قالَ اللهُ: " وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِط أو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلَمْ تَجِدُوا ماءً فتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ".
عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: أَنّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ: أَصابَتْنِي جَنابةٌ، ولا ماءَ؟ قالَ: عَليكَ بالصَّعيدِ، فإنّهُ يكفيكَ " (^١)، أَخرجاهُ في حديثٍ طَويلٍ.
- عن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " فُضِّلْنا على النّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ صُفوفُنا كصفوفِ المَلائِكةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مَسْجدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهورًا، إذا لَمْ نُجدِ الماءَ " (^٢)، رواهُ مُسلمٌ.
عن عَمّارِ بنِ ياسِر، أَنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنّما كانَ يَكْفيكَ، وضرَبَ بيدِهِ إلى الأرضِ، ثُمّ نَفخَ فيها، ومَسَح بها وجهَهُ وكَفّيهِ، شَكَّ سَلَمةُ - يعني: ابن كُهَيْلٍ - فقالَ: لا أَدري فيهِ، إلى المَرفِقينِ أَو إلى الكفَّينِ " (^٣)، رواهُ أَبو داودَ بإسْنادٍ جيّدٍ، ثُمَّ رواهُ من وجهٍ آخرَ، وفيهِ رجلٌ مُبْهَمٌ، فقالَ: " إلى المَرْفِقينِ " (^٤).
وعن ابنِ عمرَ في حديث: " أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ضَربَ بيدِهِ على الحائطِ، ومَسَحَ بهما وجهَهُ، ثُمَّ ضرَبَ ضَربةً أُخرى فمَسَحَ ذِراعَيهِ " (^٥)، رواهُ أَبو داودَ، وفي إسْنادِهِ:
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٧).
(٢) رواه البخاري (١/ ٢١٣)، ومسلم (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
(٣) رواه مسلم (١/ ٣٧١).
(٤) رواه أبو داود (٣٢٤).
(٥) رواه أبو داود (٣٢٥).
(٦) رواه أبو داود (٣٣٠)، والدارقطني (١/ ١٧٧).
[ ١ / ٧٢ ]
محمدُ بنُ ثابتٍ العَبْدِيُّ، وقد ضعَّفهُ بعضُ الحُفّاظِ، ووثّقهُ بعضُهم، وقد خولِفَ في هذ الحديثِ، فرواهُ الثقاتُ من فعلِ ابنِ عُمرَ، قالَهُ البخاريُّ، وأَبو زُرْعةَ، وابنُ عَدِيٍّ، وقالَ الخَطّابيُّ: هذا: حديثٌ لا يَصحُّ، وقالَ البَيْهقِيُّ: رفعُ هذا الحديثِ غيرُ مُنكرٍ.
ورواهُ الإمامُ الشافعيُّ من حديثِ ابنِ الصِّمةِ، قالَ: " مَرَرْتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو يبولُ فَسلمتُ عَليهِ، فَلمْ يردَّ حتى قامَ إلى جدارٍ، فحتَّهُ بعصا كانتْ معَهُ، ثُمّ وضَعَ يدَهُ على الجدارِ فمسَحَ وَجهَهُ وذِراعَيْهِ، ثُمّ ردَّ عليَّ السلامَ " (^٦)، ويُسْتَدَلُّ بهِ أَيضًا على أَنَّهُ لا بُدَّ من ترابٍ طاهِرٍ يَعلَقُ بالوجهِ واليَدينِ حيثُ حَتَّ الجدارَ بالعَصا.
ورَوى الدارَقُطنيُّ عن ابنِ عُمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " ضَربتان: ضَربةٌ للوجهِ، وضَرْبةٌ لليَدَينِ إلى المَرْفِقينِ " (^٧)، ولا تَصحّ أسانيدُهُ.
- ورواه عن جابر بإسنادٍ جيّدٍ، وقد رَواهُ عن الأسلع، ولا يصح، في إسنادِهِ الرَّبيعُ بنُ بَدْرٍ، ويُعرفُ بعُلَيْلَةَ، وهوَ متروك.
عن جابرٍ أَنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " أُعطيتُ خَمسًا لَمْ يُعطَهُنَّ نَبيٌّ من قَبلي: نُصِرتُ بالرُّعْبِ مَسيرةَ شَهر، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسْجدًا وطَهورًا، فأَيُّما رجلٍ من أُمَّتي أدْرَكَتهُ الصَّلاةُ فَليُصلِّ. . الحديث " (^٨)، أَخرجاهُ، اسْتُدلَّ بهِ على اشتراطِ دخولِ وقتِ الصلاةِ في صحّةِ التَّيمّمِ لها، لأَنّهُ لَمْ يُبَحْ لهُ التَّيمُّمُ إلاّ إذا أَدْرَكتهُ الصلاةُ.
تقدَّمَ قولُهُ ﵇: " وجُعِلتْ تُرْبتُها لنا طَهورًا إذا لَمْ نَجد الماءَ ".
