• قلتُ: أمَّا لفظةُ "وأبيه" فليست شاذَّةً.
وبيانُ ذلك:
أنَّ حديثَ طلحةَ بنِ عُبيد الله هذا، رواه أبُو سُهيلٍ نافعُ بنُ مالكٍ، عن أبيه، عن طلحةَ بنِ عُبيد الله، ورواه عن أبي سُهيلٍ اثنان:
الأوَّلُ: هو الإمام مالكٌ. واتَّفق كلُّ أصحاب مالكٍ في روايةِ هذا الحديث عنه بلفظ: "أفلح، إن صدق"، فلم يَذكُر "وأبيه".
الثَّاني: هو إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، وهو ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، وهو الذي وقعت في روايته لفظة "وأبيه". وقد رواها عنه، بإثباتها:
يحيى بنُ أيُّوب، وقُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عند مُسلمٍ في "صحيحه" ..
ويحيى بنُ حسَّانَ، عند الدَّارميِّ في "سُنَنه" (١/ ٣٠٩) ..
وعليُّ بنُ حُجْر، عند ابن خُزَيمة (١/ ١٥٨) ..
وسُليمانُ بنُ داوُدَ العَتَكيُّ، عند أبي داود في "سُنَنه" (٣٩٢، ٣٢٥٢) ..
وداوُدُ بنُ رُشيدٍ، عند الهيثم بن كُلَيْبٍ في "مُسنَده" (ق / ٣٨/ ١)، والبَيهقيِّ (٢/ ٤٦٦، و٤/ ٢٠١) ..
[ ١ / ٩٥ ]
وعاصمُ بن عليٍّ، عِند ابن بِشرَانَ في "الأمَالِي" (ق ١١٩/ ١ - ٢)، والبَيهقِيِّ، وأبي نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (رقم ٣٩٠).
وفي رواية دَاوُدَ بنِ رُشيدٍ، عند البَيهَقِيِّ، قال: "أَفلَحَ وأبيه! إن صَدَقَ. دَخَل الجَنَّة، والله! إن صَدَق"، ولم يَذكُر الهَيثَمُ لفظَهُ، بل أحال على حديث مالكٍ.
وروايةُ عاصم بن عليٍّ عِند ابنِ بِشرَانَ، وفي الموضِعِ الثَّاني عند البَيهَقِيِّ مِثلُ روايةِ دَاوُد بن رُشيدٍ.
ورواها عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، بدونها: عليُّ بن حُجْرٍ، عند النَّسائيِّ (٤/ ١٢٠ - ١٢١). وقُتيبةُ بنُ سَعِيدٍ، عند البُخاريِّ (٤/ ١٠٢ - ١٢/ ٣٣٠ فتح). وقد سَبَق أنْ ذَكرنا أنَّ قُتيبة وعليَّ بن حُجرٍ قد رَوَياها، فيُشبِهُ أن تَكُون الرِّوايةُ بدون هذا الحرف مُختصرَةً، فتُرَدُّ هذه الرِّواية إلى الرِّواية التي فيها الزِّيادَةُ.
وإسماعيلُ بنُ جَعفرٍ من أَوْثق النَّاس وأثبتِهِم، فلا يتهيَّأ الحُكم علَى روايتِه بالشُّذُوذ، لا سِيَّما وهذَا الحرفُ ليس فِيه مُخالَفةٌ من جهةِ أنَّه حَلِفٌ بغير الله؛ لأنَّ العُلماء حَمَلوا ذلك علَى أنَّها كلمةٌ جَرَت بها العادَةُ، ولم يَقصِد بها النَّبيُّ -ﷺ- الحَلِفَ، وحاشَاهُ.
ومِثلُه ما: أخرجه البُخاريُّ (٧/ ٩٥)، وأحمدُ (١/ ٨) وغيرُهما عن عُقبة بنِ الحارِثِ، قال: إنِّي لَمَعَ أبي بكرٍ، حين مرَّ هو وعليُّ بن أبي طالبٍ علَى الحَسَنِ وَهُو يَلعَبُ مع الصِّبيانِ، فحمله أبُو بكرٍ على عاتقِهِ، وهو يقولُ: "بأبِي! شَبِيهٌ بالنَّبيِّ، ليس شبيهًا بعليٍّ! ".
