قال الله تعالى: " وأَحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا "، وقالَ: " إلاّ أَنْ تَكونَ تجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ".
وتقدّمَ حديثُ: " رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتّى يَفيقَ، وعن النائمِ حتّى يَستيقظَ " (^١).
يُسْتَدلُّ بهِ على أنَّ هؤلاءِ، لا تَصحُّ معامَلَتُهم لأَنَّهمْ مَسلوبوا العِبادةِ.
عن أبي سَعيد الخُدْرِيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " إنّما البيعُ عن تراضٍ مِنكم " (^٢) رواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ حسنٍ.
قالَ أصحابُنا: والتَّراضي لا يَنْضَبِطُ إلاّ بالأقْوالِ، فلهذا لم يُصحِّحوا بيعَ المعاطاةِ على المشهورِ من الثلاثةِ، لأنَّ الأفْعالَ لا تَدلّ كدلالةِ الأقوالِ.
عَن حَكيم بنِ حزامٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " البيِّعانِ بالخِيارِ ما لمْ يَتَفرَّقا، أو قالَ: حتّى يَتَفرّقا، فإنْ صَدَقا وبيَّنا بوركَ لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكذَبا مُحِقتْ برَكةُ بيعهما " أخرجاه (^٣).
وعن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذا تبايعَ الرّجلانِ، فكلٌّ واحدٍ منهما
_________________
(١) تقدم.
(٢) رواه ابن ماجة (٢١٨٥).
(٣) البخاري (١١/ ١٩٤) ومسلم (٥/ ١٠).
[ ٢ / ٥ ]
بالخيارِ، ما لمْ يَتَفَرَّقا وكانا جَميعًا، أو يُخَيِّرْ أحدُهما الآخرَ، فإنْ خيَّرَ أَحدُهما الآخرَ، فتَبايَعا على ذلكَ، فقدْ وجبَ البيعُ، وإن تفرَّقا بعدَ أنْ تَبايعا ولَمْ يتركْ واحدٌ مِنهما البيعَ، فقدْ وجَبَ البيعُ " أخرجاهُ (^٤).
فَهذا الحديثُ نَصٌّ في إثباتِ خيارِ المجلسِ، لا يحتملُ تأويلًا، وقد أُخِذَ منهُ أيضًا أنَّهما إذا تَبايعا بشرطِ نفي الخِيارِ، أنهُ يصحُّ على ذلكَ. وقدْ وردَ في بعضِ ألفاظه في الصّحيحِ.
عن أنسٍ: " أنَّ رجلًا على عهدِ النَّبيِّ ﷺ كانَ يبتاعُ، وكانَ في عقديهِ، يَعني في عقلِهِ ضَعفٌ، فأتى أهلُهُ النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسولَ الله: احجُرْ على فُلانٍ إلا بيعَ خِيارٍ " (^٥).
فحَمَلَهُ الشافِعيُّ في أحدِ التأويلاتِ على بيع بقيَ (^٦) فيهِ الخيارُ، وفي التأويلِ الآخرِ على بيعٍ شُرِطَ فيه خَيارُ الشرطِ.
عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان بنِ مُنقِذٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لجدِّهِ: إذا بايعْتَ فقلْ: لا خِلابةَ، ثمَّ أنتَ في كلِّ سِلْعةٍ ابتعْتَها بالخيارِ ثلاثَ لَيالٍ، إن رضيتَ فأمْسكْ، وأن سَخطتَ فارْدُدْها على صاحبها " (^٧) رواهُ ابنُ ماجة، والبخاريُّ في تاريخهِ، والدارَقُطنيُّ، وهو مُرْسَلٌ جيِّدٌ.
وقَدْ رواهُ الحُمَيْديُّ في مُسْندهِ عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ عن محمدِ بن إسحاقَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ مُنْقِذًا سُفعَ في رأسِهِ في الجاهليةِ مأمومةً، فخبلتْ لسانَهُ، فَكانَ إذا بايعَ يُخْدَعُ في البيعِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: بايعْ، وقلْ: لا خِلابةَ، ثُمَّ أنتَ بالخيارِ ثلاثًا " (^٨)، وأصلُ الحديثِ في الصحيحينِ عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قالَ: " ذُكِرَ لرسولِ اللهِ
_________________
(١) البخاري (١١/ ٢٢٩) ومسلم (٥/ ١٠).
(٢) هكذا بالأصل، ولفظه مختصر، أو لعلّه سقط منه شيء، والله أعلم.
(٣) بالأصل غير معجمة، وتحتمل وجهين (نفي) بالنون والفاء، أو (بقي) بالباء والقاف، والله أعلم.
(٤) ابن ماجة (٢٣٥٥) والبخاري في تاريخه (٨/ ١٧) والدارقطني (٣/ ٥٥).
(٥) الحميدي (٦٦٢).
[ ٢ / ٦ ]
ﷺ رجلٌ: أنُ يُخدعُ في البيوعِ، فقالَ: " مَنْ بايعْتَ فقلْ: لا خِلابةَ " (^٩).
وقدْ زعمَ ابنُ القَطّان من أصحابِنا: أنَّ قولَهُ: " لا خِلابةَ "، كنايةٌ في إثباتِ خيارِ الثلاثِ، وليسَ بسديدٍ، لكنَّ الجمهورَ فسّروهُ بنفي الغِشِّ والتدليسِ، [ونصُّ الشافعيِّ] أنَّ إثباتَ الخيارِ لحبّانَ بنِ مُنْقذٍ في كلِّ ما يشتريهِ وإنْ لمْ يَشرطْ الخيارَ، كانَ خاصًا بهِ.
