• قلتُ: الصَّوابُ هو أن يَضَع الرَّجُلُ يَدَيه على الأرض قَبلَ رُكبتيه. وعُمدَتُنا في ترجيح ذلك، هو حديث أبي هُرَيرة مرفُوعًا: "إذا سَجَد أحدُكم فلا يَبرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، ولْيَضَع يدَيهِ قَبلَ رُكبتيه".
أخرجه البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٣٩)، وأبو داوُد (٨٤٠)، والنَّسائيُّ (٢/ ٢٠٧)، وأحمدُ (٢/ ٣٨١) وغيرُهُم مِن طُرُقٍ، عن الدَّراوَردِيِّ، ثنا مُحمَّدُ بن عبد الله بن حَسَنٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة.
وهذا سندٌ صحيحٌ.
وأَعلَّه جماعةٌ من أهل العِلم بما لا يَثبُت علَى النَّقد، وليس ها هنا موضعُ بسطِ حُجَج الفريقَين، والمحاكمةِ بينهما على وجه الإنصاف، لكنَّنِي سأذكُرُ أقوَى علَّةٍ أُعِلَّ بها الحديثُ، وهي قولُ الإمام البُخاريِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ الحسنِ: لا يُتابَع عليه، ولا أدري أَسَمِع من أبي الزِّناد أم لا؟ ".
فالجواب: أنَّ الإمام -﵀- لم يَنفِ السَّماع، إنَّما نفَى عِلمَه به، فحينئذٍ نقولُ: إنَّ أبا الزِّنادِ كان عالِمَ المدينة في وقته، وشُهرَةُ ذلك لا تحتاج إلى إثباتٍ،
[ ١ / ١١٢ ]
ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن الحسنِ مدنيٌّ هو الآخر، وقد وثَّقه النَّسائيُّ وابنُ حِبَّانَ، ولا يُعرَفُ بتدليسٍ قطُّ، وكان له من العُمر قُرابةَ الأربعين عامًا يوم مات أبُو الزِّناد سنةَ ١٣٠ هـ. وبهذه القرائن يَقطَع المرءُ بثُبُوت اللِّقاء.
وقد أصرَّ بعضُهم في نقاشٍ لي معه، بعد هذا بعدم السَّمَاع، فقُلتُ له: أَفَمَا التَقَيا في المسجد النَّبويِّ قطُّ، حيث كانت حَلَقات العُلماء؟ أَفَمَا التَقَيا في صلاةٍ قطُّ في هذا المسجد المُبارَك، ولا حتَّى في صلاة الجُمعة؟ فَسَكَت، وأظنُّه لوُضوح الإلزام.
أمَّا التَّفرُّد، فإنَّ مُطلَقَ التَّفرُّدِ ليس بعلَّةٍ، لا سيَّما إذا لم يَغمِز المُتفرِّدَ أحدٌ بضعفٍ، ومُناقشةُ هذا الأمرِ وحدَه يطولُ جدًّا.
وقد ذكرُوا أيضًا، أنَّ الدَّارَقطنيَّ قال: "إنَّ الدَّرَاوَرديَّ -واسمُه: عبدُ العزيز بنُ مُحمَّدٍ- تفرَّد به، عن مُحمَّد بن عبد الله بن الحَسَنِ".
والجوابُ: أنَّ هذا ليس بعلَّةٍ. ولم يتفرَّد. الدَّراوَرديُّ إلَّا بالتَّفصيل، وإلَّا.، فقد تابَعَه عبدُ الله بنُ نافع الصَّائغُ، فرَوَاه عن مُحمَّد بن عبدِ الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "يَعمَدُ أحدُكم في صلاتِه، فيبرُكُ كما يَبرُكُ الجملُ".
أخرجه أبُو داودُ (٨٤١)، والنَّسائيُّ (٢/ ٢٠٧)، والتِّرمذيُّ (٢٦٩)، والبَيهقِيُّ (٢/ ١٠٠).
قال: التِّرمذيُّ: "حديثُ أبي هُريرةَ غَريبٌ، لا نعرفُه من حديث أبي الزِّناد إلَّا مِن هذا الوَجه".
• قُلتُ: لعلَّ مقصودَ التِّرمذيِّ أي بهذا اللَّفظ، وإلَّا فحديثُ الصَّائغِ،
[ ١ / ١١٣ ]
يلتقِي إجمالُه مع حديثِ الدَّرَاوَرديِّ. وعبدُ الله بن نافعٍ الصَّائغُ صدوقٌ، في حِفظه بعضُ المقال، وكتابُهُ صحيحٌ. وروايتُهُ، وإن كانت مُجمَلةً، إلَّا أنَّ تفصيلَها يعودُ إلى روايةِ الدَّرَاوَرديِّ كما قلتُ.
وعامَّةُ المعارِضِين لهذا الحُكمِ، القائلينَ بتقدِيم الرُّكبتين قَبلَ اليَدين، مَع ضعفِ حديثِ وائلِ بنِ حُجرٍ وجميعِ شواهِدِه، لا يَعرِفون كيفَ يبرُكُ البعيرُ، حتَّى قال بعضُ الباحثين في "جُزءٍ له" حولَ هذا الحديثِ: "وبرُوكُ البعير معروفٌ عند الجميع، وهو أنَّهُ يُقدِّم يديه في البُروك قَبل رِجلَيه، فإذا قَدَّم المُصلِّي يديه على رُكبتيه في السُّجُود فقد شابَهَ البعيرَ في بُروكِهِ شاءَ أم أبَى" كذا قال هذا الفاضلُ!
