كرامات الْأَوْلِيَاء ثابته بِالْكتاب وَالسّنة، وَإِجْمَاع الْأمة كقصة أهل الْكَهْف، وقصة إتْيَان آصف وَزِير سُلَيْمَان بعرش بلقيس فِي زمن يسير، وكبركة الطَّعَام للصديق ﵁، غير ذَلِك مِمَّا اشْتهر عَن الْأَوْلِيَاء فَمن أنكرها كالمعتزلة فَهُوَ مكابر معاند، والكرامة أَمر خارق للْعَادَة تظهر على يَد غير نَبِي مِمَّن اتّصف بالتقوى فَلَا تظهر على يَد فَاسق مُخَالف للسّنة، وَمَا يظْهر فِي بعض الأحيان على يَد فَاسق أَو فَاجر فَهُوَ اسْتِدْرَاج لَهُ أَو لغيره، أما مَا يظْهر على يَد النَّبِي بعد التحدي فيسمى معْجزَة. ثمَّ اعْلَم أَن تطلب الْكَرَامَة وَالسَّعْي فِي حُصُولهَا بملازمة الذّكر والمراقبة أَمر غير مرضِي؛ لِأَن المتعبد لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِك، وَإِنَّمَا يطْلب مِنْهُ قصد وَجه الله تَعَالَى؛ لِأَن التَّعَرُّض للكرامة غرور وفتنة بل الكمل من الْأَوْلِيَاء يسْأَلُون الله سترهَا عَن الْخلق؛ لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ ظُهُورهَا فتْنَة لَهُم، وَقد ظهر بعد عصر الصَّحَابَة على يَد كثير من الْأَوْلِيَاء كرامات لم تظهر على أَيدي أجلاء الصَّحَابَة ﵃، وَأجَاب عَن ذَلِك الْعلمَاء بِأَن الصَّحَابَة كَانُوا على قدم عَال من الْيَقِين فَلَا يَحْتَاجُونَ لما يقوى بِهِ إِيمَانهم بِخِلَاف من بعدهمْ، وَالْوَلِيّ هُوَ من والى الله بِطَاعَتِهِ ووالاه الله بمعونته، فلازم التَّقْوَى وَاتبع السّنة وَخَالف أهل الْبدع والأهواء كالرفض والاعتزال والإرجاء، وَلم يَتَخَلَّل طَاعَته عصيان إِلَّا إِذا غَلبه الْقدر فيوفق للتَّوْبَة حَالا، وَقد سُئِلَ سيدنَا الْجُنَيْد: أيزني الْوَالِي؟ فَقَالَ: وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا، وَقَالَ سَيِّدي ابْن عَطاء الله: همم الرِّجَال لَا تخرق أسوار الأقدار، فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مِقْدَار لابد من وُقُوعه. والكشف الْحَاصِل للأولياء عبارَة عَن كشف باطني يدركونه فِي عَالم الْمِثَال لَا فِي حَالَة الصحو كالمنامات الصادقة تحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، وتنزيل كالمرائي، وَلَيْسَت كلهَا حقائق، بل مِنْهَا حقائق، وَمِنْهَا تَمْثِيل ومجاز، وَلَا يميزها إِلَّا صَاحب الْأَنْوَار الواسعة، وَمَعَ ذَلِك فالكمل مِنْهُم يتخوفون من الْكَشْف، نفعنا الله بهم وَجَعَلنَا من أحبابهم، وحشرنا فِي زمرة عباده الصَّالِحين.
(فَائِدَة:)
حَيَاة السامري إِلَى الْآن، وَأَنه يرْوى فِي بعض الْأَوْقَات. كَلَام بَاطِل، لَا أصل لَهُ.
(فَائِدَة:)
حَيَاة الشُّهَدَاء ثَابِتَة بِالْكتاب الْعَزِيز، وَهِي حَيَاة برزخية كَمَا يَأْتِي فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء، والشهيد الْحَيّ هُوَ الَّذِي قتل فِي حَرْب الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى لَا لغَرَض من
[ ٣٥٤ ]
الدُّنْيَا، وَقد سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن أَحَدنَا يُقَاتل للمغنم، وأحدنا يُقَاتل للذّكر وأحدنا يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ، فأينا فِي سَبِيل الله؟ فَقَالَ ﷺ: " من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله ". وَورد أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق أَي: تَأْكُل من ثمار الْجنَّة، وَمَعْلُوم أَن أكل الْأَرْوَاح وغذاءها لَيْسَ كَأَكْل الْجِسْم، بل هُوَ غذَاء روحاني لطيف يشبه شم الْعطر وَالطّيب وَسموا شُهَدَاء لشهودهم النَّعيم قبل غَيرهم، وَقيل: سموا بذلك لشهادة الله تَعَالَى لَهُم بالخيرة وَالْفضل، وَقيل: لأَنهم يشْهدُونَ على الْأُمَم بِأَن رسلهم بلغتهم أوَامِر الله ونواهيه، وَورد أَن دِمَاء الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة يكون لَوْنهَا لون الدَّم وريحها ريح الْمسك، وَقد تَوَاتر فِي المحسوس بَقَاء أجسام الشُّهَدَاء على حَالهَا، وَأما الْحَيَاة التَّامَّة الدُّنْيَوِيَّة فَلَا تكون فِي البرزخ.