تقدَّم في المبحث السابق ضابط الزيادة، بأن يروي راوية الكتاب أو مَن دونه أحاديث الزيادات بإسناده، ولم تقتصر فائدة أصحاب الزيادات على ذلك، بل وجدت تعليقات لهم على أحاديث صاحب الكتاب المزيد عليه حوت فوائد تتعلَّق بتلك الأحاديث، وكانت الظاهرة المشتركة الملحوظة في هذه التعليقات أنَّهم لم يرووها بأسانيد مثل ما فعلوا في الزيادات، وعليه فلا يمكن عدُّها من الزيادات، ورأيتُ أنَّ إفرادَ هذه التعليقات بمبحث خاص بها أولى من إدراجها معها، وما فعله شيخنا الفاضل الدكتور / مسفر الدميني من عدِّه إحدى تعليقات أبي الحسن القطان على حديث من سنن ابن ماجه من الزيادات فيه نظر١.
ومِن تأمُّل تعليقات أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان على صحيح مسلم خرجتُ بالفوائد التالية:
١ - بيان منهج الإمام مسلم في صحيحه، كما في التعليق رقم: (١)، وهو نص مهمٌّ اعتمده كلُّ من كتب حول منهج الإمام مسلم.
٢ - بيان وهم في متن الحديث كما في التعليق رقم: (٢) .
٣ - توضيح معنى حديث رواه الإمام مسلم، حصل فيه تقديم وتأخير، وذلك كما في التعليق رقم: (٣)، أو حصل فيه اختلاف في حركة لفظة في متن الحديث، كما في التعليق رقم: (٤)، أوجدا معنى جديدًا.
٤ - إيراد استشكال على بعض روايات الصحيح، يتضح منه الاختلاف والفرق بينهما، وذكر ما يدفع هذا الاستشكال، وذلك كما في التعليق رقم: (٥) .
٥ - توضيح رجل مبهم في متن الحديث، وذلك كما في التعليق رقم: (٦) .
_________________
(١) ١ انظر: زيادات أبي الحسن القطان (ص:٢٣)، والزيادة التي تحمل الرقم: (٤٤)، وهي على حديث أخرجه ابن ماجه في (٢/٩٣٨) (٢٨٠٧) .
[ ٢١٥ ]
نصوص التعليقات
١ - حدَّثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد ابن عبد الملك الأموي - واللفظ لأبي كامل - قالوا: حدَّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرَّقاشي، قال: "صلَّيتُ مع أبي موسى الأشعري صلاةً، فلمَّا كان عند القعدة قال رجل من القوم: أُقرَّت الصلاة بالبرِّ والزكاة، قال: فلمَّا قضى أبو موسى الصلاةَ وسلَّم انصرف فقال: أيُّكم القائل كلمةَ كذا وكذا؟ قال: فأرمَّ القومُ، ثم قال: أيُّكم القائل كلمةَ كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم، فقال: لعلَّك يا حِطَّان قلتَها؟ قال: ما قلتُها، ولقد رهبتُ أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتُها، ولم أرِدْ بها إلاّ الخير. فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إنَّ رسول الله ﷺ خطبنا فبيَّن لنا سنَّتَنا وعلَّمنا صلاتَنا، فقال: "إذا صلَّيتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤُمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، يُجبكم الله، فإذا كبَّر وركع فكبِّروا واركعوا، فإنَّ الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم". فقال رسول الله ﷺ: "فتلك بتلك، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإنَّ الله ﵎ قال على لسان نبيِّه ﷺ: سمع الله لمن حمده، وإذا كبَّر وسجد فكبِّروا واسجدوا، فإنَّ الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﷺ: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيَّات الطيِّبات الصلوات لله، السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله".
حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، ح وحدَّثنا أبو غسَّان المسمعي، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، ح وحدَّثنا
[ ٢١٦ ]
إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن سليمان التيمي، كلُّ هؤلاء عن قتادة، في هذا الإسناد بمثله، وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وليس في حديث أحد منهم: "فإنَّ الله قال على لسان نبيِّه ﷺ: سمع الله لمن حمده" إلاَّ في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة.
