قالَ الله تعالى: " وأَحلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا "، وقالَ تَعالى: " يا أَيُّها الذينَ آمنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتمْ مُؤمِنينَ. فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنوا بحربٍ مِنَ اللهِ ورَسولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالِكُمْ لا تَظلِمونَ ولا تُظْلَمونَ " (الآية).
عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " الذّهبُ بالذّهبِ، والفِضّةُ بالفِضّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلْحُ بالملحِ، مِثْلًا بمثْلٍ، يَدًا بيدٍ سَواءً بسَواءٍ، فمنْ زادَ أو استزادَ فقدْ أربى، الآخذُ والمُعطي فيهِ سَواءٌ " (^١)، رواهُ مُسلمٌ.
ولهُ عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ مِثْلُه، وفيهِ: " فإذا اختلَفَتْ هذهِ الأصنافُ فَبيعوا كيفَ شِئْتُمْ إذا كانَ يدًا بيدٍ " (^٢).
عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، وزَيْدِ بنِ أرْقَمَ، قالا: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الذَّهبِ بالوَرقِ دَيْنًا " (^٣)، أخرجاهُ.
عن مَعْمرِ بنِ عبد اللهِ، قالَ: " كنتُ أسمعُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بِمثْلٍ " (^٤)، رواه مسلم.
اسْتُدلَّ بهِ للجَديدِ، أنَّ العِلّةَ: الطعمُ فقطْ.
عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " الوزنُ وزنُ أهلِ مَكّةَ، والمِكْيالُ مِكْيالُ
_________________
(١) مسلم (٥/ ٤٤).
(٢) مسلم (٥/ ٤٤).
(٣) البخاري (١١/ ٢٩٧) ومسلم (٥/ ٤٥).
(٤) مسلم (٥/ ٤٧).
[ ٢ / ١٨ ]
أهلِ المدينةِ " (٥)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ من حديثِ أبي نُعَيْم، عن الثَّوريّ عن حَنْظَلَة بنِ أبي سُفيانَ عن طاوسٍ عنهُ.
قالَ أبو داود: ورَواهُ أبو أحمدَ عن سفيان، فأَخطأَ، فقالَ: عن ابنِ عبّاسٍ مكانَ ابنِ عمرَ، وقالَ أَبو حاتم الرّازِيُّ: بَلْ هذا هوَ الصّحيحُ، وأَخطأَ أَبو نُعَيْمٍ في قولهِ: عن ابنِ عمرَ، ثُمَّ رَوى عن نَصْرِ بنِ عليٍّ الجَهْضَميِّ، قالَ: قالَ لي أبو أَحمدَ: أَخطأَ أبو نُعَيْمٍ فيما قالَ عن ابنِ عمرَ.
قلتُ: ورَواهُ الطَّبَرانيُّ من حديثِ أبي أحمدَ، ولَفْظُهُ: " المِكْيالُ مِكْيالُ أهلِ مَكَّةَ، والوزْنُ وَزْنُ أهل ال المَدينةِ "، فعكَسَ اللفظَ، قالَ أبو داودَ: كذا رَواهُ (^٥) الوليدُ بنُ مُسلمٍ عن حَنْظَلَةَ، قالَ الطَّبَرانيُّ: والصَّوابُ: حديثُ أبي نُعَيْمٍ.
ورَواهُ مالكُ بنُ دينارٍ عن عَطاءٍ عن النبيِّ ﷺ، والصّوابُ: حديثُ ابنِ عمرَ كَما تقدَّمَ.
عن زَيْدٍ أبي عَيّاش عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُسأَلُ عن اشْتراءِ التمرِ بالرُّطَبِ، فقالَ لمن حولَهُ: " أينقصُ الرّطبُ إذا يَبسَ؟، قالوا نَعمْ، فنَهى عن ذلكَ " (^٦)، رَواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمذِيُّ.
وقدْ استدَلَّ بهِ الأئِمةُ على قاعدةٍ كبيرةٍ في هذا البابِ، وهيَ: أنَّ الجهْلَ بالمُماثَلةِ كحقيقةِ المُفاضَلَةِ.