[ ١ / ٩٦ ]
فالباء في قوله "بأبي" هي باءُ القَسَم (^١)، فهل كان أبُو بكرٍ -﵁- يَحلِف بأبيه حين حَمَل الحسنَ؟
وأخرج أحمدُ (٦/ ٢٨٣)، وابنُ عساكرَ في "تاريخه" (٣٩ - ترجمة الحسن) عن ابن أبي مُلَيكة، قال: كانت فَاطِمة تُنَقِّزُ [أي: تُرَقِّص] الحَسنَ بنَ عليٍّ، وتقولُ: "بأبي! شبيهٌ بالنَّبيِّ، ليس شبيهًا بعليٍّ".
ولكن في سندِهِ زَمعةُ بنُ صالحٍ، وعندي أنَّه وَهِمَ في روايته هكذا، والصَّوابُ ما رَوَاه الثِّقاتُ عن ابنِ أبي مُلَيكة، عن عُقبَة بن الحارث، بالسَّندِ السَّابق، الذي أخرجه البُخاريُّ وغيره.
وخُلاصَةُ البحثِ ..
أنَّ الشُّذوذ مُنتَفٍ، ولا أعلَمُ أنَّ أحدًا من السَّالِفين ادَّعى هذه الدَّعوَى. واللهُ أعلَمُ.
• قلتُ: وبَعدَ كِتابةِ ما تَقَدَّم بسنَوَاتٍ طويلةٍ، تُقارِبُ سبعَ عَشرَةَ سنةً، وَقفتُ على كلامٍ لابنِ عبدِ البَرِّ، يُنكِرُ هذه اللَّفظَةَ، فقال في "التَّمهيد" (١٢/ ٦٥٣ - شُرُوح المُوطَّإِ): "والحَلِفُ بالمخلُوقاتِ كُلِّهَا في حُكمِ الحَلِف بالآباءِ، لا يَجُوزُ شيءٌ مِن ذلكَ. فإن احتَجَّ مُحتَجٌّ بحديثٍ يُروَى عن إسماعيلَ بنِ جَعفَرٍ، عن أبي سُهيلٍ نافعِ بنِ مالك بن أبي عامِرٍ، عن أبيه، عن طَلحَة بنِ عُبيد الله، في قِصَّة الأَعرَابِيِّ النَّجْدِيِّ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "أَفلَحَ وأبيه! إِن صَدَقَ". قيل له: هذه لفظةٌ غيرُ مَحفُوظَةٍ في هذا الحديثِ، مِن حديث من يُحتَجُّ به. وقد رَوَى هذا الحديثَ مالكٌ وغيرُهُ،
_________________
(١) ثمَّ وقع في نفسي أنَّها باء التَّفدِيَةِ، ومعناه: أفديه بأبي. والله أعلم.
[ ١ / ٩٧ ]
عن أبي سُهيلٍ، لم يَقُولُوا ذلك فيه. وقد رُوِي عن إسماعيلَ بنِ جَعفرٍ هذا الحديثَ، وفيه: "أَفلَحَ والله! إِن صَدَقَ"، أو: "دَخَلَ الجَنَّة، والله! إن صَدَقَ"، وهذا أَولَى مِن رِوايةِ مَن رَوَى "وأبيه"؛ لأنَّهَا لفظةٌ مُنكَرَةٌ، تَرُدُّهَا الآثارُ الصِّحاحُ. وبالله التَّوفِيقُ" انتهَى.
وقال في موضعٍ آخرَ (٦/ ٢٤٤): "هذا حديثٌ صَحِيحٌ، لم يُختَلَف في إِسنادِهِ، ولا في مَتنِهِ. إلَّا أنَّ إسماعيلَ بنَ جَعفرٍ رواه عن أبي سُهيلٍ نافعِ بنِ مالكِ بنِ أبي عَامِرٍ، عن أبيه، عن طَلحَة بنِ عُبيد الله، أنَّ أعرابِيًّا جاء إلى رسُول الله -ﷺ- فذَكَرَ معناه سَوَاءً، وقال في آخرِهِ: "أفلح وأبيه! إِن صَدَقَ"، أو: "دَخَلَ الجَنَّة، وأبيه! إن صَدَقَ"، وهذِهِ لَفظَةٌ، إن صَحَّت، فهي مَنسُوخَةٌ؛ لِنَهيِ رسُولِ الله -ﷺ- عن الحَلِفْ بالآباءِ، وبِغَيرِ الله" انتهَى.
