٧ - بابُ: ما يَنقُضُ الوضوءَ
تقدّمَ في حديثِ صَفْوانَ: " لكن من غائطٍ، وبَوْلٍ، ونَوْمٍ " (^١).
وعن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، قالَ: " سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الرجُلِ يُخَيَّلَ إليْهِ أَنَّهُ يَجدُ الشيءَ في الصلاةِ، قالَ: لا يَنصرِف حتّى يسمَعَ صوْتًا أَو يجدَ ريحًا " (^٢)، أَخرجاهُ.
عن عليِّ: " أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " العينُ وكاءُ السَّهِ، فمَنْ نامَ فَلْيَتَوضَّأْ " (^٣)، رواهُ أَحمدُ، وأَبو داود، وابنُ ماجَةَ من حديثِ الوَضينِ بنِ عَطاءٍ الدِّمَشْقِيِّ، وهو مُختلَفٌ في تَوْثيقِهِ، وقد اتُّهِمَ بالقَدَرِ أَيضًا.
وَرَواهُ الدارَقُطنيُّ من طريقٍ أُخرى عن مُعاويةَ، ولا يَثْبُتُ، فيهِ أَبو بَكْر بنُ عبدِ اللهِ بنِ أَبي مَرْيمَ الشامِيِّ، وهو ضعيفٌ، وقال أحمدُ: حَديثُ عليٍّ أَقوى، وأَثبتُ، وقالَ أَبو زُرْعةَ، وأَبو حاتمٍ: كلا الحديثين ليسَ بقَويٍّ.
عن أَنسٍ: " كانَ أَصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ينامون، ثُمَّ يُصَلّونَ ولا يتَوضَّؤون " (^٤)، رواهُ مُسلمٌ.
ولأَبي داود: " ينامونَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ حتّى تَخفقَ رُؤوسُهم، ثُمّ يُصلّون،
_________________
(١) تقدم تخريجه في الهامش "٢"، باب "٦".
(٢) رواه البخاري (١/ ١٣٢)، ومسلم (١/ ٢٧٦)، وأبو داود (١٧٦)، والنسائي (١/ ٩٨)، وابن ماجة (٥١٣).
(٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ٨٣)، وأبو داود (٢٠٣)، وابن ماجة (٤٧٧)، والدارقطني (١/ ١٦١).
(٤) رواه مسلم (١/ ٢٨٤)، والترمذي (٧٨).
[ ١ / ٤٨ ]
ولا يَتَوضّؤون (^٥).
وعن ابنِ عبّاسٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ليسَ على مَنْ نامَ ساجدًا وضوءٌ حتّى يَضْطَجِعَ، فإنّهُ إذا اضْطَجَعَ اسْتَرخَتْ مَفاصِلُهُ " (^٦)، رواهُ أَحمدُ، وهذ لَفْظُهُ، وأَبو داود ولفْظُهُ: " إنّما الوضوءُ على مَنْ نامَ مُضْطَجعًا، فإنّهُ إذا اضطَجعَ اسْتَرختْ مَفاصلُهُ "، والترمِذِيُّ بنحوهِ، وهو حديثٌ مَعلولٌ يَرويهِ أَبو خالدٍ الدّالانيُّ، واسمُهُ يَزيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قَتادةَ، عن أَبي العالِيَةِ، عن ابنِ عبّاسٍ، وأَبو خالدٍ يُضعَّفُ في الحَديثِ، وقالَ شُعْبةُ: لم يَسمعْ قَتادةُ من أَبي العاليةِ إلا أَربعةَ أحاديثَ ليسَ هذا مِنها، وقالَ الترمِذِيُّ: قَدْ رَواهُ سعيدُ بن أَبي عَروبةَ، عن قَتادةَ، عن ابنِ عبّاسٍ قَوْلَهُ لَم يَذكُرْ أَبا العاليةِ، ولَمْ يَرْفَعْهُ. قلتُ: وقدْ ضعَّفَ هذا الحديثَ أَحمدُ، والبخاريُّ، وأَبو داود، وإبراهيمُ الحَربيُّ، والدّارَقُطْنيُّ، وقالَ البَيْهقِيُّ: أنكرَهُ على أَبي خالِدٍ جميعُ الحُفّاظِ، وأَنْكَروا سَماعَهُ من قَتادَةَ، كذا قالَ، وقد