قال أبو إسحاق١: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر٢ في هذا الحديث٣. فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان٤؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة٥؟ فقال: هو صحيح؟ - يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا" - فقال: هو
_________________
(١) ١ نصَّ الإمام النووي في المنهاج على أنَّه ابن سفيان فقال: "أبو إسحاق هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، راوي الكتاب عنه". المنهاج (٤/٣٦٥) . ٢ هكذا في صحيح مسلم وشروحه، ولم أقف على من كنيته أبا بكر بن أخت أبي النضر، ويظهر لي أنَّه من تلاميذ مسلم كما يدل عليه السياق. ٣ معنى هذه العبارة أنَّ أبا بكر طعن في هذا الحديث وقدح في صحته. المنهاج (٤/٣٦٥) . ٤ هو سليمان بن طرخان التيمي، أحد رواة الحديث كما تقدّم في إسناد مسلم، وهو ثقة عابد، لكنه خالف في روايته جميع أصحاب قتادة، فزاد فيه جملة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولذلك طعن أبو بكر وغيره من العلماء كأبي داود السجستاني، ويحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي، والدارقطني، وأبي علي النيسابوري، في روايته. انظر: المنهاج للنووي (٤/٣٦٥ ٣٦٦) . لكن مسلمًا لم يُوافقهم، فصحح هذه الزيادة، واعتبرها محفوظةً، اعتمادًا على ثقة سليمان وقوة حفظه كما يُفهم من عبارته، وما ذهب إليه لا يخلو من وجاهة. وأما قول الإمام النووي ﵀: "واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدَّمٌ على تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروِها مسندةً في صحيحه" ففيه نظر؛ لأنَّ مسلمًا أسند رواية سليمان من طريق جرير عنه كما ترى. ٥ هو حديث رواه أبو داود في سننه (١/٤٠٤) كتاب الصلاة، باب: الإمام يُصلي من قعود (٦٠٤)، والنسائي في المجتبى (٢/٤٧٩) كتاب الافتتاح، باب: تأويل قوله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٩٢٠) واللفظ له، وابن ماجه في سننه (١/٢٧٦) كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٦) ثلاثتهم من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إنَّما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهمَّ ربَّنا لك الحمد". قال أبو داود: (وهذه الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوهم عندي من أبي خالد) . لكن أخرج النسائي عقب هذا الطريق الحديثَ من طريق محمد بن سعد الأنصاري، عن ابن عجلان، به، بمثله، ثم قال: (كان المخرمي يقول: هو ثقة) يعني محمد بن سعد الأنصاري. انظر الحديث رقم: (٩٢١) .
[ ٢١٧ ]
عندي صحيح١. فقال: لِمَ لَمْ تضعْه ههنا؟ قال: ليس كلُّ شيء عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنَّما وضعتُ ههنا ما اجمعوا عليه٢. [(١/٣٠٣،٣٠٤) كتاب الصلاة،
_________________
(١) ١ اختلف العلماء في درجة هذا الحديث، فمنهم من أعلَّه بمخالفة رواية الثقات التي لم تذكر هذه الزيادة، كأبي داود، ومنهم من صحَّحه كمسلم، ويظهر أنَّ ابن سفيان يوافقه في ذلك؛ لأن ذكره كلام مسلم حوله في تعليقه على الحديث يفيد ذلك، ومنهم من ذهب إلى الجمع ونفي المخالفة كابن حزم. وقد درس هذا الاختلاف دراسة وافية الدكتور الحسين شواط في تحقيقه مقدِّمة المعلم للقاضي عياض (ص:١٠٣ ١٠٨)، حيث بيَّن رأي كل فريق والقائلين وأدلتهم، وخلص بعد المناقشة أنَّ حديث أبي هريرة حديث صحيح لغيره. والحق أنَّ كلام الإمام مسلم صريح في صحته، وهو من أئمة هذا الفن، خاصة وأن من أصحاب الفريق الآخر قد أعلَّه بما لا يصلح علَّة كأبي داود في كلامه المتقدِّم، فإنَّ النسائي قد أورد طريقًا آخر دفع به وهم أبي خالد. وطالما أمكن الجمع والتوفيق بين القولين فهو أولى من طرح أحدهما، والله أعلم. ٢ هذا نص مهم للإمام مسلم، نقله ابن سفيان عنه، ممَّا يدلُّ على أهمية تعليقاته التي يوردها على الصحيح، وقد بيَّن فيه منهجه في إيراد الأحاديث في