قلتُ: وقدْ جاءَ في الدارَقُطنيِّ حديثٌ يشهدُ (^١٠) لهذا، وكلُّ هذا لا يَقْدَحُ في دلالةِ هذا الحديثِ على إثباتِ خيارِ الثلاثِ.
وأما حَصْرُ شَرطِ الخيارِ فيها، فلأنَّ حَبَّانَ بنَ منقذٍ كانَ من أحوجِ الناسِ إلى التَروِّي فيما يشتريهِ، فلو جازَ إثباتُ الخيارِ أكثرَ من ذلك لأَشْبهَ أن يُرشَدَ إليهِ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: " أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: إني أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبيعُ بالدنانيرِ وآخذُ الدّراهمَ، وأبيعُ بالدّراهمِ وآخذُ الدّنانير!، فقالَ: لا بأْسَ أن تأْخذَ بسعرِ يومِها مالمْ تَتَفرّقا وبينَكما شيءٌ "، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ (^١١).
ولبعضِهمْ: " فآخذُ مكانَها الدّراهمَ، وآخذُ مكانَها الدّنانيرَ " (^١٢)، وإسنادُ هذا الحديثِ على شرطِ مسلمٍ، وقدْ رُويَ من وجهٍ آخرَ موقوفًا. وفيهِ من الدليلِ امتناعُ الشَّرطِ في المصارَفةِ، وجوازُ بيعِ الثمنِ قبلَ قبضهِ إذا كانَ في اليدِ، وهوَ الصحيحُ من القولينِ.
عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " أما الذي نَهى عنهُ رسولُ اللهِ ﷺ، فهو الطعامُ أن يُباعَ
_________________
(١) البخاري (١١/ ٢٣٣) ومسلم (٥/ ١١).
(٢) الدارقطني (٣/ ٥٦).
(٣) رواه أحمد (الفتح ١٥/ ٧٥) وأبو داود (٢/ ٢٢٤) والترمذي (٢/ ٣٥٦) وابن ماجة (٢٢٦٢) والنسائي (٧/ ٢٨٣).
(٤) رواية " وآخذ مكانها الدنانير " أخرجها الترمذي (٣/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٧ ]
حتّى يُقْبَضَ، قالَ ابنُ عباسٍ، ولا أحسَبُ كلَّ شيء إلا مثلَهُ (^١٣)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لفظُهُ، ومسلمٌ.
وعن حَكيم بن حِزام، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " إذا اشتريتَ شَيئًا فلا تبعْهُ حتّى تَقْبِضَهُ، وفي لَفظٍ: " لا تَبيعنَّ شيئًا حتّى تَقْبِضَهُ " (^١٤) رواهُ أحمدُ.
يُؤخذُ منهُ: أنَّ المبيعَ لا يَدخلُ في ضَمانِ المشتري، ولا يَستقرُّ ملكُهُ عليهِ إلا بالقبضِ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: " لقدْ رأيتُ الناسَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يَتبايعونَ جُزافًا يَعني - الطعامَ - يَضربونَ أن يَضربونَ أن يَبيعوهُ مكانَهم حتّى يُؤوهُ إلى رِحالِهمْ " (^١٥)، رواهُ البخاريُّ.
ولمسلمٍ: " كُنّا نَشتري الطعامَ من الرُّكْبانِ جُزافًا فنَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن نبيعَهُ حتّى نَنقلَهُ من مكانِهِ " (^١٦).
وعن عثمانَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذَا بعْتَ فَكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكْتَلْ " (^١٧)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وقدْ علَّلهُ البخاريُّ، ولهُ طرقٌ متعدِّدةٌ، ولكنْ في كلِّ مِنها نظَرٌ.
وعن جابرٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الطعامِ حتّى يجريَ فيهِ الصّاعانِ، صاعُ البائعِ، وصاعُ المشتري، رواهُ ابنُ ماجة " (^١٨)، والدَّارَقُطنيّ، والحاكِمُ من روايةِ ابنِ أبي ليلى عن أبي الزُّبَيْرِ عنهُ.
ورواهُ البيهقي (^١٩) بإسنادٍ مقاربٍ عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وذكرهُ الشافعيُّ عن الحسنِ البصريّ مُرْسَلًا، وهذا كلّهُ يشدُّ بعضُهُ بَعضًا مَعَ ما تَقدمَ لهُ من الشاهدِ في الصحيحين، وذلكَ دليلٌ على اشتراطِ النقلِ فيما يُمكنُ نقلُهُ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) رواه البخاري (١١/ ٥٤) ومسلم (٥/ ٧).
(٢) رواه أحمد (الفتح ١٥/ ٤٦).
(٣) رواه البخاري (١١/ ٢٤٩).
(٤) رواه مسلم (٥/ ٨).
(٥) رواه أحمد (١٥/ ٤٨) وابن ماجة (٢٢٣٠).
(٦) ابن ماجة (٢٢٢٨) والدارقطني (٣/ ٨) ولم أجده في " المستدرك ".
(٧) البيهقي (٥/ ٣١٦) والشافعي (٧/ ٨٢) الأم معلقًا عليه.
[ ٢ / ٨ ]