نقَلَ إمامُ الحَرمينِ في الأَساليبِ، والنَّواويُّ إجْماعَ المُحدِّثينَ على ضَعْفِهِ، فأَمّا مسألةُ مُلامَسةِ النّساءِ، فقدْ قالَ الله سبحانَهُ: " أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ "، وقُرئَ: (لَمسْتُمْ)، وقالَ أَهلُ اللغَةِ: يُطلَقُ على اللمْسِ باليدِ، وعَلى الجِماعِ، وكذلكَ هو مُسْتَعْمَلٌ في الشّرعِ، قالَ اللهُ: " فَلَمَسوهُ بِأَيْدِيهِمْ "، وقال ﵇ لماعِزٍ: " لَعَلَّكَ قَبّلتَ أَو لَمسْتَ " (^٧). ونَهى عن بيعِ المُلامَسةِ، وقالَتْ عائشةُ: " قَلَّ يومٌ إلا ورسولُ اللهِ ﷺ يَطوفُ عَلَيْنا فَيُقَبِّلُ ويَلْمَسُ " (^٨)، والمرادُ بهذا كلِّهِ: الجسُّ باليدِ.
وقدْ جاءَ حديثٌ حسَنٌ في مثلِ ذلكَ مِن روايةِ عبدِ الرحمن بنِ أَبي لَيلى عن
_________________
(١) أبو داود (٢٠٠).
(٢) أحمد (الفتح الرباني ٢/ ٨١، ٨٢)، وأبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، والدارقطني (١/ ١٨٩)، بهامش الأصل مقابل كلمة كلمة معلول كلمة بحروف صغيرة جدا لعلها تقرأ (بالسرقة) فيكون الكلام هكذا: معلول بالسرقة يرويه أبو خالد الدالاني، ولا أجزم بذلك والله أعلم.
(٣) رواه البخاري (٧/ ٢٠٨).
(٤) رواه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤٩ ]
مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، قالَ: " أَتى رَسولُ اللهِ ﷺ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: ما تقولُ في رجلٍ لَقيَ امرأةً لا يعرفُها، فليسَ يأتي الرجلُ من امرأتِهِ شيئًا إلاّ قد أَتاهُ منها، غيرَ أَنهُ لم يُجامعْها؟، قالَ: فأَنزلَ اللهُ هذهِ الأيةَ: " أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهارِ وَزُلَفًا من اللّيل إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلكَ ذكْرى للذاكِرينَ "، فقالَ لَهُ رسولُ اللهِ ﷺ: توضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ، قالَ مُعاذٌ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: أَلهُ خاصّةً أَمْ للمؤمنينَ عامّةً؟، فقالَ: بَلْ لِلمؤمنينَ عامّةً " (^٩)، رواهُ أَحمدُ، وقالَ بعضُ الحفّاظِ: لَمْ يسمعْ ابنُ أَبي لَيْلى من مُعاذٍ، وقالَ بعضُ العُلماءِ، إنّما أَمرَهُ بالوضوءِ ههُنا، والصلاةِ للتوبةِ، لا أَنَّهُ أَحالَ الأَمرَ بالوضوءِ على اللَّمْسِ، ولهذا قرَنَهُ بالصّلاةِ، واللهُ أَعلمُ.
عن عائِشةَ، قالَتْ: " فقَدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ من الفراشِ فالْتَمسْتُهُ، فَوَقَعتْ يَدي على بَطنِ وهو في المَسْجدِ وهُما مَنْصوبتانِ وهوَ يقولُ: " اللهُمَّ إنّي أَعوذُ برضاكَ مِن سخطِكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليكَ، أَنتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ " (^١٠) رواهُ مسلم. فيهِ دِلالةٌ على أَنّ المَلموسَ لا يَنتَقضُ وضوؤه.