ونتساءلُ: كيف يُقدِّم البعيرُ يَديه قبلَ رُكبتيه؟! ويداه موضُوعَتان علَى الأرضِ دائمًا؛ إذ هو يَمشِي على أربعٍ، فلَو كانَت يداهُ مرفوعَتَان عن الأرضِ مثل الإنسان لَسَاغَ هذا القولُ، وهذا القولُ بَدَهِيٌّ جدًّا، اضطُرِرتُ إلى تسطيرِهِ اضطرارًا، رفعًا للمُغالَطة. وحينئذٍ، فالصَّوابُ أن يُقال: إنَّ أوَّلَ ما يصلُ إلى الأرض منَ البعيرِ إذا أرادَ أن يَبرُك: رُكبتاه وليس يديه.
ولأنَّ هذا القولَ مُلزِمٌ، أرادُوا أن يَتخلَّصُوا منه، فقالُوا: "رُكبةُ البعيرِ ليست في يدِهِ"!
إِذَنْ، فقد سلَّمُوا أنَّ البعير يَبرُك على ركبتيه، ولكنَّها ليستَ في يده، هكذا قالَ ابنُ القيِّم -﵀-، وقال: "وقولُهُم: "رُكبة البَعير في يدِهِ" كلامٌ لا يُعقَلُ، ولا يعرفُهُ أهلُ اللُّغة"، وتَبِعَهُ كلُّ من تكلَّم في هذا الباب.
[ ١ / ١١٤ ]
ونحنُ نُحكِّم بيننا وبينكُم أهلَ اللُّغةِ، ونَذكُرُ من الأحاديثِ الصَّحيحةِ ما يَقنَعُ به كلُّ مُنصِفٍ.
* أمَّا أهلُ اللُّغَة ..
فقالَ ابنُ سِيْدَهْ في "المُحكَم والمحيطِ الأعظَم" (٧/ ١٦): "وكُلُّ ذي أربعٍ رُكبتاهُ في يديه، وعُرقوبَاه في رِجلَيه".
وقال الأزهريُّ في "تهذيب اللُّغة" (١٠/ ٢١٦): "ورُكبةُ البعير في يده. ورُكبَتَا البَعيرِ: المِفصَلَان اللَّذان يَلِيَان البطنَ إذا بَرَكَ، أمَّا المِفصَلَان النَّاتِئَان مِن خَلفٍ فهُما العُرقُوبان".
وقال ابنُ مَنظُورٍ في "لسان العرب" (١٤/ ٢٣٦): "ورُكبَةُ البعير في يَدِه".
وتتابَعَت كُتبُ "المعاجمِ" علَى ذلكَ، وفيما ذكرتُه كفايةٌ.
فمناطُ الأمرِ حينئذٍ هو "الرُّكبةُ"، وليس لـ "اليدِ"-أي: يد البعير- دخلٌ بالبحث أصلًا.
* أمَّا الأحاديثُ الصحيحةُ ..
فمنها ما: أخرجه البُخاريُّ في "صحيحه" (٧/ ٢٣٩)، وأحمدُ (٤/ ١٧٦) في قصة سُراقةَ بنِ مالكٍ، حين تَبع النَّبيَّ -ﷺ- وأبا بكرٍ في الهجرة، وفيه أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- دعا على سُراقةَ، قال سُراقةُ: " … وَسَاخَت يدا فَرَسِي في الأرض، حتَّى بَلَغَتَا الرُّكبتين".
وهذا نصٌّ نفيسٌ في غاية الوُضُوح، أنَّ رُكبَةَ البعير في يده، فإذا أراد المُصلِّي أن يُخالِف البعيرَ فلا ينزلُ على رُكبتَيْه؛ إذ البعيرُ إنَّما ينزلُ على رُكبته.
[ ١ / ١١٥ ]
ومن الأدلَّة على أنَّ النُّزول على الرُّكبة يُسمَّى "بُروكًا"، ما:
أخرجه مُسلِمٌ (١٢٥/ ١٩٩) وغيرُهُ من حديث أبي هُريرَة، قال: لمَّا نَزَلت على رسول الله -ﷺ-: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، -قال:- فاشتَدَّ ذلك على أصحاب رسُول الله -ﷺ-، فأَتَوا النَّبيَّ -ﷺ-، ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَب، فقالُوا: .. الحديث.
ومن الأدلَّة أيضًا، ما:
أخرجه الشَّيخانِ عن أنسٍ، قال: خرَجَ النَّبيُّ -ﷺ- حين زَاغَت الشَّمسُ … الحديث، وفيه: ثُمَّ أَكثَر رسولُ الله -ﷺ- أن يَقُول: "سَلُوني! "، فَبَرَكَ عُمَر على رُكبتَيه، فقال: "رضِينَا بالله ربًّا! " … الحديث.
• قلتُ: فقد تبيَّن بحمد الله تعالَى، بما لا يَدَعُ مجالًا للتَّوقُّفِ أو الشَّكِّ أنَّ رُكبَةَ البعير في يده، وأنَّ البُرُوكَ يكونُ على الرُّكبَة. ونحنُ ومخالفُونَا في هذه المسألة مُتَّفِقُون على أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نهى عن بُرُوكِ البعيرِ، ثُمَّ اختلَفنَا كيف يَبرُك البعيرُ. فلو تَقَاوَمت الأحاديثُ الواردةُ في هذا الباب وتساقطت لِضَعفِهَا، ولم يبق بأيدينا، نحن ولا مُخالِفِينَا، أدلَّةُ مرفُوعَةٌ، لكان هذا الوجهُ كافيًا في إِثباتِ قَولِنَا، وتَوهِينِ قولِ مُخالِفِينَا. ولله الحمدُ والمِنَّةُ.