وعن أَبي قِلابةَ عن عَمْرِو بنِ بُجْدانَ عن أَبي ذَرٍّ: أَنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنّ
_________________
(١) رواه الشافعي (ص ٤).
(٢) رواه الدارقطني (١/ ١٨٠) عن ابن عمر، وعن جابر (١/ ١٨١)، وقال: رجاله كلهم ثقات والصواب موقوف.
(٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ١٨٧)، والبخاري (١/ ٢٠٩)، ومسلم (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٧٣ ]
الصَّعيدَ الطَّيَّبَ طَهورُ المُسلمِ، وإن لَمْ يَجد الماءَ عَشْرَ سِنينَ، فإذا وجَدَ الماءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرتَهُ، فإنَّ ذلكَ خيرٌ " (^٩)، رواه أحمدُ، وأَبو داودَ، والنَّسائيُّ، والترمِذِيُّ، وذا لفظُهُ، وقالَ: حسَنٌ صَحيحٌ.
ورواهُ أَبو بَكر الأَثْرَمُ، ولَفْظُهُ: " فقالَ: يا أَبا ذَرٍّ إنّ الصَّعيدَ طَهورٌ لمنْ يَجِد الماءَ عَشْرَ سِنينَ، فإذا وجدتَ الماءَ، فأَمِسَّهُ بَشَرتَكَ "، وعَمْرو بنُ بُجْدان هذا ثقةٌ لمْ يَجرحْهُ أَحَدٌ، ولَمْ يَرْوِ عنهُ سِوى أَبي قِلابةَ.
وقد رَوى هذا الحديث أَبو بَكر البزّارُ من حديث أَبي هُريرةَ، وصحَّحهُ الحافِظُ ابنُ القَطّان.
عن أَبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " إذ أَمَرْتُكمْ بأَمْرٍ، فائْتوا منهُ ما اسْتَطعْتُم " (^١٠)، أَخرجاهُ، يُسْتدَلُّ بهِ على أَنَّ مَنْ وجَدَ بعضَ ما يَكفيهِ من الماءِ يَسْتَعملُهُ، ويَتَيمَّمُ للباقي.
- عن عَطاءِ بنِ يَسار عن أَبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، قالَ: " خَرجَ رجلان في سفرٍ، فَحَضَرت الصّلاةُ وليسَ معهما ماءٌ، فَتَيمَّما صَعيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيا، ثُمَّ وجَدا الماءَ في الوقتِ، فأَعادَ أَحدُهما الوضوءَ والصلاةَ، ولمْ يُعِدِ الآخرُ، ثُمَّ أَتيا رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرا ذلكَ لهُ، فقالَ للّذي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وأجْزأَتْكَ صَلاتُكَ، وقالَ لِلّذي تَوَضّأَ وأَعادَ: لَكَ الأَجرُ مرّتين " (^١١)، رواهُ أَبو داودَ، والنَّسائيُّ، وأَخرجاهُ من وجهٍ آخرَ مُرْسَلًا، قالَ أَبو داودَ: وذكْرُ أَبي سَعيدٍ فيهِ ليسَ بمحفوظٍ، وصَحّحَ الحاكمُ اتصالَهُ.
- عن عَمْرِو بنِ العاصِ، قالَ: " احتَلَمْتُ في لَيلةٍ باردةٍ في غزاةِ ذاتِ السَّلاسلِ، فأَشفقتُ أَن أَغْتَسِلَ فأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمّ صَلّيْتُ بأَصحابي، فَذكروا ذلكَ لرسولِاللهِ
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ١٩٢ - ١٩٤) في قصة طويلة والنسائي (١/ ١٧١)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) وفي رواية أحمد عشر حجج بدل عشر سنين.
(٢) رواه البخاري (٩/ ١١٧ نوواي)، ومسلم (١/ ١٣٣٧).
(٣) رواه أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (١/ ٢١٣) موصولًا ومرسلًا.
[ ١ / ٧٤ ]
ﷺ، فقالَ: يا عَمْرو صَلّيتَ بأَصحابِكَ وأَنتَ جُنُبٌ؟ فأَخبرتُهُ بالذي مَنَعني مِن الاغْتِسال، فقالَ: وقلتُ: إني سَمعتُ اللهَ يقولُ: " وَلا تَقْتلوا أنفسَكُمْ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيمًا "، فَضحكَ النبيُّ ﷺ، ولَمْ يقلْ شيئا " (^١٢)، رَواهُ أَحمدُ، وأَبو داودَ، وهذا لَفْظُهُ، ولهذا الحديثِ طرُقٌ، والغرضُ: أَنَّهُ لَمْ يأْمُرْهُ بإعادةٍ، وقد كانَ مسافرًا تيمَّمَ للبردِ.
قالَ ﵇: " إذا أَمَرْتكُمْ بأَمْرٍ، فائْتوا منهُ ما اسْتَطعتم " (^١٣).
