قالَ اللهُ تَعالى: " وتَعاوَنُوا على البِرِّ وَالتَّقْوى ".
وقالَ ﵇: " مَنْ نفَّسَ عن أخيهِ كُرْبةً من كُرَبِ الدّنيا نفّسَ اللهُ بها عنهُ كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَنْ سَتَر مُسلمًا، سَتَرهُ اللهُ في الدّنيا والآخرةِ، ومَنْ يسَّرَ على مُعْسرٍ، يَسَّرَ اللهُ عليهِ في الدّنيا والآخرةِ، واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَون أخيهِ " (^١)، رواهُ مُسلمٌ من حديثِ أبي هريرة.
عن ابنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ ﵇: " ما مِنْ مُسلمٍ يُقرِضُ مُسلمًا قَرْضًا مَرتين، إلا كانَ كَصَدَقتِهِ مرَّةَ " (^٢)، رَواهُ ابنُ ماجة من حديثِ سُلَيمانَ بنِ يُسَيْرٍ، ويُقالُ: ابنُ أُسير، وهوَ مَتروكٌ.
ورَواهُ الدّارَقُطنيُّ في كتابِ الأفرادِ من وَجْهٍ آخرَ غَريبٍ.
ورُويَ مَوقوفًا على عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وهو أشبهُ بالصّوابِ.
وعن أنسٍ، قالَ: قالَ ﵇: " رأيتُ ليلةَ أُسْري بِي على بابِ الجنّةِ مكتوبًا: الصّدَقةُ بِعَشْرِ أمثالِها، والقَرضُ بثمانيةَ عشرَ، فقلتُ: يا جِبْريلُ، ما بالُ القَرضِ أفضلُ من الصَّدقةِ؟، قالَ لأنَّ السائلَ يسألُ وعندَهُ، والمقتَرضُ لا يقْترضُ إلا مَنْ حاجةٍ " (^٣)، رواهُ ابن ماجة، وهوَ: حديثٌ: مُنكرٌ جدًا، تفرَّدَ بهِ خالدُ بنُ يَزيدَ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ أبي مالكٍ الشاميّ، وقالَ فيه النَّسائيُّ: ليسَ بثقةٍ، عن أبيهِ عن أنسٍ، وقالَ يحيى بنُ مَعينٍ: ليسَ بشيءٍ، ورَواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ عن أنَسٍ رَفَعَهُ، قالَ:
_________________
(١) مسلم (٢/ ٤٧٣).
(٢) ابن ماجة (٢٤٣٠).
(٣) ابن ماجة (٢٤٣١) والبيهقي (٥/ ٣٥٤).
[ ٢ / ٤٠ ]
" قَرضُ الشيءِ خيرٌ من صَدقَتهِ "، وإسنادُهُ: مَرفوعًا: غَريبٌ، ولا يَصحُّ أيضًا.
سيأتي إن شاءَ اللهُ في بابِ الضّمانِ حديثُ الرّجلِ الذي استسْلفَ من صاحبهِ ألفَ دينارٍ، فقالَ لهُ: ائتِ بكَفيلٍ، فقالَ: كَفى باللهِ كَفيلًا " (^٤)، فَيُؤخَذُ منهُ جَوازُ شَرطِ الضَّمانِ في القَرضِ، لأنَّهُ حكايةُ رسولِ اللهِ ﷺ عن شرعِ مَنْ قبلَنا، ولمْ يُنكرْهُ، ومِثْلُهُ يُحتَجُّ بهِ على أَظهرِ قولي الأصوليين.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ، قالَ:
" مَنْ أسلفَ سَلفًا، فَلا يَشترطْ على صاحبهِ غيرَ قَضائِهِ " (^٥)، رواهُ الدارقُطنيُّ من حديثِ بَقيّةَ بنِ الوَليدِ عن لوذانَ بنِ سُليمانَ عن نافعٍ عنهُ، قال ابنُ عَدِيٍّ: لوذان: مَجهولٌ.
وقال يحيى بنُ بُكَيْرٍ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: أنهُ قالَ: " إذا أسْلفتَ رجلًا واشْترطتَ عليهِ أفْضلَ مِمّا أسْلَفتهُ فهوَ رِبا "، وهذا أصحُّ.
وعن فَضالةَ بنِ عُبَيْدٍ: أنّهُ قالَ: " كُلُّ قَرضٍ جرَّ مَنْفَعة، فهو وجهٌ من وجوهِ الرّبا " (^٦). رواهُ البَيْهقيُّ، قالَ: ورُوِّينا في معناهُ عن ابنِ مسعودٍ، وأُبيّ بنِ كعْبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ، وابنِ عبّاسٍ.