عن بُسْرَةِ بنتِ صَفْوانَ: " أَنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ مسَّ ذكرَهُ، فلْيتَوضَّأْ " (^١١)، رواهُ الشافِعيّ، وأحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأَهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ، وقالَ البخارِيُّ: هو أَصحُّ شيءٍ في هذا البابِ، وقالَ ابنُ المُنْذِر: بَلغني عن أَحمدَ بنِ حَنْبلٍ، ويحيى بنِ مَعين أَنهما اتَّفقا على ضَعفِ هذا الحديثِ.
وقد رُويَ من حديثِ جَماعةٍ من الصحابةِ.
وعن أَبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ، قالَ: " مَنْ أَفْضى يبدِهِ إلى ذكرِهِ ليسَ دونَهُ سِترٌ، فقدْ وجَبَ عليهِ الوضوءُ " (^١٢)، رواهُ الشافِعيُّ، وأَحمدُ، والدارَقُطنيُّ من حديثِ يِزيد بنِ
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٨/ ١٨)، والترمذي (٣١١٣)، والدارقطني (١/ ١٣٤).
(٢) رواه مسلم (١/ ٣٥٢)، والنسائي (١/ ١٠٢)، والدارقطني (١/ ١٤٣).
(٣) رواه الشافعي (ص ٤)، وأحمد (الفتح الرباني ٢/ ٨٦)، والنسائي (١/ ١٠٠)، وأبو داود (١٨١)، وابن ماجة (٤٧٩)، والترمذي (٨٢)، وابن خزيمة (٣٣)، والبيهقي (٢٦).
(٤) الشافعي (ص ٤)، وأحمد (الفتح الرباني ٢/ ٨٥)، والدارقطني (١/ ١٤٧)، وابن حبان =
[ ١ / ٥٠ ]
عبدِ المَلك النَّوْفَليّ وهو ضَعيفٌ. لكن للطَّبراني من طريقِ نافعِ بنِ أَبي نُعَيْم القاري، ويزيدَ بنِ عبدِ الملكِ كلاهما عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ عن أَبي هريرةَ، قال الحافظُ عبدُالحق في أَحكامِهِ: فصحَّ الحديثُ بنقلِ العدلِ عن العدلِ على ما قال ابنُ السَكَن.
وأخرَجَهُ ابنُ حِبّانَ في " صَحيحهِ "، والحاكمُ في " مُستَدرَكِهِ " من حديثِ نافعٍ هذا، ورواهُ الشافعيّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ محمد بنِ عبدِ الرحمن بنِ ثَوبانَ عن جابرٍ مرفوعًا بلفظِ الإفضاءِ، ثُمَّ رواهُ الشافِعيّ مُرْسَلًا وقالَ: سمعتُ غيرَ واحدٍ من الحُفّاظِ يَروونَهُ، لا يَذكرونَ فيه جابرًا، وكذا قالَ البخاريُّ، وأَبو حاتمٍ.
عن أَبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " إذا وجدَ أَحدُكم في بَطنِهِ شيئًا فأَشكَلَ عَليهِ: أَخرَجَ منهُ شيءٌ أَم لا، فلا يَخرجنَّ من المسجدِ حتّى يَسمعَ صوتًا، أَو يجدَ ريحًا " (^١٣) رواهُ مسلم، وقد تَقدّمَ حديثُ عبدِ اللهِ بن زيد.
- عن أَبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " لا يَقبَلُ اللهُ صلاةَ مَنْ أَحدَثَ حتّى يتَوضَّأَ " (^١٤)، أَخرجاهُ.
ولمسلم عن ابنِ عمرَ نحوه.