وقد أَفَضتُ في بيان هذِهِ المسألة في جُزءٍ مُفرَدٍ، سمَّيتُه: "نهي الصُّحبة عن النُّزول بالرُّكبة"، وهو مَطبوعٌ.
• قلتُ: وبعد كتابة ما تقدَّم باثنَي عشر عامًا، طُبع حديثًا كتابُ "المُداوِي
[ ١ / ١١٦ ]
لعلل الجامع الصَّغير وشَرحَي المُنَاوِي" لأبي الفيض الغُمارِيِّ، فرأيتُه علَّق على كلامٍ للمُنَاوِيِّ، قال فيه: "وأعلَّه البُخارِيُّ، والتِرمِذِيُّ، والدَّارَقُطنِيًّ بمحمَّدِ بن عبد الله بن حسنٍ، وغيرِه".
فعقَّب الغُمَارِيُّ قائلًا: "وأمَّا تعليلُ البُخارِيِّ، والتِّرمذيِّ، والدَّارَقُطنِيِّ للحديث بمحمَّد بن عبد الله بن حسنٍ، فالتِّرمذِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ تابعان ومُقلِّدان للبُخارِيِّ. وما قاله البُخاريُّ مردودٌ عليه، وعِبارتُه في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١٣٩ - رقم ٤١٨): "مُحمَّد بن عبد الله، ويقال ابنُ حسنٍ. حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ عُبيد الله، ثنا عبدُ العزيز بنُ مُحمَّدٍ، عن مُحمَّد بن عبد الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة، رفعه: "إذا سَجَد فليَضَع يديه قبل رُكبتَيه". لا يُتابَع عليه، ولا أدري: سَمِع من أبي الزِّناد أم لا". وزاد الدَّارَقُطنِيُّ، فادَّعَى أنَّ عبدَ العزيز الدَّرَاوَردِيَّ تَفرَّد به عنه. وكلُّ ذلك باطلٌ؛ فإنَّ عبدَ الله بنَ نافعٍ قد تابع عبدَ العزيز على رِوايته عن مُحمَّد بن عبد الله بن حسنٍ، كما تقدَّم، عند أبي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. ومِن ذلك الطَّريق خرَّجه التِّرمِذِيُّ أيضًا. ومُحمَّدُ ابنُ عبدِ الله بن حسنٍ لم ينفَرِد به، بل تابَعَه عبدُ الله بنُ سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة، كما ذكره التِّرمِذِيُّ. وَهَبْ أنَّه لم يُتابِعه أحدٌ، فماذا يضُرُّه؟! وكم خرَّج البُخارِيُّ في "صحيحه" لأفرادٍ لم يُتابِعهم أحدٌ، وكأنَّه -﵀- لا يَخلُو من رائحة نَصَبٍ ونُفورٍ عن أهل البيت الكِرام، كما يَدُلُّ عليه تجنُّبُه الرِّوايةَ عن أئمَّتِهم في "صحيحه"، مع روايته عن أعدائهم! بل عمَّن تَشهَدُ الآثارُ والنُّصوصُ بانسلاخهم من الإيمان جُملةً
[ ١ / ١١٧ ]
واحدةً، لا سيَّما ومُحمَّدٌ، النَّفسُ الزَّكيَّةُ -﵁-، راوي هذا الحديث، قد كان خَرَج على بني العَبَّاس، خُلفاءِ عصرِ البُخارِيِّ وحُكَّامِه، وأُولي الأمر فيه، وهم أعداءُ بني عليٍّ، وذُريَّةِ الزَّهراء -عليهم الصَّلاة والسَّلام-. فللَّه الأمر من قبل ومن بعد. أمَّا زَعمُ أنَّ رُكبتَي البعير في يده، فأوَّل من تولَّى كِبرَ ذلك الباطلِ، على ما أظُنُّ، هو الطَّحاوِيُّ، في "مُشكِل الآثار"، فإنَّه عقد للإشكال الوَارِد في هذا الحديث بابًا منه، فقال: "حدَّثَنا صالحُ بنُ عبد الرَّحمن ابن عمرو بن الحارث الأنصاريُّ، ثنا سعيدُ بن منصُورٍ، ثنا عبدُ العزيز ابنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُّ … -بسنده ومتنه، ثُمَّ قال:- فقال قائلٌ: هذا الكلامُ مستحيلٌ؛ لأنَّه نهاه إذا سجد أن يَبرُكَ كما يَبرُكُ البعيرُ، والبعيرُ إنَّما يبرُك بيديه، ثُمَّ أَتبَع ذلك بأن قال: ولكن ليضع يديه قبل ركبتيه، فكان ما في هذا الحديث، ممَّا نهاه عنه في أوَّله، قد أمَرَه به في آخرِه"، فتأمَّلْنا ما قال، فوجدناه مُحالًا، ووجَدنَا ما رُوي عن رسُول الله -ﷺ- في هذا الحديث مستقيمًا، لا إحالةَ فيه؛ وذلك أنَّ البعيرَ ركبتاه في يديه، وكذلك كلُّ ذي أربعٍ من الحيوان، وبنو آدم بخلاف ذلك؛ لأنَّ رُكبتَهم في أرجُلِهم، لا في أيديهم" ا. هـ.