صحيحه، وأنَّه وضع فيه ما أجمعوا عليه. لكن اختلف العلماء في المراد بهذه العبارة. أ- فذهب البلقيني ونقله عنه السيوطي إلى أنَّه أراد إجماع أربعة من مشايخه الحفاظ، وهم: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. انظر: محاسن الاصطلاح (ص:٩١)، وتدريب الراوي (١/١٢٢) . ب- وذهب الميانجي إلى أنَّهم: مالك، والثوري، وشعبة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم يعني من أئمة الحديث. ما لا يسع المحدث جهله (ص:٢٧) . ج- ونقل الديوبندي أنَّهم: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، ولم يعزه لأحد. فتح الملهم (١/١٠٤) . د- وذهب بعض المعاصرين إلى أنَّهم مشايخه عامة. انظر: المرجع السابق، وحاشية شروط الأئمة الستة (ص:١٣)، والحل المفهم (ص:٧٣)، وحجة الله البالغة (١/٢٨٢) . لكن على أيِّ قول مما تقدَّم فإنَّ الإشكال قائم على اعتبار وجود أحاديث في صحيح مسلم تكلم عليها العلماء ولم يجمعوا عليها، كحديث خلق التربة المتقدِّم ذكره في الزيادات، ولهذا قال ابن الصلاح: "وهذا مشكل جدًّا؛ فإنَّه قد وضع فيه أحاديث قد اختلفوا في صحتها؛ لكونها من حديث من ذكرناه، ومن لم نذكر، ممن اختلفوا في صحة حديثه ولم يجمعوا عليه". ثم أجاب عن هذا الإشكال بجوابين: أ- أنَّ مسلمًا أراد بذلك أنَّه لم يضع في كتابه إلاَّ الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. ب- أنَّه أراد أنَّه ما وضع فيه ما اختلف الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يُرد ما كان اختلافهم إنَّما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه ، ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها عن هذا الشرط؛ لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه رحمنا الله وإياه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استدركت عليه وعُلِّلت. انظر: صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (ص:٧٤ - ٧٥) . قلت: والذي يظهر والله أعلم أنَّ السببَ الأول الذي ذكره ابن الصلاح أوجه وأرجح في تفسير قوله، وأنَّ مراده بقوله: "ما أجمعوا عليه" أي شروط الصحة، فإنَّ العلماء اتفقوا على اشتراطها في صحة الحديث، لكن التفاوت حصل عند البعض هل هي مستوفية في هذا الحديث أو ذاك أو لا؟ ومسلم إنَّما وضع في كتابه ما رأى أنَّ الشروط استوفت فيه، وإن كان البعض لا يرى أنَّها مستوفية بدليل قوله: (هو صحيح عندي)، والله تعالى أعلم.
[ ٢١٨ ]
باب: التشهد في الصلاة (٤٠٤)] .
٢ - وحدَّثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي، حدَّثنا عبد الرحيم - يعني ابنَ سليمان - عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوسٌ، وقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكم يقوم إلى سلا جَزورِ بني فلان فيأخذُه، فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا،
[ ٢١٩ ]
وجعل بعضُهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعةٌ طرحتُه عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسانٌ فأخبر فاطمةَ، فجاءت - وهي جُويريةٌ - فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلمَّا قضى النبي ﷺ صلاتَه رفع صوته ثم دعا عليهم - وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا - ثم قال: "اللَّهمَّ عليك بقريش - ثلاث مرَّات –" فلمَّا سمعوا صوتَه ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوتَه، ثم قال: "اللَّهمَّ عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعُقبة بن أبي مُعيط" - وذكر السابع ولم أحفظه - فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق، لقد رأيتُ الذين سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب قليب بدر".
قال أبو إسحاق١:"الوليد بن عقبة٢ غلَطٌ في هذا الحديث"٣. [(٣/١٤١٨،١٤١٩) كتاب الجهاد، باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى قريش (١٧٩٤)] .
