحمل على روحه وَأَنَّهَا تتشكل بصورته فالأرواح لَهَا تصرف بعد الْمَوْت كالحياة، وَيدل لهَذَا أَن من يرَاهُ من النَّاس يرَاهُ هُوَ وَحده لَا غَيره وَلَو كَانَ جسما لرآه كل حَيّ مر بِهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيّ لَا ملك وَلَا جني فرؤيته ورؤية النَّبِي ﷺ جهارًا لبَعض الْأَوْلِيَاء رُؤْيَة نورانية وَهِي من رُؤْيَة الْمِثَال لَا فِي عَالم الشُّهُود؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي عَالم شُهُود الشَّخْص كَانَ فِي جملَة الخيال والهدس أَو حَدِيث النَّفس وللأولياء أَحْوَال لَا يقدرُونَ أَن يعبروا عَنْهَا كَيفَ يعبر عَنْهَا غَيرهم وَلَا نظن بهم إِلَّا خيرا - رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ -.