• قُلتُ: أمَّا ماشطةُ فِرعَوْنَ، فلا أعلم فيها شيئًا صحيحًا يدخلُ في المرفوع.
فقد أخرج أحمدُ في "مُسنَده" (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأبو يعلَى (ج ٤/ رقم ٢٥١٧)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢٢٧٩، ١٢٢٨٠)، وفي "الأوسط" - كما في "المَجمَع" (١/ ٦٥) -، والبزَّارُ (ج ١/ رقم ٥٤)، والحاكم (٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، والبَيْهقيُّ في "الدَّلائل" (٢/ ٣٦٣) من طرقٍ عن حمَّاد بن سلَمة، عن عطاءِ بن السَّائب، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لمَّا كانت اللَّيلةُ الَّتي أُسِري بي فيها، أَتَتْ عليَّ رائحةٌ طيِّبةٌ، فقُلت: يا جِبريلُ! ما هذه الرَّائحةُ؟ فقالَ: هذه رائِحةُ ماشطةِ ابنةِ فِرعَوْن وأولادِها. - قال: - قُلتُ: وما شأنُها؟ قال: بينما هي تُمشِّطُ ابنة فِرعَوْنَ ذات يومٍ، إِذ سقطت المِدْرَى من يديها، فقالت: بسم الله!. فقالت لها ابنةُ فِرعَوْن: أبِي؟ قالت: لا، ولكن ربِّي وربُّ أبيك اللهُ. قالت: أُخبرُهُ بذلك؟ قالت: نعم. فأخبَرَته، فدعاهَا، فقال: يا فُلانةُ! وإنَّ لكِ ربًّا غيري؟! قالت: نعم! ربِّي وربُّك اللهُ. فأَمَرَ ببقرةٍ من نُحاسٍ فأُحمِيَت،
[ ١ / ٧٧ ]
ثم أَمَرَ بها أن تُلقَى هي وأولادُها، قالت: إنَّ لي إليك حاجةٌ. قال: وما حاجَتُك؟ قالت: أُحبُّ أن تجمع عظامِي وعِظامَ وَلَدِي في ثَوبٍ واحدٍ، وتَدفِنَنَا. قال: ذلك لك عَلَينا مِنَ الحقِّ. - قال: - فأمر بأولادها، فأُلقُوا بين يَدَيها واحدًا واحدًا، إلى أنْ انتَهَى ذلك إلى صبيٍّ لها مُرضَعٍ، وكأنَّها تَقَاعَسَت من أجلِهِ، قال: يا أُمَّهُ! اقتحمي! فإنَّ عذابَ الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرةِ. فاقتحمت". - قال: - قال ابنُ عبَّاسٍ: "تكلَّم أربعةٌ صغارٌ: عيسى ابنُ مريم ﵍، وصاحبُ جُرَيْجٍ، وشاهدُ يُوسُف، وابنُ ماشطةِ امرأةِ فِرعَوْن".
قال الحاكم: "صحيحُ الإسنادِ"، ووافقه الذَّهبيُّ!
وعَزَاه السِّيُوطيُّ في "الدُّرِّ المنثُورِ" (٤/ ١٥٠) للنَّسائيِّ، وابنِ مَردَوَيهِ، وقال: "بسندٍ صحيحٍ" كذا قال!
وقال ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٣/ ١٥): "إسنادٌ لا بأس به"!
• قلتُ: وفي كلِّ ذلك نظرٌ؛ لأنَّ عطاء بن السَّائب كانَ اختَلَطَ، وحمَّاد بن سَلَمة كان ممَّن سمِع منه قبل الاختلاط وبعده، فَلَم يتميَّز حديثُهُ، فوَجَبَ التَّوقُّف فيه.
وقد رَوَى العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٩٩) بسندٍ صحيحٍ عن وُهيبٍ، قال: "قَدِم علينا عطاءُ بن السَّائب، فقُلتُ: كم حَمَلت عن عُبيدة؟ قال: أربعين حديثًا. قال عليٌّ: وليس يَروِى عن عُبيدةَ حرفًا واحدًا. فقُلتُ: فَعَلام يُحملُ هذا؟! قال: علَى الاختلاط، إِنَّهُ اختَلَط. قال عليُّ بن المدينيِّ: قُلت ليحيَى - يعني القطَّان -، وكان أبُو عَوَانة حَمَل
[ ١ / ٧٨ ]
عن عطاء بن السَّائب قبل أن يختلطَ، فقالَ: كان لا يَفصِل هذا من هذا، وكذلك حمَّاد بن سَلَمة" ا. هـ.