عن ابنِ عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن المُزابنَةِ: أن يبيعَ ثَمنَ حائِطِه إن كان نَخْلًا بتمرٍ كَيْلًا، وإنْ كان كَرمًا أن يَبعَهُ بزَينبٍ كَيْلًا، وإنْ كانَ زَرعًا أن يَبعَهُ بكيلِ طَعامٍ، نَهى عن ذلكَ كلّه " (^٧)، أَخرجاهُ.
_________________
(١) أبو داود (٥/ ٢٢٠) والنسائي (٧/ ٢٨٤)، قلت: بالأصل غير واضح، وقد أثبتناه الوليد بن مسلم عن حنظلة كما في سنن أبي داود (٢/ ٢٢٠)، والله أعلم.
(٢) الشافعي (٣/ ١٥) وأحمد (١٥/ ٣٧) وأبو داود (٢/ ٢٢٥) والنسائي (٧/ ٢٦٩) والترمذي (٢/ ٣٤٨) وابن ماجة (٢٢٦٤).
(٣) البخاري (١٢/ ١٣) ومسلم (٥/ ١٥).
[ ٢ / ١٩ ]
وعن سالمٍ عن أبيهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا تَبيعوا الثّمرَ بالتمرِ، قالَ سالمٌ: وأخبرَني عبدُ اللهِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رخّصَ بعدَ ذلكَ في بيعِ العَرِيَّةِ بالرّطبِ أو التمرِ، ولمْ يُرَخِّصْ في غيرِهِ "، أخرجاه (^٨).
وفي لفظٍ لهما: " رَخَّصَ في العَرايا أن تُباعَ بخَرْصِها كَيْلًا " (^٩).
عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رخَّصَ في بيعِ العَرايا بخرصِها في ما دونَ خمسةِ أوسُقٍ، شَكَّ داودُ يَعني - ابنَ الحُصَيْن "، أخرجاهُ (^١٠)، وليس للبخاريِّ ذكرُ الشّكِّ.
يؤيِّدُهُ ما رواهُ أَحمدُ عن جابرٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ أَذِنَ لأهلِ العَرايا أن يَبيعوها بِخَرصِها، يقولُ: " الوَسْقُ، والوَسْقين، والثلاثةُ، والأربعةُ " (^١١).
قالوا: ولأن الأصلَ في ذلكَ التحريمُ، إلا ما خرجَ بدليلٍ، والخمسةُ مشكوكٌ فيها، فبقيَتْ على أصلِ التحريمِ، ولهذا كانَ هوَ الصحيحَ من القولينِ.
عن رافعِ بنِ خَديجٍ، وسَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن المُزابَنةِ، بيعِ الثمرِ بالتمرِ إلا أصحابَ العَرايا، فإنهُ قدْ أُذِنَ لهُمْ " (^١٢)، رواهُ البخاريُّ هكذا.
وقد أخرجَهُ الترمذِيُّ في جامعِه عن الحَسنِ بنِ عَليٍّ الحلْوانيّ عن أبي أُسامَةَ عن الوَليدِ بنِ كثيرٍ عن بُشَيْرِ بن يَسارٍ عن رافع بن خديج، وسَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ بإسْنادٍ على شرطِهما، وعن بيعِ العنبِ بالزَّبيبِ، وعن كل ثمرٍ بخرصِهِ، وقالَ: حَسنٌ غَريبٌ من هذا الوجهِ.
عن فَضالَة بنِ عُبَيْدٍ الأنصاريِّ، قالَ: " أُتِي رَسولُ اللهِ ﷺ وهو بخَيْبرَ بقِلادةٍ فيها
_________________
(١) البخاري (١١/ ٢٩٨) ومسلم (٥/ ١٣).
(٢) البخاري (١١/ ٣٠٦) ومسلم (٥/ ١٤).
(٣) البخاري (١١/ ٣٠٢) ومسلم (٥/ ١٥).
(٤) أحمد (١٥/ ٤٠).
(٥) البخاري (١١/ ٣٠٤) والترمذي (٢/ ٣٨٤).
[ ٢ / ٢٠ ]
خرزٌ وذهبٌ، وهيَ من المغانمِ تُباعُ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالذهبِ الذي معَ القِلادةِ فَنُزِعَ وحدَهُ، ثمَّ قالَ: الذَّهبُ بالذّهبِ، وَزْنًا بوَزْنٍ " (^١٣)، رواهُ مُسلمٌ بهذا اللّفْظِ.
