• قلتُ: هذا حديثٌ حسنٌ.
أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ في "الثقاتِ" (٨/ ٤٠٠)، والدُّولابيُّ في "الكُنَى" (٢/ ١٦٥)، والكِلَابَاذِيُّ في "مفتاحِ المعانِي" (ق ٢٢٣/ ١ - ٢)، والخطيبُ في "التَّلخيصِ" (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣) من طريقِ سُليمانَ بن عبدِ الحميدِ بن عبدِ العزيزِ، عن أبِيهِ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن واثِلةَ بن الأسقعِ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: "اليمينُ الغَموسُ الكاذبةُ، تَذرُ الدِّيارَ بلاقعَ"، وهذَا لفظُ الخطيبِ.
وسندُهُ ضعيفٌ؛ وسليمانُ بنُ عبدِ الحميدِ، ذكرَهُ في "التَّهذيبِ" تمييزًا، ولَم يذكُرهُ بأكثرَ مِن روايةِ الحسنِ بن سُليمانَ الفزاريِّ عنهُ.
وأبُوهُ، ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ في "الثِّقاتِ" بروايةِ ابنِهِ فقط، فهُمَا مجهُولانِ.
ولكِن للحديثِ شاهدٌ عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، مرفوعًا بلفظِ: "اليمينُ الفاجرةُ تُذهِبُ المالَ - أو: تَذهَبُ بالمالِ - ".
أخرجَهُ البزَّارُ (ج ٢/ رقم ١٣٤٥)، من طريقِ ابن عُلاثَةَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن يحيَى بن أبِي كثير، عن أبِي سلمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ.
قال البزَّارُ: "لا نعلَمُهُ عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ إلا من هذَا الوجهِ، ولا أسندَ هشامٌ عن يحيَى غيرَ هذا، ولا رواهُ عن هشامٍ إلَّا ابنُ عُلاثةَ، وهو ليِّنُ الحديث".
[ ١ / ٧ ]
وقال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيبِ" (٣/ ٤٧): "إسنادُهُ صحيحٌ، لو صحَّ سماعُ أبِي سَلَمةَ من أبِيهِ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ".
وجزَمَ الهيثميُّ في "المَجمعِ" (٤/ ١٧٩) بأنَّهُ لَم يَسمَع مِن أبِيهِ، ولكنَّهُ وَهِمَ، فقالَ: "رجالُهُ رجالُ الصَّحيحِ"!
ومحمَّدُ بنُ عبدِ الله بن عُلاثَةَ لَم يُخرِّج لهُ أحدُ الشَّيخينِ شيئًا، وهو صدوقٌ، في حفظِهِ مقالٌ يسيرٌ، أفرَطَ الأزديُّ وابنُ حبَّانَ فِيهِ، وإنَّما وقَعَت المناكيرُ في روايتهِ مِن قِبَلِ عموِو بن الحُصينِ، كما قال الخطيبُ.
وعمرُو بنُ الحُصينِ تالفٌ البتّة.
وخُولفَ هشامُ بنُ حسَّانَ فِيهِ.
خالَفَهُ أبو حنيفةَ، فروَاهُ عن يحيَى بن أبِي كثيرٍ، عن مُجاهدٍ، وعِكرمةَ، عن أبِي هُريرةَ مرفُوعًا: "ليس شيءٌ أُطِيعَ اللهُ فيه أعجلَ ثوابًا من صلة الرَّحِمِ، وليس شيءٌ أعجَلَ عقابًا من البَغيِ وقطيعةِ الرَّحِمِ، واليمينُ الفاجرةُ تَدَع الدِّيارَ بلاقِعَ".
أخرجَهُ البيهقيُّ (١٠/ ٣٥) من طريقِ عبدِ اللهِ بن يزيدَ المُقرِئِ، عن أبِي حنيفَة، به، وقال: "كذا رواهُ عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المقرِئ، عن أبِي حنيفَةَ. وخالفَهُ إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، وعليُّ بنُ ظَبيانَ، والقاسمُ بنُ الحَكَمِ، فرَوَوهُ عن أبِي حنيفَةَ، عن ناصحِ بن عبدِ الله، عن يحيَى بن أبِي كثيرٍ، عن أبِي سلَمةَ، عن أيِي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -. وقِيلَ: عن يحيَى، عن أبِي سلَمةَ، عن أبِيهِ. والحديثُ مشهور بالإِرسالِ" اهـ.
[ ١ / ٨ ]
ثُمَّ روَى البيهقيُّ الحديثَ مِن طريقَينِ مُرسلينِ بسندٍ صحيحٍ.
ولَهُ طريقٌ آخرُ، عن أبِي سلَمةَ، عن أبِي هُريرةَ مرفوعًا: "إن أعجَلَ الطَّاعات ثوابًا صلةُ الرَّحِم، وإنَّ أهل البيت لَيَكُونون فُجَّارًا، فتَنموا أموالهُم، ويَكثر عددُهُم إذا وَصَلُوا أرحامَهُم. وإنَّ أعجَلَ المعصية عُقوُبَةً البغيُ، والخِيانةُ. ويَمينُ الغَموسُ: تُذهِبُ المالَ، وتذَرُ الدِّيارَ بلاقِعَ". وزاد الطَّبرانِيُّ: "وتُقِل في الرَّحمِ".
أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ في "المجرُوحِينَ" (٣/ ١٤٩ - ١٥٠) مُعلَّقًا، ووصلَهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسطِ" (ج ١/ ق ٦١/ ١) من طريقِ أبِي جعفرٍ النُّفيليِّ، ثنا أبُو الدَّهماءِ البصريُّ - شيخُ صدقٍ -، عن محمَّدِ بن عمرٍو، عن أبِي سلَمةَ به.
قال الطَّبرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن محمَّدِ بن عمرٍو إلَّا أبُو الدَّهماءِ، تفرَّدَ به النُّفيليُّ".
• قلتُ: والنُّفيليُّ ثقةٌ مأمونٌ، ولكِنْ أبُو الدَّهماءِ قال فيه ابنُ حبَّانَ: "كانَ مِمَّن يروِي المقلوباتِ، ويأتِي عن الثِّقاتِ بمَا لَا يُشبهُ حديث الأثباتِ، فبطُلَ الاحتجاجُ به إذَا انفَرَدَ".
واعتَمَدَ كلامَهُ الهيثميُّ في "المَجمعِ" (٨/ ١٥٢) فضعَّفهُ جدًّا، ولكنَّهُ خالفَ فِي موضعٍ آخرَ من "كتابِهِ" (٨/ ١٨٥) فقال: "فيه أبو الدَّهماءِ البصريُّ، وثَّقهُ النُّفيليُّ، وضعَّفهُ ابنُ حبَّانَ". وفي عبارتهِ نظرٌ؛ فإنَّ النُّفيليَّ لَم يُوثِّقهُ، بل قالَ: "شيخُ صدقٍ"، وهذا لا يَدلُّ علَى ضبطٍ، بل غايتُهُ إثباتُ صدقِهِ فحَسبُ.
[ ١ / ٩ ]
وخُلاصةُ البحثِ، أن الحديث حسنٌ بالطَّريقِ الأوَّلِ مع المرسَلَينِ الصَّحيحَينِ اللَّذَينِ أشرتُ إليهِمَا.
واللهُ تعالَى أعلَمُ.
[ ١ / ١٠ ]