_________________
(١) ١ جزم الإمام النووي في المنهاج (١٢/٣٩٥) بأنَّه راوية مسلم؛ إذ قال: "وقد نبَّه عليه إبراهيم بن سفيان في آخر الحديث فقال: الوليد بن عقبة في هذا الحديث غلط"، ووافقه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/٣٥١) . أما القاضي عياض فتردَّد فيه، وجعله من كلام مسلم، أو من كلام ابن سفيان فقال: "وقد نبَّه عليه مسلم آخر الحديث أو ابن أبي سفيان (هكذا) وقال: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث". انظر: إكمال المعلم (٦/١٦٧) . ٢ هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمِّه، أسلم وأخوه عمارة يوم الفتح، واختلف العلماء هل كان وقتئذ صبيًّا أم رجلًا، ورجَّح ابن حجر القول الثاني، وقصة صلاته بالناس الصبحَ أربعًا مشهورة، ولذلك عزله عثمان عن ولاية الكوفة وجلده وذلك سنة تسع وعشرين، ومات في خلافة معاوية. انظر ترجمته في: الاستيعاب (٤/١١٤)، وأسد الغابة (٥/٤٥١)، والإصابة (١٠/٣١١) . ٣ قال القاضي عياض: "كذا وقع في جميع نسخ مسلم الواصلة إلينا، وفي أصول جميع شيوخنا، وصوابه: (عتبة) بالتاء، كذا هو في صحيح البخاري - وسيأتي تخريجه وبيان أنَّ مسلمًا أخرجه بعد ذلك على الصحيح - وقد جاء في بعض الروايات للسجزي (عتبة) على الصواب، وهو إصلاح لا شك فيه". وتابعه في ذلك الإمام النووي في المنهاج. انظر: إكمال المعلم (٦/١٦٧)، والمنهاج (١٢/٣٩٥) .
[ ٢٢٠ ]
_________________
(١) ثم إنَّهما بيَّنا منشأ الوهم في الرواية بأنَّ الوليد بن عتبة لم يكن في وقت وقوع القصة مولودًا، أو كان طفلًا صغيرًا، وقد أُتي به النبي ﷺ يوم الفتح ليمسح على رأسه وهو صبي، لكن ما ذهبا إليه فيه نظر؛ إذ تقدَّم ترجيح الحافظ ابن حجر أنَّه كان رجلًا في ذلك الوقت. والذي يظهر أنَّ الوهم حصل من شيخ مسلم، عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي الملقب بمشكدانة، فهو صدوق كما قال أبو حاتم وابن حجر. الجرح والتعديل (٥/١١١)، والتقريب (ص:٣١٥)، أما الذهبي فوثَّقه في الكاشف (٢/٥٧٨) . ولو سُلِّم توثيقه فلا يُسلَّم عدم وهمه في هذا الحديث، بدليل فعل مسلم حيث أخرج الحديث مرَّة أخرى عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة - وهو من هو - عن جعفر بن عون، عن الثوري على الصواب، وفيه: (الوليد بن عتبة)، وهذا مما يدل على براعة الإمام مسلم وعلوِّ كعبه في علم العلل، وسيأتي في التخريج أنَّ مشكدانة روى الرواية المحفوظة أيضًا موافقًا الثقات. أما شيخ عبد الله، فهو عبد الرحيم بن سليمان المروزي، وهو ثقة. الكاشف (١/٦٥٠)، والتقريب (ص:٣٥٤) . وشيخه زكرياء بن أبي زائد ثقة يدلس، وهو وإن كان قد روى الحديث بالعنعنة، وسماعه من أبي إسحاق بآخرة كما قال الحافظ ابن حجر فقد روى الحديث مرة أخرى - من غير طريق شيخ مسلم - بذكر (الوليد بن عقبة)، ممَّا يدل على أنَّه بريء من تهمة الوهم في هذا الحديث، والله أعلم. انظر: التقريب (ص:٢١٦)، وتخريج الحديث كما سيأتي. تخريج الحديث: حديث عبد الله بن مسعود أخرجه غير واحد من الأئمة من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، وبعضهم يذكر الوليد بن عقبة أو الوليد بن عتبة ضمن من دعا عليهم الرسول ﷺ، وبعضهم لم يذكره، وسأقتصر في التخريج على من ذكره لبيان أنَّ من قال: (الوليد بن عقبة) فقد وهم، وأنَّ الصحيح: (الوليد بن عتبة) . فقد أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/٢٧٩) . والخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة (ص:٢٣٩) (١٢٠) . كلاهما من طريق مشكدانة شيخ الإمام مسلم، به وأخرجه أبو عوانة في مستخرجه (٤/٢٨٧) (٦٧٧٥) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، كلاهما عن زكريا. