قالَ اللهُ (تعالى): " والصُّلْحُ خَيْرٌ ".
عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " الصُّلْحُ جائزٌ بينَ المسلمين، إلا صُلْحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّمَ حلالًا، والمسلمونَ على شُروطهم " (^١)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسنٍ.
وعن كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو بنِ عَوْفٍ المُزَنيّ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الصُّلْحُ جائزٌ بينَ المسلمين - وذكرهُ " (^٢)، رواهُ ابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صَحيحٌ، وقد نوقِشَ في تصحيحهِ هذا الحديثُ وما شاكَلَهُ من الأحاديثِ الضِّعافِ، فإنّ كثيرًا في هذا كذّبَهُ الشافعيّ، وتركَهُ أحمدُ، وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ.
وقد تقدَّمَ النَّهيُ عن بيعِ الغَرَرِ، والصّلْحُ نوعٌ من أنواعِ البيعِ، وكذا حديثُ النَّهي عن بيعِ الكاليءِ بالكاليءِ، فيُؤْخَذُ منهُ أنهُ لا يجوزُ الصّلْحُ بينَ دينٍ على دينٍ إلا أن يُقْبضَ في المجلسِ.
عن كَعْبِ بنِ مالكٍ: " أنهُ تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دينًا لهُ عليهِ في المسجدِ، فارتفَعتْ أصواتُهما حتى سمعَها رسولُ اللهِ ﷺ في بيتِهِ، فخرجَ إليما فقالَ: يا كَعْبُ: ضَعْ من دينهِ هذا، وأشارَ إليهِ أيْ الشَّطرَ، قالَ: قد فعلتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: فقمْ، فاقْضهِ " (^٣)، أخرجاهُ.
ففيه دلالةُ الصّحيحِ من الوجهينِ أنهُ إذا صالحَ من ألْفٍ على خَمْسمائةٍ أنهُ يصحُّ.
_________________
(١) أبو داود (٢/ ٢٧٣).
(٢) ابن ماجة (٢٣٥٣) والترمذي (٢/ ٤٠٣).
(٣) البخاري (١٣/ ٢٨٦) ومسلم (٣/ ٣٠).
[ ٢ / ٥٤ ]
عن أبي هُريرةَ، قال ﵇: " إذا اخْتلفْتُم في الطريقِ، فاجعلوهُ سبعةَ أذرُعٍ " (^٤) أخرجاهُ.
عن لُؤلُؤةَ عن أبي صِرْمةَ عن النبيِّ ﷺ، قالَ: " من ضَارَّ أضرَّ الله بهِ، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليهِ " (^٥)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسَنٌ غَريبٌ.
وعن عُبادَة بنِ الصّامتِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى أنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ " (^٦) رواهُ ابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ: انْقطاعٌ، ولكن رُويَ من حديثِ ابن عبّاسٍ، وأبي سعيدٍ، وهو حديثٌ مشهورٌ، واللهُ أعلمُ.
عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " لا يمنعُ أحدُكُمْ جارَهُ أن يضعَ خَشَبةً على جدارِهِ، ثُمّ يقولُ أبو هريرةَ: مالي أراكمْ عنها مُعْرِضينَ، واللهِ لأرمينَّ بها بينَ أكتافِكُمْ " (^٧)، أخرجاهُ.
وهذا حُجّةُ القولِ القديمِ، واحْتجوا للجديدِ بعمومِ قولِهِ ﵇ في حِجّةِ الوَداعِ: " إنّ دِماءَكُمْ، وأموالَكُمْ وأعراضَكُمْ عليْكُم حَرامٌ كَحرمةِ يومِكُم هذا، وفي شهرِكمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا " (^٨)، ولحديثِ أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ، قالَ: " لا يحلُّ مالُ مُسلمٍ إلا بطيبِ نفسِهِ " (^٩)، رواهُ ابنُ ماجة.
وقد رُويَ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ مرفوعًا بإسنادٍ جيّدٍ، ومن حديثِ غيرهِ.
عن سَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ، قالَ: " كانتْ لي عَضدٌ من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من
_________________
(١) البخاري (٢/ ١٧٧ نواوي) ومسلم (٥/ ٥٩).
(٢) أحمد (٣/ ٤٥٣) وأبو داود (٢/ ٢٨٣) وابن ماجة (٢٣٤٢) والترمذي (٤/ ٣٣٢).
(٣) ابن ماجة (٢٣٤٠) قلت: رواه أحمد (٥/ ١١٠).
(٤) البخاري (١٣/ ١٠) ومسلم (٥/ ٥٧).
(٥) تقدم.
(٦) لم أجده في سنن ابن ماجة، وهو في سنن الدارقطني (٣/ ٢٦)، وأخرجه البيهقي (٦/ ١٠٠) من حديث عم أبي حرَّة الرقاشي.
[ ٢ / ٥٥ ]
الأنصارِ، قالَ: ومعَ الرَّجلِ أهلُهُ، فكانَ سمرةُ يدخلُ إلى نخلِهِ فيَتأذّى بهِ ويَشقُّ عليهِ، فطَلبَ إليهِ إنْ يُناقِلَهُ، فأبى، فأتى النبيَّ ﷺ، وطلبَ إليهِ النبيُّ ﷺ أن يبيعَهُ، فأبى، فطَلبَ إليهِ أن يُناقلَهُ فأبى، فقالَ النبيُّ ﷺ للأنصاريِّ: إذهبْ فاقطعْ نخلَهُ " (^١٠)، هكذا رواهُ أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ.
فيُؤْخَذُ منهُ أنَّ مَنْ حَصَلتْ أغصانُ شجرهِ في هواءِ غيرِهِ، وطولبَ بإزالتِهِ، أنّها تُقْطعُ إن لم يمكن لها.
قالَ البخاريُّ: بابُ إذا هدَمَ حائطًا فلْيبنِ مثلَهُ، ثمَّ ساقَ فيهِ حديثَ أبي هريرةَ في قصّةِ جُرَيْجٍ الرّاهبِ لما اتّهموهُ بتلكَ المرأةِ، فهدَموا صَوْمَعَتَهُ، ثمّ ظَهَرتْ بَراءَتُهُ، فقالوا لهُ: نَبْني صَوْمعتَك من ذَهبٍ، فقالَ: لا، إلا مِن طينٍ " (^١١).
_________________
(١) أبو داود (٢/ ٢٨٣)، ولم يتبين لي الشرط الذي جعله المصنف ﵀ لجواز قطع الشجرة التي أغصانها في هواء غيره.
(٢) البخاري (١٣/ ٣٨).
[ ٢ / ٥٦ ]