• قلتُ: دَعوَى النَّسخ هذه ذَكَرَهَا بعضُ العُلماء، وذلك أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان يُؤمَرُ بالشَّيءِ المأذُونِ فيه من قِبَلِ الله تعالى، ثُمَّ يُؤمَرُ بخلافِهِ. وقد يَكُونُ الحُكمُ مسكُوتًا عنه، ثُمَّ يَرِدُ تحرِيمٌ أو إباحَةٌ. فلَعَلَّ الحَلِفَ بالآباءِ -وكان مُنتَشِرًا في الجاهليَّةِ بحُكمِ نَعرَةِ العَصَبِيَّةِ-كان مسكُوتًا عنه، حتَّى صَارَت كَلِمَةً دارِجَةً على اللِّسانِ، ثُمَّ جاء التَّحرِيمُ بعدُ؛ لأنَّ الحَلِفَ معناه تَعظِيمُ المحلُوفِ بِهِ، وهذا لا يَكُونُ إلَّا لله تعالَى. وهذا مِثلُ تَحرِيمِ الخَمرِ، وأمرُهُ معرُوفٌ. وكان مِن شَأنِ النَّبيِّ -ﷺ- أن تَنزِلَ عليه الأحكامُ تِبَاعًا، كما في حديث عِياضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ -﵁-، والذي أخرجه مُسلِمٌ (٢٨٦٥/ ٦٣)، قال: إنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال ذاتَ يومٍ في خُطبَتِه:
[ ١ / ٩٨ ]
"أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أن أُعَلِّمَكم ما جَهِلتُم، ممَّا عَلَّمَنِي يومي هذا: كُلُّ مالٍ نَحَلتُهُ عبدًا حَلَالٌ. وإِنِّي خَلَقتُ عبادي حُنَفَاءَ كُلَّهم. وإنَّهم أَتَتهُم الشَّيَاطِينُ، فَاجتَالَتهُم عن دِينِهم، وحرَّمَت عَلَيهِم ما أَحلَلتُ لهم، وَأَمَرَتهم أن يُشرِكُوا بي ما لم أُنزِل به سُلطانًا … الحديث".
فهو يَقُولُ هنا: "ممَّا عَلَّمَنِي في يومي هذا"، أي: ممَّا لَا تَعلَمُونَهُ، كُلَّه، أو بَعضَهُ، أو حقِيقَتَهُ.
ومِن هذا البَابِ ما: رَوَاهُ طُفَيلُ بنُ سَخبَرَةَ، أخُو عائشة لِأُمِّهَا، أنَّه رَأَى فيما يَرَى النَّائِمُ كأنَّهُ مَرَّ على رَهطٍ من اليَهُودِ، فقال: "مَن أَنتُم؟ "، قالوا: "نَحنُ اليَهُودُ"، قال: "إِنَّكُم أنتم القومُ، لَولَا أنَّكُم تَزعُمُون أنَّ عُزيرًا ابنُ الله"، فقالت اليهودُ: "وأَنتُم القومُ، لولا أنَّكُم تقُولُون: ما شاء الله وشاء مُحمَّدٌ". ثُمَّ مَرَّ برَهطٍ من النَّصارَى، فقال: "من أنتُم؟ "، قالوا: "نحن النَّصَارَى"، فقال: "إنكُم أَنتُم القومُ، لولا أنَّكم تقُولُون: المسيحُ ابنُ الله"، قالوا: "وأنتُمُ القَومُ، لولا أنَّكُم تقُولُون: ما شاء اللهُ وما شاء مُحمَّدٌ". فلمَّا أصبَحَ، أخبَرَ بها مَن أخبَرَ، ثُمَّ أتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فأخبَرَه، فقال: "هل أَخبَرتَ بها أَحَدًا؟ "، قال: "نعم". فلمَّا صَلَّوا، خَطَبَهُم، فحَمِد الله، وأَثنَى عليه، ثُمَّ قال: "إنَّ طُفَيلًا رأَى رُؤيَا، فأخبَرَ بها مَن أَخبَرَ مِنكُم، وإنَّكُم كُنتُم تقولُونَ كلمةً كان يَمنَعُنِي الحياءُ مِنكُم أن أَنهَاكُم عنها.-قال:- لا تَقُولُوا: ما شاء اللّهُ وما شاء مُحمَّدٌ".