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٧/٣٣٢) كتاب المغازي، باب: في أذى قريش للنبي ﷺ (٣٦٥٦٣) . والبخاري في صحيحه (مع الفتح ٦/١٠٦) كتاب الجهاد، باب: الدعاء على المشركين (٢٩٣٤) . ومسلم في صحيحه - الموضع السابق -. وأبو يعلى في مسنده (٩/٢١١) (٥٣١٢) . واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/٧٦٣) (١٤١٨،١٤١٩) . والبيهقي في دلائل النبوة (٢/٢٧٩) . وابن بشكوال في الغوامض والمبهمات (٢/٨٠٣،٨٠٤) (٨٤٤،٨٤٥) . سبعتهم من طريق سفيان الثوري. وأخرجه البخاري في صحيحه (مع الفتح ١/٥٩٤) كتاب الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا (٥٢٠) . وأبو عوانة في الموضع السابق (٦٧٧٦) . والهيثم بن كليب في مسنده (٢/١٣٥) (٦٧٥) . وابن بشكوال في الموضع السابق (٨٤٦،٨٤٧) . والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٧) . خمستهم من طريق إسرائيل بن أبي يونس السبيعي. وأخرجه البخاري في صحيحه (مع الفتح ٧/٢٩٣) كتاب المغازي، باب: دعاء النبي ﷺ على كفار قريش (٣٩٦٠) . وأبو عوانة في مستخرجه (٤/٢٨٦) (٦٧٧٤) . كلاهما من طريق زهير بن معاوية. جميع من تقدَّم ذكرهم، وعددهم أربعة (زكرياء، والثوري، وإسرائيل، وزهير) رووه عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، الحديث بتمامه. وجاء في رواية الجميع: (الوليد بن عتبة) بالتاء على الصحيح. وهذه الرواية الثانية لزكريا بن أبي زائدة هي المحفوظة؛ لأنَّه تابع فيها الثقات، وأما روايته الأولى التي أخرجها مسلم، وفيها: (الوليد بن عقبة) بالقاف فلم أجد من أخرجها غيره، وربما كان ذلك لبيان علَّتها، خاصة وأنَّه روى الحديث على الصحيح من طريق سفيان الثوري كما تقدَّم، والله أعلم.
[ ٢٢١ ]
٣ - حدَّثنا محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، ليأتينَّ على أحدكم يومٌ ولا يراني، ثم لأن يراني أحبُّ إليه من أهله وماله معهم".
قال أبو إسحاق١: "المعنى فيه عندي: لأن يراني معهم أحبُّ إليه من
١ ذكر القاضي عياض في إكمال المعلم (٧/٣٣٦) أنَّه أبو إسحاق ابن سفيان راوية مسلم، لكنه أشار إلى أنَّ هذه الزيادة لم تكن عند أكثر شيوخه.
[ ٢٢٢ ]
أهله وماله، وهو عندي مقدَّمٌ ومؤَخَّر"١. [(٤/١٨٣٦) كتاب الفضائل، باب: النظر إليه ﷺ وتمنّيه (٢٣٦٤)] .
٤ - حدّثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ. ح وحدثنا يحيى ابن يحيى، قال: قرأتُ على مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم".
قال أبو إسحاق٢: "لا أدري "أهلكَهم" بالنصب أو "أهلكُهم"
_________________
(١) ١ جاء في هذا المعنى حديث آخر مرفوع في مسند سعيد بن منصور، لفظه: "ليأتينَّ على أحدكم يوم لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله"، وهو يدل على أنَّ ابن سفيان يرى أنَّ الأصل في الحديث: "ليأتينَّ على أحدكم يوم لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله، ثم لا يراني". وقد وافق القاضي عياض ابنَ سفيان في هذا المعنى، لكن النووي لم يوافقهما في تقديم لفظة (معهم)، ووافقهما في الباقي، فقال: "والظاهر أنَّ قوله في تقديم "لأن يراني" وتأخير "من أهله لا يراني" كما قال، وأما لفظة "معهم" فعلى ظاهرها وفي موضعها، وتقدير الكلام: "يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة ثم لا يراني بعدها، أحب إليه من أهله ماله جميعًا"، ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضرًا وسفرًا للتأدُّب بآدابه، وتعلّم الشرائع، وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنَّهم سيندمون على ما فرَّطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته". انظر: المرجع السابق، والمنهاج للنووي (١٥/١٢٧) . تخريج الحديث: حديث أبي هريرة أخرجه همام بن منبه في صحيفته عن أبي هريرة (ص:٩٠) (٢٩) . وأخرجه أحمد في مسنده (٢/٣١٣) . والبيهقي في دلائل النبوة (٦/٥٣٦) . والبغوي في شرح السنة (١٤/٥٥) (٣٨٤٢)، وفي الأنوار (٢/٧٨٠) (١٢٥٠) . جميعهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام به. ٢ نصَّ القاضي عياض في الإكمال (٨/١٠٤) أنَّ الراوي عن مسلم، أبو إسحاق بن سفيان، وكذلك محققو مسند أحمد (١٣/١١٤) . وأبهمه الحميدي في الجمع بين الصحيحين (٣/٢٨٧) فقال: "قال بعض الرواة: لا أدري أهلكَهم بالنص، أو أهلكُهم بالرفع".