قلتُ: وقدْ رَوى أبو الجَهْم العَلاءُ بنُ موسى في جُزئهِ المشهورِ عن سَوّار بنِ مُصْعَبٍ عن عُمارةَ عن عَليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " كلُّ قرضٍ جَرَّ مَنْفعةً، فهوَ رِبا "، وهذا: مُنْقطعٌ بينَ عُمارةَ وعليٍّ، وسَوّارٌ: ضَعيفٌ.
وعن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " إذا أقرضَ إحدُكُمْ قرْضًا، فأهدَى إليهِ أو حمَلهُ على الدّابةِ، فلا يَركبْها، ولا يَقبلْهُ، إلا أن يكونَ جَرى بينَهُ وبينَهُ قبل ذلك " (^٧)،
_________________
(١) سيأتي.
(٢) الدارقطني (٣/ ٤٦)، والبيهقي باللفظ الآخر وبه (٥/ ٣٥٠).
(٣) البيهقي (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠) عنه وعن بقية الصحابة المذكورين.
(٤) ابن ماجة (٢٤٢٢)، والبيهقي (٥/ ٣٥٠)، مع الاختلاف في سنده.
[ ٢ / ٤١ ]
رواهُ ابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ: اختلافٌ قدْ بَسَطْتهُ في الأصلِ.
ورَوَى البُخاريُّ في تاريخهِ عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " إذا أقْرضَ، فلا يأخذْ هدِيّةً " (^٨).
تقَدّمَ النَّهيُ عَن بيعٍ وسَلَفٍ "، اسْتدَلّوا بهِ على أنهُ لو قالَ: أقرضْتكَ ألْفًا على أنْ تَبيعَني دارَكَ بكذا، أنّهُ لا يَصحُّ.
عن عُبَيْدِ بنِ السَّبّاق عن زَينب، قالَتْ: " أعطاني رسولُ اللهِ ﷺ خَمسين وِسْقًا تَمرًا، وعشرين شَعيرًا، قالَتْ: فجاءَني عاصمُ بنُ عَدِيٍّ في إمارةِ عمرَ، فقالَ لي: هَلْ لكِ أنْ أُوتيك مالَكِ بخيبر هاهُنا بالمدينةِ فأقبضَهُ منكِ بكيلِهِ بخيبرَ؟، فقالَتْ: لا، حتّى أسألَ عن ذلكَ، فذكرَتْ ذلكَ لعمرَ، فقالَ: لا تَفعَلي، فكيفَ لكَ بالضَّمان فيما بينَ ذلكَ " (^٩)، رواهُ البيهقيُّ مُستدِلًا بهِ على أنهُ إذا شَرَط السَّفْتجةَ لا يَصحُّ، قالَ:
وقدْ رُوِّيناهُ في حديثٍ، مَرفوعٍ، وهوَ: ضَعيفٌ بمرّةٍ، فلمْ أذكرْهُ.
وقالَ سعيدُ بنُ مَنصورٍ: حدَّثنَا هُشَيْمٌ أَخبرَنا حَجّاجُ بنُ أرْطاةٍ عن عَطاءٍ: " أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْر كانَ يأخذُ من قومٍ بمكّةَ دراهمَ، ثُمَّ يَكتبُ بها إلى مُصْعَبِ بنِ الزُّبيرِ بالعراقِ، فيأخذُونَها منهُ، فسُئِلَ ابنُ عبّاسٍ عن ذلكَ، فلمْ يرَ بهِ بأسًا " (^١٠)، قالَ البَيْهقيُّ: وذلكَ مَحْمولٌ على ما إذا كانَ بغيرِ شَرْطٍ.
عن جابرٍ، قالَ: " كانَ لي على النبيِّ ﷺ دينٌ، فَقَضاني وزادَني " (^١١)، أخرجاهُ.
وعن سِماكِ بنِ حَرْبٍ عن سُوَيدِ بنِ قيسٍ، قالَ: " جَلَبْتُ أنا ومَخْرفةُ العبدِيُّ بَزًّا من هَجَرَ أو البَحرينِ، فلَمّا كُنا أتانا رسولُ اللهِ ﷺ، فاشْتَرى مِنّا سَراويلَ، قالَ:
_________________
(١) لم أجده في تاريخه.
(٢) البيهقي (٥/ ٣٥٢).
(٣) البيهقي (٥/ ٣٥٢). من طريق سعيد هذا.