ولم يَفعَل الطَّحاوِيُّ شيئًا، إلَّا أنَّهُ زادَ في الطِّين بِلَّةً، والإشكالُ في الحديث بحاله؛ لأنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نهى أن يَفعلَ الرَّجلُ كما يَفعلُ البعيرُ، والبعيرُ يَبرُك فيُقدِّم يديه، سواءٌ كانت فيهما رُكبتاه، أو كانتا في رجليه، فمَن قدَّم يده في السُّجود فقد فعل كفِعلِ البعير، وهو مَنهيٌّ عنه. وآخِرُ الحديث يَأمرُه بتقديم يديه. فالإشكال بعينه موجودٌ، سِوى أنَّه لم يَكُن
[ ١ / ١١٨ ]
مضافًا إليها هذه السَّخَافة، في دعوى أنَّ رُكبة ذَوِي الأربع كلِّها في يدها، لا في رِجلها. والذي يقتضيه النَّظَرُ، ويقبَلُه العقلُ هو أنَّ الحديثَ انقلب على الدَّرَاوَردِيِّ، بتفرُّدِه بتلك الزِّيادة فيه، عن مُحمَّدِ بن عبد الله بن حسنٍ؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ نافعٍ الصَّائغَ رواه عنه بدونها، فثَبَتَ أنَّها من الدَّرَاوَردِيِّ، وهو وإن كان من رجال الصَّحيح، إلَّا أنَّه يَهِمُ إذا حدَّث مِن حفظِه، كما قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وزاد أنَّه: "ليس بشيءٍ، وإذا حدَّث مِن حفظِه جاء بالبواطيل"، قلتُ: وهذا منها. وقال أبو حاتمٍ: "لا يُحتَجُّ به". وقال أبو زُرعة: "سيِّءُ الحِفظ". ولمَّا ذكره الذَّهَبِيُّ في "الميزان"، قال: "هو صدوقٌ، من عُلماء المدينة، وغيرُهُ أقوى منه". وقال أحمد أيضًا: "كان يقرأُ من كُتُبِ النَّاس فيُخطِئ، وربَّما قلَبَ حديثَ عبدِ الله ابن عُمَر فيرويه عن عُبيد الله بن عُمر". وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بالقويِّ". وقال ابنُ سعدٍ: "ثقةٌ كثيرُ الحديث يَغلَطُ"، ولذا لم يُخرِّج له البُخارِيُّ إلَّا مقرُونًا بغيره. وفيه كلامٌ أكثرُ من هذا. فلم يبق شكٌّ، في أنَّ الوهمَ في هذه اللَّفظةِ الباطلةِ منه، لا سيَّما وقد رَوى الحديثَ ثقةٌ آخرُ، عن شيخه، فلم يأتِ بها. وبهذا تَعلَمْ تَحَامُلَ البُخارِيِّ -﵀- على أهل البيتِ؛ فإنَّه أعلَّ الحديث بالنَّفسِ الزَّكيَّة، البريءِ من الحديث، وسَكَت عن تعليلِه بالدَّرَاوَردِيِّ، المُتفرِّدِ عنه بتلك الزِّيادة" انتهى كلامه.
• قلتُ: والجوابُ عن هذا "الخَطَلِ" من عَشَرَةِ وُجوهٍ:
* الأوَّلُ: أنَّ المُنَاوِيَّ أخطأ عندما قال إنَّ البُخاريَّ، والتِّرمِذِيَّ أعلَّاه بمُحمَّد بن عبد الله بن حَسنٍ؛ لأنَّ هذا يعني أنَّهُما ضعَّفَاه، أو تَكَلَّما فيه.
[ ١ / ١١٩ ]
ومن الغرائب أنَّ الغُمَارِيَّ، مع حِرصِه على تعقُّب المُنَاوِيِّ في الذَّرَّة ومِثقالِ الذَّرة، لم يتعقَّبهُ في هذا؛ حتَّى يتسَنَّى له أن يَغمِز البُخارِيَّ، كما رأيتَ في كلامِه. والأغربُ من هذا، أنَّه نَقَلَ كلامَ البُخَارِيِّ بنصِّه من كتاب "التَّاريخ الكبير"، إذ قال: "لا يُتابَع عليه، ولا أدري: سمع من أبي الزِّناد، أم لا"، فالبُخارِيُّ أعلَّ الحديثَ بعِلَّتين: الأولى: أنَّ مُحمَّدَ ابنَ عبدِ الله بنِ حَسَنٍ لم يُتابَعْ عليه، والثَّانية: توقُّفُه في صِحَّة سماعه من أبي الزِّناد. إذن، فألمسألة مُتعلِّقَةٌ بالرِّواية.
أمَّا الرَّاوي، فإنَّ رِوايتَه لا تَخرُج عن ثلاثة أنواعٍ: إمَّا أن يُتابَعَ، وإمَّا أن يُخالَفَ، وإمَّا أن يتفرَّدَ. وكلامُنَا هنا عن النَّوع الثَّالث، وهو التَّفرُّدُ. فحُكْمُ العُلماء أنَّ المتفرِّد إذا كان ضابطًا حافظًا، وتفرَّدَ عن شيخٍ، أنَّ تفرُّدَه مقبولٌ، ما لم يَقُم دليلٌ على وَهَمِهِ. ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن حسنٍ وثَّقَه النَّسائيُّ، وابنُ حِبَّان، ولا نعلم أحدًا جَرَحَه فيما يتعلَّقُ بالرِّواية، ولكنَّه كان مُقِلًّا، ولم يَجرَحهُ البُخاريُّ، ولا التِّرمِذِيُّ، ولا الدَّارَقُطنِيُّ، فما معنى قولِ هذا المُعتَدِي على الأئمَّةِ، الواقفِ على عتبات الرَّفضِ: إنَّ البُخاريَّ متحاملٌ على أهل البيت، ويُرَى منه "رائحةُ نَصَبٍ"؟!
