١٦ - سألني سائل، فقال: ذكر بعض الخطباء أنه يجوز صلاة الصُّبح بعد شروق الشَّمس، واستدلَّ بحديثٍ عن أحد الصَّحابة، اسمه على ما أَذكُر "صفوان"، وقد سألتُ عنه بعض أهل العلم، فقال لي: "هو حديثٌ منكَرٌ"، فنرجو أن تذكر لنا نصَّ الحديث، مع ذكر درجته ..
وقد ذكر هذا الخطيبُ أيضًا، أن في هذا الحديث النَّهيَ عن قراءة سورتين بعد الفاتحة، فهل هذا صحيحٌ؟
• قلتُ: الحديثُ صحيحٌ.
أخرجه أبُو داوُد (٢٤٥٩)، وأحمدُ (٣/ ٨٠)، وكذا ابنُهُ عبدُ الله في "زوائده على المسند" في ذات الموضع، وابنُ حِبَّانَ (٩٥٦)، عن أبِي يَعلَى، وهذا في "مُسنَده" (ج ٢/ رقم ١٠٣٧، ١١٧٤)، والطحاويُّ في "مُشكِل الآثار" (٢/ ٤٢٤)، والحكمُ (١/ ٤٣٦)، والبيهقى (٤/ ٣٠٣)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٨/ ل ٣٤٩ - ٣٥٠) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبِي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: جاءت امرأةٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوانَ بنَ المُعَطِّل يضربُني إذا صلَّيتُ، ويُفَطِّرُني إذا صُمتُ، ولا يُصلِّي صلاةَ الفجرِ حتَّى تطلُع الشَمسُ. - قال: - وصفوانُ عنده، فسأله عمّا قالَت،
[ ١ / ٤٠ ]
فقال: يا رسول الله! أمَّا قولها: يضربِنُي إذا صلَّيتُ، فإنهَّا تقرأُ بسورَتَينِ، وقد نهيتُها عنها. فقال النَّبيُّ - ﷺ - لو كانت سُورةً واحدةً لَكَفَتِ النّاس"، قال: وأمَّا قولها: يُفطِّرُني إذا صُمتُ، فإنَّها تنطلِقُ فتصومُ، وأنا رجلٌ شابٌّ، لا أصبرُ. فقال رسولُ الله - ﷺ - يومئذٍ: "لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها"، وأمَّا قولهُا: لا أُصلِّي حتَّى تطلُع الشَّمسُ، فإنَّا أهل بيتٍ لا نكاد نستيقظُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ. فقال - ﷺ -: "فإذا استَيقَظتَ فصلِّ". وهذا السِّياقُ لابن حِبَّانَ.
ورواه أبُو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ، عن الأعمشِ، بسنده سواءٌ، وفي حديثه: "وأمَّا قولهُا: إنِّي أضرِبُها عن الصَّلاة؛ فإنَّها تقرأُ بسورَتِي، فتُعَطِّلُني"، قال: "لو قرأها النّاس ما ضَرَّك"، "وأمَّا قولها: إنِّي لا أُصلِّى حتَّى تطلُع الشَّمسُ، فإنِّي ثقيلُ الرَّأس، وأنا مِن أهل بيتٍ يُعرَفون بذاكَ، بثِقَلِ الرُّؤُوسِ"، قال: "فإذَا قُمتَ فصلِّ".
أخرجه أحمدُ (٣/ ٨٤ - ٨٥) حدَّثنا أَسوَدُ بن عامرٍ، نا أبُو بكرٍ بنُ عيِّاشٍ به.
قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ، على شرطِ الشَّيخين"، وهُو كما قال. وصحَّح إسنادَهُ الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١). وقد صرَّح الأعمشُ بالتَّحديثِ عن أبي صالحٍ، عند ابن سعدٍ في "الطَّبقات"، كما قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٦٢).
أمَّا من أنكره فهُو مسبوقٌ إليه ..