(٤) البخاري (٢/ ٢٣٢) ومسلم (٥/ ٥٣).
[ ٢ / ٤٢ ]
وثَمَّ وَزّانٌ يَزِنُ بالأجرِ، قالَ: فدَفعَ إليهِ الثّمنَ، وقالَ: زِنْ وأرْجِحْ " (^١٢)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصَحّحهُ الترمذِيُّ، وقدْ عُلِّلَ.
اسْتَدلّوا بهذينِ عَلى أنهُ يجوزُ أنْ يدفعَ إليهِ أكثرَ ممّا اقترضَ مُتَطوِّعًا، وأصْرَحُ من هذينِ في ذلكَ حديثُ ابنِ عبّاس:
" أنّ رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَسلفَ مِن رجلٍ من الأنصارِ أربعينَ وِسْقًا من تَمرٍ، فأعطاهُ ثمانينَ، أربعينَ سَلَفهُ، وأربعينَ فَضْلًا " (^١٣)، رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ بن (^١٤) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزّار في مُسْندِهِ.
عن أبي هُريرةَ، قالَ: " كانَ لرجلٍ على النبيِّ ﷺ سِنٌّ من الإبلِ، فجاءَ يَتقاضاهُ، فقالَ: أعطوهُ. فَطَلبوا سِنَّهُ فلمْ يَجدوا إلا سِنًّا فوقَ سِنِّهِ، فقالَ: أعطوهُ، فقالَ: أوْفَيتَني، أوفاكَ اللهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ: إنَّ خيرَكُمْ، أحسَنُكُمْ قَضاءً " (^١٥)، أخرجاهُ.
قالَ الشافعيُّ: فيهِ دليلٌ على أنهُ لا بأسَ أن يَقضيَ أفْضلَ مِمّا عليهِ مُتَطوِّعًا. قلتُ: ويُؤخَذُ منهُ أنّ الحيوان مِثْليٌّ.
عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ عندَ بعضِ نسائِهِ، فأرسَلَتْ إحدى أُمّهاتِ المُؤمنين معَ خادمٍ بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضرَبتْ بيدِها وكَسَرت القصعة، فضمَّها وجَعَل فيها الطعامَ، وحَبَس الرّسولُ القَصْعةَ حتى فَرَغُوا، فَدَفع القصعةَ الصحيحةَ، وحَبَس المكسورةَ " (^١٦)، رواه البخاري. .
_________________
(١) أحمد (٥/ ٤٩) وأبو داود (٢/ ٢٢٠) والنسائي (٧/ ٢٨٤)، والترمذي (٢/ ٣٨٥)، وابن ماجة (٢٢٢٠).
(٢) البزار (١٣٠٧) كشف الأستار.
(٣) هكذا بالأصل، وأظن كلمة (بن) زائدة لأنه: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق المكنى أبا بكر الحافظ البزار صاحب المسند (١/ ٢٣٧) الميزان.
(٤) البخاري (١٢/ ٢٣١) ومسلم (٥/ ٥٤).
(٥) البخاري (٧/ ٤٦ المتن).
[ ٢ / ٤٣ ]
وعنه قال: أهدَتْ بعضُ أزواج النَّبي ﷺ إليه طعامًا في قَصْعَةٍ، فَضَرَبتْ عائشةُ القصعةَ بيَدِها، فألقَتْ ما فيها، فقال النَّبي ﷺ: " طعامٌ بِطَعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ " (^١٧). رواه أحمدُ والنسائيُّ وابن ماجة والترمذي وصححه، واللفظ له.
وعن عائشةَ مثلُ ذلك (^١٨). رواه أحمد وأبو داود والنّسائي، وفيه: أن صَفيَّةَ كانت هي المُهدِية.
فيُؤخَذ من ذلك ردُّ المِثْل الصُّوري، وهو الذي صححه النواوي، قال: فإن أخذ عن القرض عِوَضًا جاز، لأن أرفق بالمُقْرَض.
ولحديث ابن عمر المتقدم: " أنه كان يَبيعُ بالدراهمِ فيأخُذُ الدنانير، ويبيعُ بالدنانيرِ فيأخُذُ الدارهمَ " (^١٩).
_________________
(١) أحمد (١٥/ ١٤٨) والنسائي (٧/ ٧١) وابن ماجة (٢٣٣٤) والترمذي (٢/ ٤٠٦).
(٢) أحمد (١٥/ ١٤٧) وأبو داود (٢/ ٢٦٧) والنسائي (٧/ ٧١).
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٤٤ ]