سُئِلَ ابْن الْقيم الجوزية هَل تمكن معرفَة الحَدِيث الْمَوْضُوع من غير أَن ينظر فِي سَنَده فَأجَاب أَنه سُؤال عَظِيم وَحَاصِل الْجَواب أَن هَذَا إِنَّمَا يَتَيَسَّر لمن تضلع من السّنة حَتَّى امتزج الصَّحِيح بِلَحْمِهِ وَعرف أَحْوَاله ﷺ وَهَذَا الْجَواب صَحِيح بِالنّظرِ للموضوع الْمُنكر الْمُخَالف للشريعة المطهرة، وَأما الْمَوْضُوع من حَيْثُ هُوَ فَمِنْهُ مَا يُخَالف الشَّرِيعَة وَمِنْه الَّذِي مَعْنَاهُ صَحِيح، وَهَذَا لَا يعرف إِلَّا بِمَعْرِفَة الْإِسْنَاد فَلَا بُد من النَّقْل، وَقد نقل كل مَا وضع فِي السَّابِق فلتراجع كتب الْقَوْم.
(فَائِدَة:)
اعْلَم أَن قَول الْمُحدثين فلَان مَتْرُوك الحَدِيث أَو تركُوا حَدِيثه أَو حرقوا حَدِيثه يَقْتَضِي عدم الْعَمَل بِمَا انْفَرد بِهِ، وَإِذا تَرَكُوهُ، فإمَّا أَن يكون خَبره صَحِيحا فِي نفس الْأَمر، أَو كذبا لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَينهمَا، فَإِن كَانَ خَبره كذبا فِي نفس الْأَمر فَالْحكم ظَاهر، وَالتّرْك حِينَئِذٍ فِي مَحَله، وَإِن كَانَ خَبره صدقا فِي نفس الْأَمر وَتعلق بِهِ حكم شَرْعِي يطْلب الْعَمَل بِهِ وجوبا أَو ندبا، فَلَا يعْمل بِهِ أَيْضا؛ لأنن أهل الْعلم أطبقوا على عدم الْعَمَل بِخَبَر واه تفرد بِهِ الْمَتْرُوك، بل أطبقوا على عدم الْعَمَل بالضعيف من الْأَحْكَام، وَعَلِيهِ فَيكون خبر الْمَتْرُوك بِمَنْزِلَة الْمَوْضُوع من حَيْثُ الْعَمَل بِهِ وَعدم الْعَمَل بِهِ، وَأما تَسْمِيَة حَدِيثه مَوْضُوعا فَلَا يطيقونها عَلَيْهِ إِلَّا بعد يَقِين أَو غَلَبَة ظن لِأَنَّهُ قد يصدق الكذوب ويروي خَبرا صَحِيحا إِلَّا أَنه لم رد خَبره سقط الْعَمَل بِهِ لعدم الوثوق بِهِ فَكَأَنَّهُ لم يبلغنَا خَبره أصلا.
(فَائِدَة:)
نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: ثَلَاثَة كتب لَهَا أصل: الْمَغَازِي والملاحم وَالتَّفْسِير، قَالَ الْخَطِيب فِي جَامعه: إِن ذَلِك مَحْمُول على كتب مَخْصُوصَة فِي هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا لعدم عَدَالَة ناقلها وَزِيَادَة الْقصاص فِيهَا، فَأَما كتب الْمَلَاحِم فجميعها بِهَذِهِ الصّفة، وَلم يَصح فِي ذكر الْمَلَاحِم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أَحَادِيث يسيرَة، وَأما كتب التَّفْسِير، فَمن أشهرها كتاب الْكَلْبِيّ، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان، وَقد قَالَ أَحْمد فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ: من أَوله إِلَى آخِره كذب، قيل لَهُ: أفيحل النّظر
[ ٣٣٨ ]
فِيهِ؟ قَالَ: لَا، وَأما الْمَغَازِي، فَمن أشهرها كتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَكَانَ يَأْخُذ من أهل الْكتاب، وَكتب مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ، قَالَ الشَّافِعِي تبعا لمَالِك: إِنَّهَا كذب، وَذكر على بن الْمَدِينِيّ أَن الْوَاقِدِيّ روى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيثا لَا أصل لَهَا، وَلَيْسَ فِي الْمَغَازِي أصح من كتاب مُوسَى بن عقبَة، وَهُوَ من رجال الصَّحِيح، ثِقَة ثَبت فِي الحَدِيث، وَحَدِيثه فِي البُخَارِيّ وَغَيره.