[ ٢٢٣ ]
بالرفع"١. [(٤/٢٠٢٤) كتاب البر والصلة، باب: النهي من قول: هلك الناس (٢٦٢٣)] .
_________________
(١) ١ تردَّد ابن سفيان فلم يجزم بإحدى الروايتين أو يرجح إحداهما على الأخرى، لكن الحميدي، والنووي ذكرا أنَّ الرفع أشهر. المرجع السابق، والمنهاج للنووي (١٦/٤١٣) . ويظهر أنَّه الصحيح، بدليل أنَّ أبا نعيم روى الحديث من طريق سفيان الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا قال المرء: هلك الناس فهو من أهلكهم". حلية الأولياء (٧/١٤١) . ومعنى الحديث على رواية الرفع: فهو أشدُّهم هلاكًا، وعلى رواية الفتح: فهو الذي جعلهم هالكين، لا أنَّهم هلكوا في الحقيقة. ثم إنَّ العلماء اتَّفقوا على أنَّ هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الازدراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنَّه لا يعلم سرَّ الله في خلقه، فأما من قال ذلك تحزنًا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه. انظر: المنهاج (١٦/٤١٤) . ونحا الخطابي منحى آخر في بيان المعنى، فقال: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول قد فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك من الكلام يقول ﷺ: إذا فعل الرجل ذلك فهو أهلكُهم وأسوأهم حالًا مما يلحقه من الإثم في عيبهم والازدراء بهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه فيرى أنَّ له فضلًا عليهم وأنَّه خير منهم فيهلك. انظر: معالم السنن للخطابي (٤/١٢٢) . والحديث أخرجه من رواية حماد بن سلمة عن سهيل: علي بن الجعد في مسنده (٢/١١٦٢) (٣٤٧٨) . والطيالسي في مسنده (ص:٣١٩) (٢٤٣٨) كلاهما عن حماد، وتصحف فيه إلى همام. وأخرجه احمد في مسنده (٢/٣٤١) . وأبو داود في سننه (٥/٢٦٠) كتاب الأدب، باب: رقم (٨٥) (٤٩٨٣) . والبغوي في شرح السنة (١٣/١٤٤) (٣٥٦٥) . جميعهم من طريق حماد بن سلمة، عن سهيل به. وأخرجه من رواية مالك عن سهيل: مالك في الموطأ برواية يحيى بن يحيى (٢/٩٨٤) (٢)، وبرواية أبي مصعب الزهري (٢/١٦٢) (٢٠٧٠)، وبرواية ابن القاسم بتلخيص القابسي (ص:٤٥٥) (٤٤٢) . وأخرجه من طريق مالك: أحمد في مسنده (٢/٤٦٥،٥١٧) . والبخاري في الأدب المفرد (فضل الله الصمد ٢/٢٢٩) (٧٥٩) . وأبو داود في الموضع السابق. والغافقي في مسند الموطأ (ص:٣٨٢) (٤٣٥) . وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٣/٧٤) (٥٧٦٢) . وأبو نعيم في الحلية (٦/٣٤٥) . والبيهقي في الآداب (ص:١١٨،١١٩) (٣٥٥،٣٥٦)، وفي شعب الإيمان (٥/٢٨٨) (٦٦٨٥) . والبغوي في شرح السنة (١٣/١٤٣) (٣٥٦٤) .
[ ٢٢٤ ]
٥ - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ فقال: "أخبروني بشجرة شِبه، أو كالرجل المسلم، لا يتحاتُّ ورَقُها".
