تقديم
الحمد لله ربِّ العالمين الذي بعث فينا رسولًا منَّا يزكِّينا ويعلِّمنا الكتاب والحكمة ويهدينا بإذن ربِّه إلى الصراط المستقيم، وصلاةً وسلامًا على نبي الرحمة ورسول المحبة محمَّد - ﷺ -، صلَّى عليه ربنا ومجد، والآل والصحب جميعًا سرمدًا، وبعد:
فقد طلب مني الأخ الشيخ / نبيل يعقوب البصارة -حفظه الله- أن أقوم بتقديم كتابه الموسوم بـ "أنيس الساري في تحقيق وتخريج الأحاديث التي ذكرها للحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري" وأن أعتني بطباعته وإخراجه، فوافقت له على ذلك وأنا رحب الصدر، وقرير العين لتلبية طلبه، وتحقيق رغبته، ولم لا؟
وهذا شرف رفيع لي أن أقومَ على خدمة حديث رسولِ الله - ﷺ -، ففيه مرجاة الخير ومظنة القبول، ويقين الثواب ووداد النضارة، كما قال - ﷺ -: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلَّغها كما سمعها، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" (١).
ولله درُّ ابن حجر لما قال معقِّبًا على خدمة الحديث وشرف صرف الأوقات في الأشغال به: (إنَّ أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خصَّ بمزيد الاهتمام، الاشتغال بالعلوم الشرعية، المتلقاة عن خير البرية، وهذه لا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنَّة نبيِّه المصطفى، وأن باقي العلوم إما آلات لفهمها وهي الضالة المطلوبة، أو أجنبية عنها وهي الضارة المغلوبة).
وهذا إمام أهل السنة في عصره أحمد بن حنبل يصدح بأبيات حسناوات يمتدح بها الحديث وأهله، وينوِّه بفضله ومكانته فيقول:
دين النبي محمَّد آثار خير المطية للفتى أخبار
لا ترغبنَّ عن الحديثِ وآلِهِ فالعلمُ ليل والحديث نهارُ
[ ١ / ٣ ]
وليعد الراغب في الاستزادة من بيان "فضل العلم" إلى مقدمات دواوين السنة وتراجم جهابذة الحديث لينظر طرفًا من فضل الحديث وفضل طلبه وتعليمه، وخاصة ما ذكره الخطيب البغدادي في كتابه "شرف علوم الحديث".
كما وأنه مما حثَّني على الانتهاض لتلك المهمة هو معرفتي بالأخ الفاضل الشيخ/ نبيل بن يعقوب البصارة - على مدى معايشتي له قرابة ثلاثين عامًا، عرفتُه فيها باحثًا جادًا عازفًا عن زخارف الدنيا، غير ملتفتٍ إلى بهرج، ولا عرض عاجل، بل طالبًا للعلم عاكفًا على مدارسة السنَّة وعلومها، متأبِّطًا لدواوينها، متتبِّعًا لمياسم أهلها، زاده الله فضلًا وعلمًا وخلقًا.
ولخدمة كتاب "أنيس الساري" عمدتُ إلى:
١ - العمل على إخراج الكتاب في أحسن صورة، وأبهى حلَّة، خاليًا من الأخطاء، ويأتي هذا من خلال تفريغي لموظف خلال عامين كاملين، يقوم على طباعة الكتاب ومراجعته وتصحيحه، واعتماده، وذلك في كل حرف من الشيخ/نبيل يعقوب، ثم قمتُ بدفعه بعدها إلى مطبعة نظنُّ بها الخير في جودتها وإتقانها.
٢ - عزمتُ على تهذيب وترتيب فتح الباري معتمدًا على الطبعة الموجودة في السوق "الطبعة السلفية" من أجل نقل الكتاب من كونه كتابًا لا يقتنيه إلا العلماء، إلى كتاب يستأنس به طلبة العلم وعامة القراء من أبناء الصحوة الإِسلامية، وذكرت الحكم على الأحاديث الواردة في كتاب فتح الباري شرح البخاري والتي وصل إليها الشيخ نبيل في كتابه "أنيس الساري" رغبة في تسهيل التخريج على الباحث العجلان في الوصول إلى درجة حكم الأحاديث الواردة في شرح ابن حجر - ﵀ -. واعتبرتُ هذا العمل تقديمًا للجهد الذي بذله الشيخ نبيل في خدمة فتح الباري، وأسميتُهُ: "فتح الفتوح الدواني في ترتيبات وتهذيبات وتخريجات وفقهيات وتوضيحات فتح الباري"، وقد اختصرتُ الاسم إلى "فتح الفتوح"، هذا وقد كنتُ حريصًا على عدم الإساءة للكتاب في الاختصار المخلّ، فابن حجر - ﵀ - قد حبَّره تحبيرًا جميلًا، يصعب على أحد أن يختصره، حيث قال: (وقد استخرتُ الله تعالى في أن أضم إليه نبذًا شارحة لفوائده، موضحةً لمقاصده، كاشفةً عن مغزاه في تقييد أوابده واقتناص شوارده، وأقدم بين يدي ذلك كله مقدمة تبين قواعده وتزيِّن فرائده، جامعة وجيزة؛ دون الإسهاب وفوق القصور، سهلة المأخذ، تفتح المستغلق وكذلك الصعاب، وتشرح الصدور) اهـ.
[ ١ / ٤ ]