عن ابن عبّاسٍ: أَنَّ النبيَّ ﷺ، قالَ: " الطوافُ بالبيتِ مثلُ الصّلاةِ إلا أنّكم تتكلمونَ فيهِ فمَنْ تكلَّم فيه فلا يتكلمَنَّ إلا بخيرٍ " (^١٥)، رواهُ الترمِذِيُّ هكذا من حديثِ عطاءِ بنِ السائبِ، عن طاووسٍ، عنهُ، وقد رواهُ النَّسائيُّ من وجهٍ آخرَ عن طاووسٍ عن ابنِ عباسٍ مَوقوفًا، ومن وجهٍ عن طاووسٍ عن رجلٍ أدركَ النبيَّ ﷺ نحوَهُ. ومن
_________________
(١) = (موارد ٢١٠)، لكن رواه ابن ماجة (٤٨٠) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء "، وهو غير اللفظ الذي ذكره المؤلف.
(٢) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ٧٧)، ومسلم (١/ ٢٧٦)، وأبو داود (١٧٧).
(٣) رواه البخاري (١/ ١٣١)، ومسلم (١/ ٢٠٤).
(٤) رواه الترمذي (٩٦٠)، والنسائي (٥/ ٢٢٢) وروايته عن ابن عمر بلفظ: أقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة.
[ ١ / ٥١ ]
وجه آخرَ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عمرَ موقوفًا.
عن عمْرو بنِ حَزْمٍ عن النبيِّ ﷺ: " أَنَّهُ كتبَ إلى أَهلِ اليمنِ بكتابٍ فيهِ الفرائضُ، والسُّنَنُ، والدّياتُ، وبعثَ بهِ معَ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، وفيهِ: " ولا يَمَسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ "، رواهُ الدارَقُطنيّ، ولا يثبت إسنادُهُ.
ورَوى أَبو داود في المَراسيلِ عن القَعْنَبِيِّ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي بَكرِ بنِ عمْرو بنِ حَزْمٍ عن النّبيِّ ﷺ: " لا يَمَسُّ القرآنَ طاهِرٌ " (^١٦)، وهذا مُرسَلٌ.
- ورُويَ من حديثِ الزُّهرِيّ: " قرأتُ صحيفةً عندَ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ولا يَمَسُّ القرآنَ إلا طاهِرٌ " (^١٧)، وهذا يُسمَّى وِجادةً، وهي حَسنةٌ تَشدُدُ ما قبلَها.
- ورواهُ ابنُ ماجةَ من وجهٍ آخرَ مُرْسَلًا.
ورَوى الدّارَقُطنيُّ من حديثِ سليمانَ بنِ موسى الأَشْدَقِ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا مِثلَ ذلكَ " (^١٨)، وسليمانُ بنُ موسى فيه اختلافٌ.
ورُويَ من حديثِ إسماعيلَ بنِ مسلمٍ المَكِيِّ، عن القاسمِ بنِ يابي بَزَّةَ، عن عثمانَ بنِ أَبي العاصِ مرفوعًا مثلَ ذلكَ، لكنَّ هذا منقطعٌ بينَ القاسمِ وعثمانَ، ومعَ هذا، فإسماعيلُ بنُ مُسلمٍ متروكُ الحديثِ.
_________________
(١) رواه أبو داود في المراسيل (١٠٥) بلفظه.
(٢) رواه أيضا أبو داود في المراسيل (١٠٥).
(٣) رواه الدارقطني (١/ ١٢١)، وسليمان بن موسى فقيه أهل الشام وسيد شبابهم كما في التهذيب (٤/ ٢٢٦)، وهو صدوق فقيه يحسن حديثه على الراجح بل صحح له بعض الأئمة أحاديث والله أعلم، قلت: لكن له شواهد صحيحة تدل على ثبوت هذا الأصل من حديث سعد بن أبي وقاص، وسلمان ﵄ من قولهما بإسناد صحيح لا مطعن فيه بل على شرط الشيخين كما أظن، وشواهد أخرى دون ذلك مما يدل على حفظ أصله والله أعلم وقد تكلمنا على ذلك في حاشيتنا على السنن الصغرى بما يكفي ويشفي.
[ ١ / ٥٢ ]