• قلتُ: أمَّا أحاديثُ قضاءِ الوِتر بعد الصُّبح، والنَّهيِ عن ذلك، فيَحتاجُ الأَمرُ إلى الفَصلِ في صِحَّة الحديث قبل تأويله، كما عليه جَمَاعةُ العُلماء.
أمَّا حديثُ: "من نام عن وِتره، فليقضه إذأ أصبح"، فإِنَّه حديثٌ صحيحٌ.
أخرجه التِّرمذيُّ (٤٦٥)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٤)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، وابنُ شاهين في "النَّاسخ والمنسوخ" (ق ٦٥/ ٢) من طريقِ عبدِ الرَّحمنِ بن زيدِ بن أَسلَم، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به.
وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعبد الرَّحمن بنُ زيدٍ واهٍ، وقد خالفه أخُوهُ عبدُ الله، وهو أَوْثَق منه، فرواه عن أبيه، عن النَّبيِّ -ﷺ- مُرسَلًا.
أخرجَهُ التِّرمذيُّ (٤٦٦)، ورجَّحه علَى رواية عبد الرَّحمن.
لكن لم يتفرَّد به عبدُ الرَّحمن.
فتابعه مُحمَّد بن مُطرِّفٍ، فرواه عن زيد بن أَسلَم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ فذَكَره مرفُوعًا.
[ ١ / ١٠٤ ]
أخرجه أبُو داود (١٤٣١)، والدَّارقُطنيُّ (٢/ ٢٢)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٨٠).
قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين"، ووافقه الذَّهَبيُّ، وفيه نَظَرٌ؛ فقد رواه عِند الحاكم عُثمانُ بن سعيد بن كثيرٍ، عن مُحمَّد بن مُطرِّفٍ.
وعُثمان بن سعيد لم يُخَرِّج له الشَّيخان شيئًا. فالإسناد صحيحٌ.
أمَّا الحديث الآخر: "مَن أدرك الصُّبح ولم يُوتِر، فلا وِترَ له".
فأخرجه ابنُ خُزَيمة (١٠٩٢)، وابنُ حِبَّانَ (٦٧٤)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨) من طريق قتادة، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به.
قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ"، ووافقه الذَّهبيُّ.
ولكن أعلَّهُ البيهقيُّ بقوله: "ورِوَاية يحيى بن أبي كثيرٍ كأنَّها أشبَهُ؛ فقد رُوِّيْنا عن أبي سعيدٍ في قضاءِ الوِتر".
• قُلتُ: يُشيرُ البَيْهقيُّ، إلى ما أخرجه مُسلِمٌ (٧٥٤)، وأبُو عَوانة (٢/ ٣٠٩)، والنَّسائيُّ (٣/ ٢٣١)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٩)، والدَّارميُّ (١/ ٣٧٢)، وأحمدُ (٣/ ١٣، ٣٥، ٣٧، ٧١)، وابنُ أبي شَيبةَ (٢/ ٢٨٨)، والطَّيالسِيُّ (٢١٦٣)، وابن خُزيمة (١٠٨٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (٤٥٨٩)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، والحاكمُ (١/ ٣٠١)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٦١) من طُرُقٍ عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا: "أَوتِرُوا قَبل أَن تُصبِحُوا".
[ ١ / ١٠٥ ]
ولكن، لا مُنافَاة عِندِي بينَ الرِّوايَتَين؛ وهما حديثان مُستَقِلَّان، لا حديثٌ واحدٌ حتَّى يُعِلَّ أحدُهما الآخرَ -وتفصيلُ هذَا في موضعٍ آخر، وفي الباب أحاديثُ أُخرَى كثيرةٌ-، ولا تَعارُض بين الحديثَين؛ لأنَّ الحديثَ الآذِنَ بقضاءِ الوِترِ خاصٌّ بِمَن نَسِيَه، أو نام عنه وكان ينوى أن يُصلِّيَه ففاتَهُ قَصدُه بالعُذر. والحديثُ الآخَرُ المانِعُ من قضاءِ الوِتر خاصٌّ بمَن تَرَكه همَلًا وكسلًا، فهذَا يُعاقَب بأن يُحرَم مِن قضائه، وإِحرازِ فضيلتِهِ وأجرِهِ.
واللهُ ﷾ أعلَمُ.
[ ١ / ١٠٦ ]