وهذا حديثٌ وقَعَ في إسناده اختلافٌ، بيَّنتُهُ في "تَسلِيَةِ الكَظِيمِ بتَخرِيج أحاديثِ تفسير القُرآنِ العَظِيمِ".
[ ١ / ٩٩ ]
وقد سلَكَ العُلماءُ مَسلَكًا آخرَ في الجَمعِ بَينَ هذا الحَدِيثِ والأحاديثِ المانِعَةِ من الحَلِفِ بغير الله. فقالُوا: لَيسَ المقصُودُ بهذه اللَّفظةِ حَقِيقةُ الحَلِف، وَإِن خَرَجت بصُورَتِه، بل كانَت كَلمةً دارِجَةً على اللِّسان، مثلُ كَلمةِ: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ"، والتي كان النَّبيُّ -ﷺ- يقُولُها لبعض الصَّحَابة، ولا يَقصِدُ بها حَقِيقَةَ الدُّعاء بالثُّكْلِ، ولم يَكُن معهُودًا مِن النَّبيِّ -ﷺ-، وهُو أَحسَنُ النَّاس خُلُقًا على الإطلاق، أَن يُوَاجِهَ أحدًا بِما يَكرَهُ، قولًا أو فِعلًا، إلَّا لمُقتَضًى شَرعِيٍّ، فكيف يسألُهُ مُعاذُ بن جَبَلٍ سُؤالًا استفهامِيًّا، لِيَعلَم الحُكمَ الشَّرعِيَّ، فيقُولُ له: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ! "؟
وهذا الجوابُ عن لَفظَةِ "وأبيه" في الحديث هي عِندِي أَجوَدُ مِن دعوَى النَّسخ؛ لأنَّ هذه الدَّعوَى لا تَثبُتُ إلَّا بِبَيَانِ التَّاريخ، وهو مَعدُومٌ هُنا.
فالصَّحِيحُ: إِن كَانَ هُناكَ سبِيلٌ للجَمعِ بينَ الآثارِ التي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ دُون رُكُوبِ مَركَبِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وَجَب أن نَفعلَ ذلك؛ صيانةً للنُّصُوص الصَّحيحَةِ من الإِهمَالِ. وقد كان ابنُ عبد البَرِّ مِن أَبرَز العُلماء في هذا الباب، وكم مِن حَدِيثٍ ردَّ فيه دَعَوى الشُّذوذ، أو النَّكَارَة، بوجهٍ مِن وُجُوه الجَمع المعرُوفَةِ.
ومثال ذلك …
ما رواه حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، عن ثابتٍ، عن أَنَسٍ، قال: دَعَاء النَّبيُّ -ﷺ- بماءٍ، فأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فجَعَلَ القومُ يَتوضَّئُون، فحَزَرْتُ ما بين السِّتِّين إلى الثَّمانِين، -قال:- فجَعَلتُ أَنظُرُ إلى الماء، يَنبُعُ مِن بين أَصابِعِه.
[ ١ / ١٠٠ ]
أخرَجَهُ البُخارِيُّ (١/ ٣٠٤ - فتح)، ومُسلِمٌ (١٥/ ٣٨ - نَوَوِيٌّ)، وأحمدُ (٣/ ١٤٧)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (١/ ١٧٨)، وابن خُزَيمَة (ج ١/ رقم ١٢٤)، والفِريَابِيُّ في "الدَّلائل" (ق ٦/ ٢)، وأبو يَعلَى (ج ٦/ رقم ٣٣٢٩)، وابنُ حِبَّان (ج ٨/ رقم ٦٥١٢)، والدِّينَوْرِيُّ في "المُجالَسَة" (٣٠٨٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٣٠)، وفي "الدَّلَائل" (٤/ ١٢٢، ١٢٣)، وفي "الاعتقاد" (٢٧٣، ٢٧٤)، والبَغَوِيُّ (٢/ ٢٥) من طُرُقٍ عن حمَّاد بنِ زيدٍ، عن ثابتٍ بهذا.