• قُلتُ: ونَقَل الحافظُ ابن حَجَرٍ في "التَّهذيب" (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧) هذه الفَقرة عن العُقيليِّ، ثُمَّ قال: "فاستَفَدنا من هذ القصَّةِ أن رِوَاية وُهيبٍ، وحمَّادٍ، وأبي عَوَانة عنه في جُملةِ ما يَدخُلُ في الاختلاط" ا. هـ. فهذا هُو التَّحقيقُ في المسألة، فلا يَنبغِي ردُّه إلَّا ببُرهانٍ.
وله شاهدٌ من حديثِ أُبَيِّ بن كعبٍ مرفوعًا بنحوِهِ، وفي سياقِهِ زيادةٌ.
أخرجَهُ ابنُ ماجَهْ (٤٠٣٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٥/ ل ٦٤١ - ٦٤٢) من طريقَيْن عن الوليد بن مُسلِمٍ، ثنا سعيدُ بنُ بُشيرٍ، عن قتادة، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن رسول الله - ﷺ - أنَّه ليلَةَ أُسرِي به، وجَدَ ريحًا طيِّبة، فقال: "يا جبريلُ! ما هذه الرِّيحُ الطَّيِّبةُ؟ "، قال: "هذه ريحُ قبر الماشِطةِ وابنَيها وزَوجِها. - قال: - وأنَّ الخَضِرَ كان مِن أشرافِ بني إسرائِيلَ، وكان ممرُّهُ براهِبٍ في صَومَعَتِهِ، فيطَّلِعُ عليه الرَّاهبُ، فيُعلِّمُهُ الإسلامَ، فلمَّا بلغَ الخضرُ زوَّجَهُ أبُوه امرأةً، فعلَّمَها الخضِرُ، وأخذَ عليها أن لا تُعلِمَهُ أحدًا، وكان لا يَقرَبُ النِّساءَ، فطلَّقَها، ثُمَّ زوَّجه أبوه أُخرَى، فعلَّمَها، وأخذَ عليها أن لا تُعلِمَهُ أحدًا، فكَتَمَت إحداهُما وأفشَت عليه الأُخرَى، فانطَلَق هاربًا حتَّى أتى جزيرةً في البَحر، فأقبَلَ رجُلان يَحتَطِبانِ، فرأياهُ، فكَتَمَ أحدُهُما وأفشَى الآخَرُ، وقال: قد رأيتُ الخَضِرَ. فقيل: ومَن رآهُ معكَ؟ قال: فلان. فسُئِل، فكَتَمَ، وكان في دينِهِم أن مَن كَذَبَ قُتِلَ. - قال: - فتزوَّجَ
[ ١ / ٧٩ ]
المَرأةَ الكاتمةَ، فبينما هي تمَشُطُ ابنةَ فرعونَ، إذ سقط المُشطُ. فقالت: تَعِس فرعونُ! فأخبرَت أباها، وكان للمرأةِ ابنان وزوجٌ، فأرسلَ إليهِم، فراوَدَ المرَأةَ وزَوجَها أن يرجِعا عن دينهما، فأبَيَا. فقال: إنِّي قاتِلُكُما. فقالا: إحسانًا منك إلينا، إن قَتَلتنا أن تَجعَلَنا في بيتٍ، ففعل". فلمَّا أُسري بالنَّبيِّ - ﷺ - وَجَدَ ريحًا طيِّبةً، فسأل جبريلَ، فأخبَرَهُ.
• قُلتُ: وهذا سياقٌ مُنكَرٌ؛ والوليدُ بن مُسلِمٍ كان يُدلِّس تَدليسَ التَّسويَةِ، ولم يُصرِّح في جميع الإسنادِ. وسعيدُ بن بُشيرٍ ضعيفٌ، خصوصًا في قَتادة، وهذه الرِّوايةُ من هذا القَبِيلِ.
وخُلاصةُ القولِ أن الحديثَ لا يَصحُّ مرفوعًا إلى النَّبي - ﷺ -.
واللهُ أعلمُ.
[ ١ / ٨٠ ]