* صحيح.
رواه أحمد فى " المسند " (٤/٣١١): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبى ليلى يحدث عن عبد الله بن عكيم أنه قال: فذكره بالحرف غير أنه قال: " تستمتعوا " بدل " تنتفعوا ".
ثم رواه من طريق وكيع وابن جعفر معا قالا: حدثنا شعبة به بلفظ المصنف: " تنتفعوا " ولم أره عنده من رواية يحيى بن سعيد عن شعبة، فلعلها فى غير مسنده.
[ ١ / ٧٦ ]
والحديث أخرجه أبو داود (٤١٤٧) والنسائى (٢/١٩٢) وابن ماجه (٣٦١٣) والطيالسى (١٢٩٣) وكذا الطحاوى فى " شرح المعانى " (١/٢٧١) وابن سعد فى " الطبقات " (٦/١١٣) والبيهقى (١/١٤) من طريق [١] عن شعبة به.
وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والطحاوى والطبرانى فى " المعجم الصغير " (ص ١٢٨ و٢١٨) وكذا الترمذى (٢/٢٢٢) وحسنه البيهقى (١/١٨) من طرق أخرى عن الحكم به، بلفظ " كتب إلينا رسول الله ﷺ " - وزاد أحمد وأبو داود " قبل وفاته بشهر " - ورجالهما ثقات لكن سقط من إسنادهما عبد الرحمن بن أبى ليلى فهى منقطعة، وزاد أبو داود زيادة أخرى فقال " عن الحكم بن عتيبة أنه انطلق هو وناس معه إلى عبد الله بن عكيم - رجل من جهينة - قال الحكم: فدخلوا، وقعدت على الباب، فخرجوا إلى فأخبرونى أن عبد الله بن عكيم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة قبل موته بشهر ".
فهذا إن صح يجب أن يفسر بالرواية الآخرى فيقال: إن من الذين أخبروه بالحديث عن ابن عكيم عبد الرحمن بن أبى ليلى.
ووقع للحافظ هنا وهم عجيب! فإنه أدخل فى هذه الرواية بين الحكم وابن عكيم عبد الرحمن سالكا فى ذلك على الجادة! وبنى على ذلك انقطاع الحديث بين عبد الرحمن وابن عكيم! فقال فى " التلخيص " (ص ١٧): " فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم، لكن إن وجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك " (١) ! وإذا عرفت أن رواية أبى داود المشار إليها لم يقع فى إسنادها ذكر لعبد الرحمن بن أبى ليلى، فالذى يستفاد منها حينئذ إنما هو أن الحكم بن عتيبة هو الذى سمعه من عبد الله بن عكيم، وليس عبد الرحمن بن أبى ليلى، وهذا صحيح، فإن ابن عتيبة إنما سمعه من ابن أبى ليلى كما صرحت بذلك الرواية الأولى، فلا تدل رواية أبى داود إذن على الانقطاع بين ابن أبى ليلى وابن عكيم.
_________________
(١) وتبعه على هذا المعنى الصنعاني في "سبل السلام" ١/٣٦، والشوكاني في "نيل الأوطار" ١/٦٣!!. [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(٢) ﴿كذا فى الأصل، والصواب: طرق﴾
[ ١ / ٧٧ ]
على أننا لو سلمنا بالانقطاع المذكور، فلا يضر فى صحة الحديث لأنه قد جاء من طريقين آخرين موصولين، من رواية ثقتين اثنين عن عبد الله بن عكيم.
الأول: عند النسائى، وأحمد وغيرهما من طريق شريك عن هلال الوزان عن عبد الله بن عكيم قال: كتب رسول الله ﷺ إلى جهينة! الحديث ورجاله ثقات، وفى شريك ضعف من قبل حفظه.
الثانى: أخرجه الطحاوى والبيهقى (١/٢٥) عن صدقة بن خالد عن يزيد بن أبى مريم عن القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم قال: ثنى أشياخ جهينة قالوا: أتانا كتاب من رسول الله ﷺ، أو قرىء علينا كتاب رسول الله ﷺ أن لا تنتفعوا من الميتة بشىء.