وقد رواه عن حَمَّادٍ جماعةٌ مِن أصحابه، مِنهُم: مُسَدَّدُ بنُ مُسَرهَدٍ، وأبو الرَّبيعْ الزَّهرَانِيُّ سُليمانُ بنُ داوُدَ، وسُليمانُ بنُ حَربٍ، ويُونُس بنُ مُحمَّدٍ المُؤدِّبُ، وعَفَّان بنُ مُسلِمٍ، ومُحمَّد بنُ عُبيد بن حِسَابٍ، كُلُّهم قالُوا في رِوايَتِهم: "بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ".
وتَابَعَهُم أحمدُ بنُ عَبدَةَ، عند ابن خُزَيمَةَ …
لكنَّه خالَفَهم في هذا الحرف، فقال: "بَقَدَحِ زُجَاجٍ".
وبَوَّبَ عليه ابنُ خُزَيمَةَ بقوله: "بابُ إباحة الوُضُوءِ مِن أواني الزُّجَاجِ، ضِدَّ قَولِ بعضِ المُتَصَوِّفَةِ، الذي يَتَوَهَّمُ أنَّ اتِّخاذَ أواني الزُّجاجِ مِنَ الإِسرَافِ؛ إذ الخَزَفُ أَصلَبُ، وأَبقَى من الزُّجَاج". ثُمَّ ذَكَر ابنُ خُزيمَةَ أنَّ غيرَ واحدٍ رَوَاهُ عن حمَّاد بن زَيدٍ بلفظِ: "رَحْرَاحٍ"، ثُمَّ قال: "والرَّحْرَاحُ إنَّما يكونُ الوَاسِعَ من أَوانِي الزُّجاج، لا العَمِيقَ مِنهُ". فوَفَّقَ بين الرِّوَايَتَين.
لكن قال الحافظُ في "الفَتح" (١/ ٣٠٤): "وصَرَّح جَمعٌ من الحُذَّاق
[ ١ / ١٠١ ]
بأنَّ أحمدَ بنَ عَبدَةَ صَحَّفَهَا. ويُقَوِّي ذلك أَنَّهُ أَتَى في روايتِه بقَولِهِ: "أَحسِبُهُ"، فدَلَّ على أنَّهُ لم يُتقِنهُ. فإِن كان ضَبَطَهَا فلا مُنافَاةَ بين رِوَايتِه ورِواية الجَمَاعة؛ لاحتمال أَن يَكُونُوا وَصَفُوا هيَئَتَهُ، وذَكَرَ هو جِنسَه" ا. هـ. وهذا ما صَنَعَهُ ابنُ خُزَيمَةَ ﵀.
• قلتُ: فحاصِلُ البَحثِ، أنَّهُ يُمكِنُ حملُ رواية إِسماعِيلَ بنِ جَعفرٍ على وجهٍ مَقبُولٍ، وهذا أَولَى مِن تَغلِيطِهِ. والله أعلَمُ.
ورُبَّما قال بعضُ النَّاس: إِنَّ البُخارِيَّ حَذَفَ هذه اللَّفظَةَ عَمدًا من رِواية قُتَيبَةَ، كما هي عادَتُهُ في مِثلِ ذلك؟
والجَوَابُ: أنَّنِي لَم أَرَ أحدًا تَعَرَّض لذلك. فلا يُقبَلُ هذا القولُ حَتَّى يَقُومَ دليلٌ على أنَّ هذا الحرفَ حَذَفَهُ البُخارِيُّ عَمدًا. وسأُبَيِّنُ هذا في كتابي "كُسوَةُ العَارِي بِبَيَانِ عِلَّةِ الحَذفِ عِند البُخارِيِّ"، إن شاء الله تعالَى. وكُنتُ جَمَعتُ مادَّتَهُ مُنذُ زَمَنٍ بعيدٍ، وبدأتُ الآن في تَرتِيبِهَا، وبيانِ عِلَّةِ الحَذفِ. وأسألُ اللهَ الإِعانَةَ على إِتمامِهِ، إنَّه وليُّ ذلك ومولاه.
[ ١ / ١٠٢ ]