قال إبراهيم١: "لعلَّ مسلمًا قال: "وتُؤتي أُكُلها"، وكذا وجدتُ عند غيري أيضًا: "ولا تؤتي أُكُلها كلَّ حين"٢.
_________________
(١) ١ نصَّ القاضي عياض على أنَّه إبراهيم بن سفيان راوية مسلم، وتبعه النووي. إكمال المعلم (٨/٣٤٧)، والمنهاج (١٧/١٦١) . ٢ ذكر النووي معنى كلام ابن سفيان موضحًا له، فقال: "معنى هذا أنَّه وقع في رواية إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم ورواية غيره أيضًا عن مسلم "لا يتحات ورقها ولا تؤتي أكلها كلَّ حين" واستشكل إبراهيم بن سفيان هذا لقوله: "ولا تؤتي أكلها" خلاف باقي الروايات، فقال: لعلَّ مسلمًا رواه "وتؤتي" بإسقاط (لا) وأكون أنا وغيري غلطنا في إثبات (لا) ". المنهاج (١٧/١٦١) . وتعقَّب القاضي عياض، ابنَ سفيان بأنَّ تأويله غير صحيح وليس هو بغلط كما توهَّم، وما في أصل صحيح مسلم هو الصحيح، وإثبات (ولا) صحيح، وقد رواه البخاري كذلك، فقال: "لا تتحات ورقها ولا تؤتي أكلها" فـ (تؤتي) ابتداء كلام ليس منفيًا ب (لا) الذي قبله، وإنَّما نفى في الحديث أشياء أخر من العيوب عنها، فاختصره الراوي (ولا) ولا شاء ذكرها، ونسيها الراوي، والله أعلم، أو اختصر من أنَّه لا يقطع ثمرها، ولا ينعدم ظلها، وشبه هذا، ثم وصفها بأنها تؤتي أكلها كلَّ حين". إكمال المعلم (٨/٣٤٧) . والذي يظهر أن استشكال ابن سفيان وجيه، على اعتبار أن روايات الحديث تؤيِّده، فبعد تخريج الحديث من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وسيأتي وجدتُ أنَّ متنه جاء بأحد لفظين: الأول: "أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، ولا تحت ورقها" كما عند البخاري في الصحيح في كتاب الأدب، وفي الأدب المفرد، وكما عند ابن منده بتقديم جملة: "تؤتي أكلها" على "ولا تحت ورقها". الثاني: "أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها، ولا، ولا، ولا، تؤتي أكلها كلَّ حين". وعلى كلا اللفظين لا إشكال، فلما جاءت رواية مسلم بتقديم جملة "لا يتحات ورقها" وجاء بعدها قوله: "تؤتي أكلها" كان استشكال ابن سفيان. وعلى أية حال فإنَّ ابنَ سفيان لم يجزم بأنَّ تأويله صحيح، بل اعتذر لنفسه ابتداءً بقوله: (ولعل) إشارة منه إلى أنَّ المسألة يمكن الرجوع فيها، وأنَّه يمكن أن يكون الصحيح ما ذهب إليه غيره، والله أعلم. وحديث مسلم: أخرجه البخاري في صحيحه (مع الفتح ٨/٣٧٧) كتاب التفسير، باب: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة..﴾ (٤٦٩٨)، وفي (١٠/٥٣٦) كتاب الأدب، باب: إكرام الكبير (٦١٤٤) . وأخرجه في الأدب المفرد (فضل الله الصمد (١/٤٥٢) (٣٦٠) . وأخرجه ابن منده في الإيمان (١/٣٥١) (١٨٧) . كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به، على اختلاف في المتن كما تقدَّم.
[ ٢٢٥ ]
قال ابن عمر: "فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلَّمان، فكرهتُ أن أتكلَّم أو أقول شيئًا، فقال عمر: لأَن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا". [(٤/٢١٦٦) كتاب صفات المنافقين، باب: المؤمن مثل النخلة (٢٨١١)] .
٦ - حدَّثني عمرو الناقد والحسن الحلواني وعبد بن حميد - وألفاظهم متقاربة، والسياق لعبد - قال: حدَّثني. وقال الآخران: حدّثنا يعقوب - وهو ابن إبراهيم بن سعد -، حدّثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة؛ أنّ أبا سعيد الخدري قال: حدّثنا رسول الله ﷺ يومًا حديثًا طويلًا عن الدجّال، فكان فيما حدّثنا قال: "يأتي - وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينتهي إلى بعض السِّباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنّك الدجّال الذي حدّثنا رسول الله ﷺ حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلتُ هذا ثمَّ أحييته، أتشُكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيقتله ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله! ما كنتُ فيك قطُّ أشدَّ بصيرة منِّي الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يُسلَّط عليه".