قلت: وهذا إسناد صحيح موصول عندى. رجاله كلهم معروفون ثقات من رجال الصحيح وأشياخ جهينة من الصحابة فلا يضر الجهل بأسمائهم كما هو ظاهر، وهذا الإسناد يبين أن قول ابن عكيم فى رواية ابن أبى ليلى عنه " قرىء علينا " " كتب إلينا " " إنما يعنى بذلك قومه من الصحابة فهم الذين جاءهم الكتاب من رسول الله وقرىء عليهم، ومن الجائز أن يكون ابن عكيم كان حاضرا حين قراءته فإنه أدرك زمان النبى ﷺ وإن لم يسمع منه كما قال البخارى وغيره، وهذا الذى استجزناه، جزم به الحافظ فى " التقريب ": فقال فى ترجمته: " وقد سمع كتاب النبى ﷺ إلى جهينة ".
وعلى ذلك فالروايتان صحيحتان لا اختلاف بينهما، فإعلال الحافظ إياه بالإرسال فى " التلخيص " (ص ١٧) مما لا وجه له فى النقد العلمى الصحيح. فإن ابن عكيم وإن لم يسمعه من النبى ﷺ فقد سمع كتابه المرسل إلى قبيلته باعتراف الحافظ نفسه.
وقد أعل الحديث بعلل أخرى مثل الانقطاع بين ابن أبى ليلى وابن عكيم، وقد عرفت أنه مبنى على وهم للحافظ ﵀ كما سبق بيانه فلا يلتفت إليه.
ونحوه العلل الأخرى كالاضطراب فى سنده ومتنه، فإنه لا يخدج فى صحة الحديث لوجهين:
[ ١ / ٧٨ ]
الأول: أنه اضطراب مرجوح لا يخفى على الباحث، لأن شرط الاضطراب تقابل الروايات المضطربة قوة وكثرة وهذا ما لم يثبتوه، بل أثبتنا فيما سلف عدم التقابل بين روايتى " شهر " و" شهر أو شهرين " بأن الأولى منقطعة فكيف تعل بها الأخرى؟
الثانى: لو سلمنا بالاضطراب المزعوم فذلك فى طريق ابن أبى ليلى فقط، وأما طريق القاسم بن مخيمرة فلا اضطراب فيها مع صحة إسنادها، فثبت الحديث ثبوتا لا شك فيه، وقد حسنه الترمذى والحازمى وصححه ابن حبان - لا سيما وقد روى من حديث ابن عمر وجاء بإسنادين ضعيفين -
أخرج الثانى الطحاوى (١/٢٧١) والأول ابن شاهين فى " الناسخ والمنسوخ " كما فى " التلخيص " ولكن لا يصح الاستدلال بالحديث على نجاسة جلد الميتة ولو دبغ، لأنه إنما يدل على عدم الأنتفاع بالإهاب لا بالجلد وبينهما فرق. فقد قال أبو داود عقبه:" فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شنا وقربة.
قال النضر بن شميل: يسمى إهابا ما لم يدبغ ".
وبذلك يوفق بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ " أيما إهاب دبغ فقد طهر ".
أخرجه مسلم وغيره، وهو مخرج فى " تخريج الحلال " (٢٨) فالإهاب لا ينتفع به إلا بعد دبغه ومثله العصب، والله أعلم.
(تنبيه) أخرج الحديث الطبرانى فى " معجمه الأوسط " بلفظ: " كتب رسول الله ﷺ ونحن فى أرض جهينة: إنى كنت رخصت لكم فى جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب ".
فهو بهذا اللفظ ضعيف قال الزيلعى (١/١٢١): " وفى سنده فضالة بن مفضل بن فضالة المصرى، قال أبو حاتم: لم يكن بأهل أن نكتب عنه العلم ".
وعزاه بهذا اللفظ فى حاشية المقنع (١/٢٠) نقلا عن " المبدع " للدارقطنى أيضا، ولم أره فى سننه.