[ ١ / ٤١ ]
فقد قال الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١): "إنَّ البُخاريَّ أوردَ هذا الإشكال قديمًا".
ولمَّا رَوَى البزَّارُ هذا الحديثَ في "مُسنَده"، قال: "هذا الحديثُ كلامُهُ منكَرٌ، ولعلَّ الأعمشَ أخذه من غير ثقةٍ فدلَّسَهُ، فصار ظاهِرُ سنده الصِّحةُ، وليس للحديث عندي أصلٌ".
وخُلاصة الإشكال، أن صفوان بن المعطِّل لمَّا رُمِي بعائشَةَ - ﵂ - في حديث الإفك المشهور، في "الصَّحيحين" وغيرهما، قال: "سُبحان الله! والله! ما كَشَفتُ كَنَفَ أُنثَى قطُّ! "، فيكونُ حديث أبِي سعيدٍ هذا منكرًا؛ إذ فيه أن لصفوانَ زوجةً، فكيف يقولُ: "والله! ما كشفتُ كنف أنثى قطُّ! "؟، فلهذا استَشكَلَه البُخاريُّ، وأنكره البزَّارُ.
ولكن يُجاب عنه بأنَّ الجمعَ أولَى من التَّرجيحِ، فالأصلُ في الدَّليلين الصَّحيحَين الإعمالُ لا الإهمالُ، والجَمعُ هنا مُمكنٌ، بل ظاهرٌ، وهو أنْ يكون حديث أبِي سعيدٍ هذا متأخرًا عن حادثة الإفك، فيُحمَل قولُه: "ما كشفتُ كنفَ أُنثَى قطُّ! " على أنَّه لم يكُن تزوَّج آنذاكَ، ثُمَّ تزوَّج بعد ذلك، فشَكَتهُ امرأتُهُ. وبهذا أجاب الحافظ.
وهناك جوابٌ آخرُ. قال القُرطُبيُّ: قولُه: "ما كشفتُ كنفَ أُنثَى قطُّ"، يعنى: بزنًا، أي في الحرام. ولكن اعتَرَضَه الحافظُ بقولِهِ: "فيه نظرٌ؛ لأنَّ في رواية سعيد بن أبِي هلالٍ، عن هشام بن عُروة، في قِصَّة الإفكِ، أن الرَّجُل الَّذي قيل فيه ما قيل لمَّا بلغهُ الحديثُ قال: "والله! ما أصبتُ امرأةً قطّ، حلالًا ولا حرامًا"، وفي حديث ابن عبَّاسٍ
[ ١ / ٤٢ ]
عند الطَبرانيِّ: "كان لا يَقرَبُ النِّساء". فالَّذِي يظهَرُ، أن مرادَه بالنَّفيِ المذكورِ ما قبل القصَّة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه، إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنَّه كان حَضورًا، لكنَّه لم يثبُت، فلا يُعارِض الحديثَ الصَّحيحَ" انتهى كلامُ الحافظ.
وما ذكره من حديث ابن عبَّاسٍ، فأخرجه الطَّبرانيُّ (٢٣/ ١٢٣)، وفي سنده إسماعيل بن يحيى بن سَلَمة بن كُهَيلٍ، وهو متروك، وكذلك أبوه يحيى بنُ سَلَمة. فالسّندُ ضعيفٌ جدًّا.
وخُلاصة الجواب أن الحديثَ صحيح، وليس معناهُ مُنكَرًا كما شرحنَاه.
أمَّا ما ذكره ذاك الواعظُ من صلاة الفجر بعد طُلوع الشَّمس فجائزٌ، لا سيَّما مَن كان حالُه كحال صفوانَ بن المُعطِّل، وأنَّه كان ثقيلَ الرَّأس، فكانت هذه فيه كالصِّفات الجِبِلِّيَّة في الإنسان. واستَبعدَ الذهبيُّ في "سير النُّبلاء" (٢/ ٥٥٠) هذه الخَصلَة في صفوان، فقال: "فهذا بعيدٌ. مِن حال صَفوان أن يكُون كذلك" كذا قال! ولا بُعد فيه، كما لا يخفَى.