[ ٢٢٦ ]
قال أبو إسحاق١: يقال إنَّ هذا الرجل هو الخضر عليه السلام٢.
_________________
(١) ١ نصَّ القاضي عياض على أنَّه أبو إسحاق بن سفيان (إكمال المعلم ٨/٤٩٠)، والنووي في المنهاج (١٨/٢٨٥)، وكذلك الحافظ ابن حجر في الزهر النضر في نبأ الخضر (ص:٦٤) . ونقل القرطبي في التذكرة (ص:٣٥٧) كلام أبي إسحاق، لكنه نسبه بأنه السبيعي وهو وهم. ٢ يظهر أن أبا إسحاق اعتمد في قوله هذا على دليلين: أ- ما أخرجه الدارقطني في الأفراد، وابن عساكر من طريق رواد بن الجراح، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الخضر ابن آدم لصلبه، ونُسئ له في أجله حتى يُكذّب الدجال. الزهر النضر (ص:١٩)، وانظر الحذر في أمر الخضر لملا علي القاري (ص:٧٦) . ب- ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/٣٩٣) حيث أخرج حديث أبي سعيد الخدري ثم قال بعده: وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه. وهما دليلان لا يقومان حجة لإثبات هذا القول: فأما حديث ابن عباس فقد أعلّه الحافظ ابن حجر بأن رواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. الزهر النضر (ص:١٩) . كما أعلّه قبله ابن كثير بأنه منقطع غريب. البداية والنهاية (١/٣٢٦) . وأما حديث عبد الرزاق فلم يسنده، وإنما ذكره بلاغًا من قوله، فليس له حكم الرفع، ولذلك قال ابن كثير: وقول معمر: بلغني، ليس فيه حجة. المرجع السابق (١/٣٣٤) . خاصة وأنه يعارض ما عليه جمهور العلماء من أن الخضر ميت وليس بحي. وقد سئل الإمام البخاري عن حياته فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي ﷺ: "لا يبقى على رأس مائة سنة من هو اليوم على ظهر الأرض أحد". وقال ابن العربي: سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها. انظر: فتح الباري (١٣/١٠٤) . وقد وافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢٧/١٠٠)، فقال: "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام " ثم ساق الأدلة على ذلك. وعلى أيّة حال فإن أبا إسحاق بن سفيان لم يجزم بما قال، بل صدّره بصيغة التمريض (يقال) مما يدلّ على أنه يميل إلى تضعيف هذا القول موافقًا في ذلك جمهور المحققين، والله أعلم. والخلاف في حياة الخضر أو موته، وكونه نبيًاّ أو غير نبي قائم بين العلماء، فانظره في: الزهر النضر لابن حجر (ص:٢٢) وما بعدها، والحذر في أمر الخضر لملا علي القاري (ص:٨٣) وما بعدها. وحديث مسلم الذي أخرجه من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، وصدّر به الباب، أخرجه النسائي كذلك من الطريق نفسه في السنن الكبرى (٢/٤٨٥) كتاب: الحج، باب: منع الدجال من المدينة (٤٢٧٥/٣) . وأخرجه من طريق شعيب عن الزهري: البخاري في صحيحه (١٣/١٠١) كتاب: الفتن، باب: لا يدخل الدجال المدينة (رقم:٧١٣٢) . ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٥/٥١/رقم:٤٢٥٨) . وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/٣٩٣/رقم:٢٠٨٢٤) عن معمر، عن الزهري، به. وفي آخره قول معمر المتقدم. وأخرجه أحمد في مسنده (٣/٣٦) . وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٥/٢١١) (٦٨٠١) من طريق ابن أبي السري. كلاهما عن عبد الرزاق. وأخرجه البخاري في صحيحه (٤/٩٥) كتاب: فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة (رقم:١٨٨٢) من طريق عقيل بن خالد عن الزهري به.
[ ٢٢٧ ]
وحدّثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري، في هذا الإسناد، بمثله. [(٤/٢٢٥٦)، كتاب: الفتن، باب: في صفة الدجال (رقم:٢٩٣٨)] .
[ ٢٢٨ ]