وعن جابرٍ، قالَ: " خَرجْنا في سَفَرٍ، فأصابَ رجلًا منا حجرٌ فَشَجّهُ في رأسِهِ، ثُمَّ احتَلَمَ فسألَ أَصحابَهُ فقالَ: هَلْ تَجدونَ لي رُخْصةً في التَيمُّمِ؟ قالوا: ما نجدُ لكَ رُخْصةً وأنتَ تقدِرُ على الماءِ، فاغتسَلَ فَماتَ، فَلمّا قَدِمْنا على النبيِّ ﷺ أُخْبِرَ بذلكَ، فقالَ: قَتَلوهُ، قَتَلهُمُ اللهُ، أَلا سَألوا إذ لَمْ يَعْلَموا، فإنّما شِفاءُ العِيِّ السّؤالُ، إنّما كانَ يَكفيهِ أَن يَتَيمَّمَ ويَعْصِرَ أو يَعْصِبَ عَلى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمسَحَ عَليها، ويغْسِلَ سائرَ جَسَدِهِ " (^١٤)، رواهُ أَبو داود بإسناد لا بَأسَ بهِ، ولهُ شاهِدٌ من حديث ابنِ عَبّاسٍ " (^١٥)، رواهُ أَحمدُ، وأَبو داود، وابنُ ماجَةَ، وإن كانَ في سَندِهِ انقطاعٌ.
عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " من السُّنَّةِ أَن لا يُصلّيَ بالتيممِ الواحدِ إلاّ صَلاةً واحدةً، ثمَّ يَتَيمَّمَ للصلاةِ الأُخرى " (^١٦)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وفي إسْنادِهِ الحَسنُ بنُ عُمارةَ، وهو مَتروكٌ بمرَّةٍ، وكذّبَهُ شُعْبةُ، واتّهمَهُ بالوضعِ، ثُمَّ رواهُ الدارَقُطنيُّ (^١٧) بأَسانيدَ جيّدةٍ مَوقوفًا على عَليٍّ، وعَمْرِو بنِ العاصِ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ.
عن عائِشةَ: " أَنّها استعارَتْ من أَسماءَ قِلادةً فهَلَكتْ، فبعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ في طَلَبِها فوَجَدوها فَأَدْركتْهمُ الصلاةُ وليسَ معهُمْ ماءٌ فصَلّوا بغيرِ وُضوءٍ، فلَمّا أَتوا رسولَ
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ١٩١ - ١٩٢)، وأبو داود (٣٣٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه أبو داود (٣٣٦).
(٤) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢/ ١٩١)، وأبو داود (٣٣٧)، وابن ماجة (٥٧٢).
(٥) رواه الدارقطني (١/ ١٨٥).
(٦) رواه الدارقطني عن علي، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر (١/ ١٨٤) على التوالي.
[ ١ / ٧٥ ]
اللهِ ﷺ شكوا ذلكَ إلَيْهِ، فأنزَلَ اللهُ آيةَ التَيمُّمِ " (^١٨)، أَخرجاهُ، فيهِ دلالةٌ على أَنّ مَنْ لَمْ يجدْ ماءًا ولا تُرابًا أَنّهُ يُصلِّي عَلى حَسَبِ حالِهِ حيثُ كانَ فقدانُ الماءِ في حقِّهم كفقدانِ الماءِ والترابِ بعدَ مَشروعيِّةِ التَّيمُّمِ.
عن عَليٍّ، قالَ: " انكَسَرتْ إحدى زَنْدَيَّ، فسَألتُ النبيَّ ﷺ فأَمَرني أَن أَمسَحَ على الجَبائِرِ " (^١٩)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ عَمْرو بنُ خالدٍ الكوفيُّ ثُمّ الواسِطيُّ، وهو كَذّابٌ، مُتَّهمٌ بالوضْعِ، وقالَ أَبو حاتمٍ: هذا حَديثٌ باطِلٌ لا أَصْلَ لَهُ.
وعن ابنِ عُمرَ: " أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَمْسَحُ على الجَبائِرِ " (^٢٠)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقالَ: لا يَصحُّ مرفوعًا، وأَبو عُمارةَ: محمدُ بنُ أَحمدَ بنِ المَهدي: ضَعيفٌ.
قد تقدّمَ في حديثِ جابرٍ: أَنَّهُ ﵇، قالَ: " إنّما كانَ يَكفيهِ أَنْ يَتَيمَّمَ ويَعْصِبَ عَلى جُرْحهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمسَحَ عَلَيها " (^٢١)، ففيهِ دلالةٌ عَلى ضمِّ المَسْحِ إلى التَيمُّمِ، وهوَ الصَّحيحُ.
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٢١٠)، ومسلم (١/ ٢٧٩).
(٢) رواه ابن ماجة (٦٥٧)، والدارقطني (١/ ٢٢٧).
(٣) رواه الدارقطني (١/ ٢٠٥)، وقال: لا يصح مرفوعا، وأبو عمارة ضعيفٌ جدا.
(٤) سبق تخريجه.
[ ١ / ٧٦ ]