* الثَّاني: سلَّمنا أنَّه جَرَحه، فهل يقول عاقلٌ: إنَّ هذا من العداء لأهل البَيت؟! وهل كلُّ من انتسب من المُتأخِّرين، على توالي القرون، لأهل البَيت من الثِّقاتِ العُدولِ، أم فيهم ضعفاءُ ومتروكون، بل وكذَّابُون؟! وعلى هذا، يُرَدُّ على كُلِّ الأئمة أقوالُهم في الرُّواة، فإذا جَرَح أحدٌ النُّقَّادِ راويًا ينتمي إلى مذهبٍ ما، قيل له: أنت مُتحامِلٌ عليه، كما
[ ١ / ١٢٠ ]
فعل الحنفيَّة مع المُحدِّثين، لمَّا جَرَحوا أبا حنيفة، ورَمَوهُ بسوء الحِفظ.
* الثَّالثُ: أنَّه أساء الأدبَ في خطابِه الأئمَّةَ، فهو يَزعُم أنَّ التِّرمِذِيَّ، والدَّارَقُطنِيَّ قلدا البُخارِيَّ في حُكمه، وهو يُكَرِّر هذا القولَ السَّاقطَ في جميع كُتُبه تقريبًا، وبكثرةٍ ملحوظةٍ في كتابه "المُداوِي" خاصَّةً. والرَّجُل كان يَدَّعي الاجتهادَ -ولا أدري إن كان المُطلَقَ أم لا؟! -، وكان يُحارِب التَّقليدَ حربًا لا هَوَادَةَ فيها، حتَّى أنَّه كان إذا تناول هذه المسألةَ حصل له ما يُشبِه الهَذَيَانِ إذا تكلَّم. وهو معذورٌ في أصل المسألة؛ لأنَّه وجد أنَّ رَانَ التَّقليدِ قد ضَرَبَ بِجِرَانِهِ على أُمَّتِنا من قرونَ طويلةٍ، ووجد عُلماءَ كبارًا كانوا يتجَلَّدُون حقَّ الجَلَادة في اتِّباع الأئمَّة، مع أنَّ دليلَ المُخالِف ظاهرُ الرُّجحان، لكنَّه يتمَحَّلُ في تأويله، ثُمَّ جاء بَعدَهُم عُلماءُ، لكنَّهم ليسوا كبارًا، بل يُشبِهُون أهل زمانهم، فتَعَبَّدُوا بالتَّقليد، وأنَّه لا يجُوزُ لأحدٍ أن يُخالِف إمامَه، وفَرَّعُوا مسائلَ على ذلك، وأنَّ الحَنَفيَّ مَثَلًا، أو غيرَه مِن مُتَّبِعِي المذاهب، إذا خالف مذهَبَهُ في مسألةٍ، إلى خِلَافِها في مذهبٍ آخرَ لرُجحان الدَّليل، هل يَبقَى حَنَفِيًّا أم لا؟ وتَجِدُ هذا الكلامَ في الكُتُب التي تُعنَى بالفتوى وأحكامها، في سلسِلَةٍ طويلةٍ من التَّفريعات، بعضُها مُثيرٌ للغَيظِ حقًّا. وجد الغُماريُّ القِصَّةَ هكذا، فانبَرَى يُحارِبهُا -وهو عَصَبيُّ المِزاج بطبعِهِ-، فتَفَوَّه بكلامٍ جارحٍ جدًّا، مَسَّ به علماءَ كبارًا، لمُجرَّد أنَّه فَهِم من كلامِهم ما يُخالِف فَهمَهُ. وخُذ هذه المسألةَ التي نُناقِشُها الآن مثلًا على ذلك. فهو يَدَّعِي أنَّ التِّرمِذيَّ، والدَّارَقُطنِيَّ قلَّدَا البُخارِيَّ في حُكمِه على مُحمَّد بن عبد الله بن حَسَنٍ، مع أنَّ البُخارِيَّ، ومعه الإمامان، لم يَحكُمَا عليه، إنَّما
[ ١ / ١٢١ ]
حَكَما على رِوايته، كما مرَّ في الوجه الأوَّلِ. وقد اتَّفَق أهلُ العِلم جميعًا على أنَّ هؤلاء الأئمَّةَ من كبار المُجتَهِدِين، وأنَّهم إذا اتَّفَقُوا على كلمةٍ في راوٍ فهذا يعني أنَّ كُلَّ إمامٍ سَبَرَ مَروِيَّاتِ هذا الرَّاوِي، على عادَتِهم في ذلك، ثُمَّ خَرَج بهذا الحُكمِ عليه. ولا يَعنِي هذا أنَّهُم كانوا يَحكُمون على الرُّواة دُون النَّظَرِ إلى ما قاله أهلُ العلم السَّابِقِينَ عليهم فيه، بل كانُوا يَنقُلُون كلامَهم، موافقين لَهُم عليه، لا مُقلِّدين، مثلما يَفعَلُ الغُمارِيُّ وغيرُه إذا تَبَنَّوْا حُكمًا على راوٍ ما، أو حُكمًا فِقهيًّا، فهو مسبوقٌ إلى القول الذي انتَحَلَهُ قَطعًا، فلو قُلتَ له: أنتَ مُقلِّدٌ في هذا الحُكم لأنك مسبوقٌ، لأَنكَرَ عليكَ غايةَ الإنكار، وقال: أنا وافقتُهُم في هذا بعد بحثٍ وتَحَرٍّ، ولا يستطيعُ أن يقول غيرَ ذلك، وإلَّا رَمَى نفسَه بالتَّقليد. وقد تقدَّم ما يَدُلُّ على الذي سيحصُل لك إذا رمَيتَه بهذا!