أمَّا من يظلُّ ساهرًا طول اللَّيل في غير منفعة، - ليس - إلَّا لمجرَّد السَّهرِ، حتَّى إذا اقترَبَ الفجرُ نام، فلا يستيقظ إلا وقد تعالَى النَّهارُ، فلا شكَّ أنَّه مُؤاخَذٌ، وإن جازت صلاتُهُ. والله أعلمُ.
أمَّا استدلالُ ذلكَ الخطيبِ على النَّهي عن قراءةِ سُورتين بعدَ الفاتحة، فلستُ أدرِي مِن أين أخذه؟! فليس في الحديث أنَّه - ﷺ - نهاها عن قراءة سُورتين، وإنَّما قال: "لو كانت سُوْرةٌ واحدةٌ لكَفَت النَّاس"، يعني أن
[ ١ / ٤٣ ]
سورةً واحدةً، لو قرأها المُصلِّي مُتدبِّرًا لها، لَكَفَتهُ، لو عمل بها.
ويكفي في ردِّ استدلال هذا الخطيب، ما أخرجه البُخاريُّ (٢/ ٢٥٥ - فتح) من حديث أنسٍ - ﵁ -، أن رجُلًا مِنَ الأنصار كان يَؤُمُّهُم في مسجدِ قُباءَ، وكان كُلَّما افتتح سُورةً يقرأُ بها لهم في الصَّلاة ممَّا يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حتَّى يَفرُغ منها، ثمَّ يقرأُ سورةً أُخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعةٍ، … وذكرَ الحديثَ، وفيه: أنَّهم شكوه إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فسأله عن لُزُومه سورةَ الإخلاص في كلِّ ركعةٍ، فقال الرَّجلُ: "إنِّي أُحبُّها"، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "حُبُّك إيَّاها أدخلَكَ الجنَّةَ". وبوَّب البُخاريُّ على هذا الحديثِ وغيرِهِ، بقوله: "بابُ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعةِ".
وهذا البحثُ كلُّه قائمٌ على أن اللَّفظ "سورتين".
ووقع في روايةٍ لأحمدَ والطَّحاويِّ: "وأمّا قولهُا: "يضربُنِي إذا صلَّيتُ"، فإنَّها تقوم بسورتي التي أقرأُهَا، فتقرأُ بها"، فلفظُ "السُّورة" في هذه الرِّواية جاء مضافًا. ومعناه كما قال الطَّحاويُّ، أنَّه إنَّمَا ضربَهَا لأَنَّها تقومُ بسُورتهِ التي يقرأُ بها، فظنَّ صفوانُ أنَّها إذا قرأت السُّورةَ الَّتِي يقرأُهَا فلا يحصُلُ لهما بقراءتهما إيّاها جميعًا إلَّا ثوابًا واحدًا، فلو أنَّها قرأت سُورةً أُخرَى غيرَ التي قرأها حصَل لهما ثوابان، فأَعلَمَه رسولُ الله - ﷺ - أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما لو قرأَهَا في صلاِتهِ فيحصُلُ لهما ثوابانِ؛ لأنَّ قراءةَ أحدِهما غيرُ قراءة الآخَر. وممَّا يدل على ذلكَ قولُهُ في روايةِ أبِي بكرٍ ابن عيَّاشٍ، عن الأعمش، عند أحمد، قولُهُ: "فإنَّها تقرأ بسورتي
[ ١ / ٤٤ ]
فتُعَطِّلُني"، أي: تُنازِعُنِي في الثَّواب بقراءَتِها نفسَ السُّورةِ فتترُكُنِي عُطْلًا من الثَّوابِ.
واللهُ أعلَمُ.
[ ١ / ٤٥ ]