ولأبي داود: " أُتيَ عامَ خَيبرَ بقلادةِ فيها ذهبٌ وخَرزٌ ابتاعَها رجلٌ بتسعةِ دَنانيرَ أو بسبعةِ دَنانيرَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لا، حتّى تُميّزَ بينَهُ وبينَهُ، فقالَ: إنما أردتُ الحجارةَ، فقالَ: لا، حتّى تُميِّزَ بينَهما، فردّوهُ حتى مَيّزَ بينَهما " (^١٤)، وإسنادُهُ، على شَرْطِ مُسلمٍ.
وللترمِذيِّ، والنَّسائيِّ عن فَضالةَ، قالَ: " اشتريتُ يومَ خيبرَ قِلادةً باثني عشرَ دينارًا، فيها ذهبٌ وخَرَزٌ فَفَصّلتها فوجدتُ فيها أكثرَ من اثني عشرَ دينارًا، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ، فقالَ: لا تُباعُ حتَّى تُفصَّلَ " (^١٥)، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.
قالَ البيهقيُّ: يَستدِلُّ بهذ الحديثِ أصحابُنا على قولِ الشافعيّ في الجديدِ: ولا يُباعُ ذهبٌ بذهبٍ معَ أحدِ الذّهبينِ شيءٌ آخرُ غيرُ الذّهبِ.
قلتُ: هذهِ هيَ المسألةُ المشهورةُ بمُدِّ عَجْوةٍ، وقدْ اختلفَ فيها الأئمةُ من أصحابِنَا وغيرِهمْ على أقوالٍ قدْ بَسطتُها في موضعٍ آخر، وللهِ الحمدُ.
عن الحسَن عن سَمُرة بنِ جُنْدُبٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى أنْ تُباعَ الشاةُ باللَّحمِ " (^١٦)، رواهُ ابنُ خُزَيمةَ، والحاكمُ، والبيهقيُّ، وصحَّحهُ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ عَلى سماعِ الحَسنِ من سَمُرَةَ غيرَ مرّةٍ.
وقد قالَ مالكٌ عن داودَ بنِ الحصَيْنِ: سمعتُ سعيدَ بن المُسيّب يقولُ: " كانَ مِنْ مَيسرِ أهلِ الجاهليةِ بيعُ اللحمِ بالشاةِ، والشاتينِ ".
_________________
(١) مسلم (٥/ ٤٦).
(٢) أبو داود (٢/ ٢٢٣).
(٣) الترمذي (٢/ ٣٦٣) والنسائي (٧/ ٢٧٩).
(٤) الحاكم (٢/ ٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٩٦) مع قول سعيد أنه ميسر الجاهلية برواة: ثقات.
[ ٢ / ٢١ ]
قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ اللحم بالحيوانِ " (^١٧).
وهذا عامٌّ بالحيوانِ المأكولِ وغيرِهِ، إلا أنهُ: مُرْسَلٌ، لكنهُ من مُرْسَلاتِ ابنِ المُسيّبِ، وهي: حِسانٌ عندَ الشافعيّ، وقدْ عضَدَهُ الشافعيُّ بروايته من وجهٍ آخرَ مُرْسَلًا، وبما رواهُ عن ابن بي يحيى عن صالح مَوْلى التوأمةِ عن ابن عبّاسٍ عن أبي بكرٍ الصّدّيقِ " أنهُ كَرِهَ بيعَ الحيوان باللحمِ " (^١٨)، إلا أن هذا سندٌ ضعيفٌ عن الصدّيقِ.
وقد قالَ الشافعيُّ في القديمِ: لو لمْ يُرْوَ في هذا شيءٌ عن النبيِّ ﷺ، كانَ قولُ أبي بكرٍ فيهِ ممّا ليسَ لنا خلافُهُ، لأنهُ لا نعلمُ أحدًا من الصحابةِ قالَ بخلافِهِ، وإرسالُ سَعيدِ بن المُسَيّبِ عندنا: حَسَنٌ.
_________________
(١) الشافعي (٣/ ٧١)، والبيهقي (٥/ ٢٩٦) من طريقه هكذا برواه: ثقات على إرساله، والحاكم (٢/ ٣٥) من طريقه أيضًا.
(٢) الشافعي (٣/ ٧١)، والبيهقي (٥/ ٢٩٧) من طريقه هكذا، وفيه ابن أبي يحيى: متروك، أو ضعيف.
[ ٢ / ٢٢ ]