نعم! قد يُقلِّد العالمُ غيرَه من أَهلِ الاجتهادِ إذا لم يَكُن له رأيٌ في المسألةِ، لكنَّهُ يكونُ بصيرًا عادةً بما يختارُهُ من قولِ من سَبَقُوه، وإن لم يكن له رأيٌ خاصٌّ. ولكن، تبقى هذه المسألةُ من النَّادِر الذي لا يُقاسُ عليه. والمسائلُ المتعلِّقة بالاجتهادِ والتَّقليدِ كثيرةٌ مُتشعِّبةٌ، وفيها تفصيلٌ كثيرٌ، والحقُّ وَسَطٌ دائمًا بين طَرَفي نقيضٍ.
فهذه الدَّعوى الباطلةُ: أنَّ المُتأخِّرَ لا بُدَّ أن يُقلِّد المتقدِّم إذا وافقه في القول، لا تَنطَبِقُ على الأئمَّة القُدامَى، فهم أهلُ الاجتهادِ حقًّا. فجَرَّهُ عدمُ التزام العدلِ أن يُسَوِّي بين أهل الاجتهاد من المتقدِّمين، وأهلِ التَّقليدِ من المُتأخِّرين.
[ ١ / ١٢٢ ]
ثُمَّ ماذا يقولُ هذا المُعتَدِي على الأئمَّة فيما فَعلَهُ الدَّارَقُطنِيُّ مثلًا في كتابَيه "الإلزامات" و"التَّتَبُّع"، من إلزام الشَّيخين، وتعقُّبِهِما في أحاديثَ في "صحيحَيهما". وأنا أخشى لو كان حيًّا أن يَقُولَ: تعقَّبَهُما للشُّهرة، وإلَّا لو صَوَّبَ صَنِيعَهُ لنَقَضَ قولَه: إنَّه مُقَلِّدٌ للبُخاريِّ، أو لغيرِه ممَّن سَبَقُوه.
وقد رأيتُهُ رَدَّ كلامًا للنَّسائِيِّ، وأبي حاتمٍ، وأبي زُرعَة وغيرِهم، بعبارَةٍ خَشِنَةٍ؛ لأنَّ ابنَ مَعِينٍ، وأحمدَ سَبَقُوا إلى جرحِ راوٍ، وافَقَهُمَا عليه هؤُلاء الأئمةُ، وقال: هُم مُقَلِّدُون لَهُما. وإنَّما أُتِيَ مِن كَونِهِ لا يَعرِف أقدارَ الأَئِمَّة المُتقَدِّمِين، وليس عِندَهُ خَبرٌ بسِعَةِ عِلمِهم، وهذا رُبَّما يُشِير إلى ما عِندَه مِن بَأْوٍ، وإِنَّما "يَعرِف الفضلَ لأهل الفَضلِ ذَوُو الفَضلِ".
فهذا الرَّجُل غريبٌ جدًّا في أطواره، لا يُراعِي لأحدٍ يُخالِفه حُرمةً، ونادرًا ما يَعتَرِفُ لمخالِفِه بالفضلِ في شيءٍ إذا غَضِب عَلَيه. نعوذُ بالله من الخُذلَان.
* الرَّابع: قولُه عن تَفَرُّد مُحمَّدِ بنِ عبد الله بن حَسَنٍ: "وهَبْ أنَّه لم يُتابِعه أحدٌ، فماذا يضُرُّه؟! وكم خرَّج البُخارِيُّ في "صحيحه" لأفرادٍ لم يُتابِعهم أحدٌ" ا. هـ.
فَهذا القولُ يُنبِيْكَ عن عِلمِ الغُمارِيِّ. فهل يقولُ عالمٌ: إنَّ الرُّواةَ على دَرَجةٍ واحدةٍ من الضَّبط والإِتقانِ، بحيثُ يُقبَلُ تفرُّدُ كلِّ ثِقةٍ، ولو قَبِل تفرُّدَ بعضِ الرُّواة، ورَدَّ البعضَ الآخرَ عُدَّ متناقضًا؟!
فالبُخارِيُّ مثلًا إذا قَبِلَ تفرُّدَ راوٍ، وأَدخله في "كتاب الصَّحيح"، فلا بُدَّ أن يكون الحديثُ محفوظًا عنده، وهو محفوظٌ عند سائر العُلماء الذين جاءُوا بعدَه، وقَرَؤُوا "صحيحه"؛ إذْ لم يتعقَّبُوه في هذا. فهل نُسَوِّي بين
[ ١ / ١٢٣ ]
تَفرُّدِ الرَّاوي في أحد "الصَّحيحين"، وبين وُجود الحديث في كتابٍ آخرَ لإمامٍ لم يَدَّع الصِّحَّة في كتابه كالشَّيخين، أمثالِ أصحابِ السُّنَن، وغيرِهم؟! وكَم من أحاديثَ رَدَّها البُخاريُّ ومُسلِمٌ وغيرُهما لأئمَّةٍ كبارٍ، كمالكٍ، والسُّفيانَينِ، والحَمَّادَين، ومَعمَرٍ، وغيرِهم من الثِّقات، وقالوا: وَهِمَ فيه فلانٌ، مع أنَّه من جِبال الحِفظ. فهل يعني أنَّ البُخاريَّ إذا خرَّج رواياتٍ لرواةٍ انفَرَدُوا بأحاديثَ، أَن أُلزِمَهُ بأن يَقبَل تفرُّدَ كُلِّ راوٍ ثقةٍ، وإلَّا عُدَّ مُتناقِضًا؟!
