عن عبدِ الله بنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ ﵇: " لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادّعى أناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهُم، ولكنَّ اليمينَ على المُدّعى عَليه " (^١)، أخرجاهُ.
استدَلّ الشافعيُّ بهذا الحديثِ على أنهما يتَحالفانِ لأنّ كلاًّ منهما مُدّعٍ ومُدّعى عليه، وهذا هوَ المذهبُ المشهورُ، وبهِ قالَ فُقهاءُ المدينةِ، وقدْ قالَ الشافعيُّ في الدّعوى والبيّناتِ: إنْ بدأَ بتحليفِ البائعِ خيّرَ المشتريَ، وإن بدأَ بالمشتري خيّرَ البائعَ، وقالَ بعضُ أصحابنا: إنّما ذكرَ هذا حكايةً عن غيرهِ، وهذا بَعيدٌ، بلْ هو قولٌ لهُ، ويُستدَلُّ عليهِ بِما رَواهُ الشافعيُّ عن سُفْيان بنِ عُيَيْنةَ عن محمدِ بنِ عَجْلانَ عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ:
قالَ رسولُ اللهِ ﷺ:
" إذا اختلَفَ البَيِّعانِ، فالقولُ قولُ البائعِ، والمبتاعُ بالخِيارِ (^٢)، ثُمّ قالَ: وهذا مُنقطعٌ أعلمُ أحدًا يَصلهُ عن ابنِ مَسعودٍ، وقدْ جاءَ من غيرِ وجهٍ.
قلتُ: وقدْ رَواهُ عبدُ الملك بنُ عُبَيْدةَ عن أبي عُبيْدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ عن أبيهِ مَرفوعًا.
ورَواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، ورَواهُ الشافعيُّ إلا أنّهُ قالَ: عبد الملكِ بن عُمَيْرٍ بدلَ عُبَيْدةَ، وكذا أخرجَهُ الحاكمُ في مُستدْرَكِه. .
_________________
(١) البخاري (٦/ ٤٣ نواوي) ومسلم (٥/ ١٢٨).
(٢) الشافعي (٨/ ٨٦ الأم مختصر المزني) وأحمد (١/ ٤٦٦ المسند) والنسائي (٧/ ٣٠٣) وأبو داود (٢/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٣٥ ]
قالَ البَيْهقيُّ: والصّوابُ: عبدُ الملكِ بنُ عُبيْدةَ، وأبو عُبيْدةَ: لمْ يسمعْ من أبيهِ شَيْئًا.
ورَواهُ ابنُ أبي لَيْلى عن القاسمِ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن أبيهِ عن ابنِ مَسعودٍ مَرفوعًا.
كذا رَواهُ أبو داودَ، ورَواهُ جَماعةٌ عن القاسمِ عن عبدِ الله مُنْقَطِعًا، قالَ البَيْهقيُّ: وهذا: هوَ الصّوابُ، وابن أبي لَيْلى: لا يُقْبلُ تَفرُّدُهُ لكثرةِ أوْهامِهِ، وقدْ تابَعَهُ على هذا الحسنُ بنُ عُمارَةَ، ولا يُحْتَجُّ بهِ.
وأجودُ إسْنادٍ لهذا ما قالَ أبو العُمَيْسِ: عُتْبةُ بنُ عَبدِاللهِ أخبرَني عبدُالرّحمنِ بنُ قيْسِ بنِ محمدِ بنِ الأشْعثِ عن أبيهِ عن جدّهِ، قالَ: " اشْتَرى الأشْعثُ رَقيقًا من رَقيقِ الخُمْسِ من عبدِ اللهِ يعني - ابنَ مسعودٍ بعشرينَ ألْفًا، فأرسلَ عبدُ الله إليهِ في ثَمنِهم، فقالَ: إنّما أخَذْتُهمْ بعشرةِ آلافٍ، فقالَ عبدُ اللهِ: فاخْترْ رجُلًا يكونُ بينيَ وبينَكَ، قالَ الأشْعثُ: أنتَ بيني وبينَ نفسِكَ، قالَ عبدُ اللهِ: فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ:
" إذا اخْتلَفَ البَيّعانِ ليسَ بينَهما بيّنةٌ، فهوَ ما يقولُ رَبُّ السِّلْعةِ، أو يتركان " (^٣) رواهُ أحمدُ، أبو داودَ، وهذا لَفْظهُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، والبيهقيُّ، وقالَ: هذا إسنادٌ حسنٌ مَوصولٌ، وقدْ رُوي من وجهٍ آخرَ إذا جُمعَ بينهما صارَ الحديثُ بذلكَ قَوِيًّا، وقالَ في مَوْضعٍ آخرَ: هذا أصحُّ إسنادٍ في هذا الباب.
_________________
(١) أحمد (١٥/ ٦٧) وأبو داود (٢/ ٢٥٥)، والنسائي (٧/ ٣٠٣) وابن ماجة (٢١٨٦)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٣٦ ]