أمَّا كلامُهُ عن "نَصَب" البُخارِيِّ، وأنَّه يَروِي عن "أعداء" أهل البَيتِ، في الوقت الذي تَجَنَّب الرِّواية عن أكابِرِهم، فلا نُسَوِّدُ وجه القِرطَاسِ بالرَّدِّ عليه، إذ المِدادُ أغلى مِن أَن نُهدِرَهُ في رَدِّ هذا الهَذَيَان، بل الكَذِبِ الصُّرَاحِ على البُخارِيِّ، والأَمرُ كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وكما قال أبو العَتاهِيةِ:
إِلَى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمضِي … وَعِندَ الله تَجتَمِعُ الخُصُومُ
* الخامس. أنَّه دفع تعليلَ البُخَارِيَّ بتفرُّد مُحمَّد بن عبد الله، فقال: "لم ينفرد به؛ فتابعه عبدُ الله بن سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَةَ".
وأنا مُضطرٌّ هنا أن أَذكُر ما يعرفه صبيان المُتعلِّمين، أنَّ هذه ليست متابعةً. ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن حسنٍ إنَّما يرويه عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة. بينما عبدُ الله بنُ سعيدٍ يرويه عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة. فهذان إسنادان مُختَلِفان عن أبي هُريرَة. فحتَّى يتمَّ ردُّ تعليلِ البُخَارِيِّ، لا بدَّ أن تكون المتابَعةُ لمُحمَّدٍ تامَّةً، فيرويه عبدُ الله بنُ
[ ١ / ١٢٤ ]
سعيدٍ -مَثَلًا-، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة، فأين المُتابَعةُ إذن؟!
سلَّمنا أنَّه تابعه متابَعةً تامَّةً، فلم يَقُل لنا الغُمارِيُّ ما حالُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ المَقبُرِيِّ؟! فاسمع ما قاله الأئمَّة فيه.
قال يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ: "جلستُ إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيدٍ مجلِسًا، فعرَفتُ فيه الكَذِبَ". وقال أحمدُ: "مُنكَر الحديث، متروكُ الحديث"، وكذلك قال عَمرُو بنُ عليٍّ. وقال ابنُ مَعِينٍ: "ضعيفٌ، ليس بشيءٍ، لا يُكتَب حديثُه". وقال البُخاريُّ: "تَرَكوه". وقال النِّسَائِيُّ: "ليس بثقةٍ". وقال أبو زُرعة الرَّازِيُّ: "ضعيفُ الحديث، لا يُوقَفُ منه على شيءٍ". وقال الحاكمُ أبو أحمدَ: "ذاهبُ الحديث". وقال ابنُ عَدِيِّ: "عامَّةُ ما يرويه الضَّعفُ عليه بيِّنٌ". وقال ابنُ حِبَّان: "كان مِمَّن يقلبُ الأخبارَ، ويَهِمُ في الآثارِ، حتَّى يسبقَ إلى قلبِ من يسمَعُها أنَّه كان المُتَعَمِّدَ لها".
فلِمَ ذَكَر الغُمارِيُّ هذه المُتابَعة، ولم يُبَيِّن حال راويها: أهو مِمَّن تنفع متابعتُه أم لا؟!
* السَّادس: قولُه: "والذي يَقتَضِيهِ النَّظَرُ، ويقبَلُهُ العقلُ هو أنَّ الحديثَ انقَلَبَ على الدَّرَاوَردِيِّ؛ بتفرُّدِهِ بتلك الزِّيادَةِ".
فهذا القولُ مِمَّا يُتَفكَّهُ به، وهو مردودٌ بداهةً؛ إذ ليس عليه ثَمَّةَ دليلٌ، وحَسبُك أنَّ أحدًا لم يتفوَّه به، مع كثرة من تَكلَّم في هذه المسألة، وهذا بحقِّ الدَّرَاوَردِيِّ.
[ ١ / ١٢٥ ]
والغُمَارِيُّ أخذ هذه الدَّعوَى من ابنِ القَيِّم، لكن ابن القَيِّم احتاط لِنَفسِهِ في العِبارة، وعبارتُهُ في "الزَّاد" (١/ ٢٢٦): "وكان يَقَعُ لي أنَّ حديثَ أبي هُرَيرَةَ كما ذكَرنَا، ممَّا انقَلَبَ على بعض الرُّواةِ متنُه وأصلُه، ولعله: "ولْيَضَع رُكبَتَيهِ قبل يَدَيهِ"، كما انقَلَبَ على بعضهم حديثُ ابنِ عُمَر: "إِنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بليل، فكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ"، فقال: " … ابنَ أُمِّ مَكتُومٍ يُؤَذِّنُ بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يُؤذِّنَ بِلالٌ". وكما انقَلَب على بعضِهم حديثُ: "لا يزَال يُلقَى في النَّارِ، فتقُولُ: هَل مِن مَزِيدٍ … -إلى أن قال:- وَأَمَّا الجَنَّةُ فَيُنشِئُ اللهُ لها خَلقًا يُسكِنُهُم إيَّاهَا"، فقال: "وَأَمَّا النَّارُ، فيُنشِئُ اللهُ لها خلقًا يُسكِنُهم إِيَّاها"، حتَّى رأيتُ أبا بكرٍ ابنَ أبي شَيبَة قد رواه كذلك، فقال ابنُ أبي شَيبَة: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن فُضيلٍ، عن عبد الله بن سَعِيدٍ، عن جَدِّه، عن أبي هُريرَةَ، عن النَّبيِّ -ﷺ-، قال: إذا سَجَدَ أحدُكم، فليبدأ برُكبتَيه قَبل يَديه، وَلا يَبرُك كَبُرُوكِ الفَحلِ" انتهَى.
• قلتُ: هذا كلامُ ابنِ القَيِّم -﵀-، وفيه نَظَرٌ عريضٌ؛ لأنَّ الأحاديثَ التي ذَكَرَهَا قام الدَّليلُ على أنَّها ممَّا انقَلَب على الرَّاوِي -مع أنَّ حديث أذانِ بلالٍ عارَضَ في دَعوَى القَلبِ فيه الحافظُ في "الفتح"، ورَدَّ على ابن عبد البَرِّ وغيرِهِ هذه الدَّعوَى-. ومِثلُهُ ممَّا لَم يَذكُرهُ ابنُ القَيِّم حديثُ مُسلِمٍ: "ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بشمالِهِ، حتَّى لا تَعلَمَ يمينُهُ ما أَنفَقَت شمالُهُ"، وهذا مقلوبٌ -كما حرَّرتُهُ في الحديث رقم (١٤٢) من هذا الكتاب-. فليس معنى أنَّ أحاديثَ قُلِبَت على بعض الرُّواةِ أن يكون حديثُنا مِن هذا الضَّرْب. بَيْدَ أنَّ ابنَ القَيِّم استدلَّ على انقلاب الحديثِ
[ ١ / ١٢٦ ]
على رَاوِيهِ بما رواه عبدُ الله بنُ سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن جَدِّه، عن أبي هُريرَة، مرفُوعًا: "إذا سَجَدَ أحدُكُم فليبدأ برُكبَتَيهِ قبل يديه، ولا يَبرُك كَبُرُوك الفَحلِ". ولا يَجُوزُ أن يُستَدَلَّ بمِثل هذا؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ سعيدٍ سَاقِطُ الحديثِ، متروكٌ -كما مَرَّ ذِكرُه في الوجه السَّابق-. فلا تَثبُت دعوى ابنِ القَيِّم، ولذلك رَدَّ عليه مُلَّا عَلِي القَارِي في "مَرقَاة المفاتيح" (١/ ٥٥٢) بقوله: "ودَعوَى ابنِ القَيِّم أنَّ حديث أبي هُريرَة انقلبَ متنُه على راويه فيه نَظَرٌ؛ إذ لو فُتِح هذا البابُ لم يَبقَ اعتمادٌ على رِوايةِ راوٍ، مع كونِها صحيحةً" انتهى.
* السَّابع: قوله: "أمَّا زَعمُ أنَّ رُكبتي البعير في يده، فأوَّلُ من تولَّى كِبرَ ذلك الباطلِ، على ما أظنُّ، هو الطَّحاوِيُّ … " انتهى.
فهذا هو الظَّنُّ الباطلُ بعينه، والظَّنُّ أَكذَبُ الحديث. وقد سَرَدتُ لك فيما مضى جملةً من الأحاديث الصَّحيحة، أوَّلُها فيه نصٌّ صريحٌ قاطعٌ من سُراقة بن مالكٍ، لمَّا قال: "وساخت يدا فَرَسِي في الأرض، حتَّى بلغَتَا الرُّكبتين"، فدلَّ على أنَّ رُكبة البعير في يده، وأحاديثَ أُخرى صحيحةً دلَّت على أن البُروكَ إنَّما يكون على الرُّكبة. ولا يجوز، لا شرعًا، ولا لغةً، أن يقول قائلٌ: بَرَك فلانٌ على يديه، إلَّا إذا كان أعجميَّ الفَهم. وقد نصَّ سائرُ علماء اللُّغة في "معاجمهم"، على أنَّ رُكبةَ كلِّ ذي أربعٍ في يديه، وعُرقوباه في رجليه، ولم يُخالِف في هذا أحدٌ نعلمُهُ.
ومن الطَّريف قولُ الغُمَارِيِّ: "والبعير يَبرُكُ، فيُقدِّم يديه، سواءٌ كانت فيهما رُكبتاه، أو كانتا في رجليه".
[ ١ / ١٢٧ ]
ولم يقُل أحدٌ من بني آدم نعلمُهُ: إنَّ الرُّكبةَ يُمكنُ أن تكون في رِجلَي البعير الخَلفِيَّتَين، إنَّما يُسمِّيها النَّاس "عُرقُوبًا". وإنَّما سُمِّيت الرُّكبةُ رُكبةً لأنَّ صاحبَها يَركَبُها، ويَعتَمِدُ عليها إذا نزل.
* الثَّامن: قولُه "هذه السَّخافة، في دَعوَى أنَّ رُكبة ذَوِي الأربع كلِّها في يدها … الخ".
أقولُ: قد ذكرتُ لك قَبلَ ذلك من قال بأنَّ رُكبة ذوي الأربع في يديها، وأنَّهم كلُّ علماء اللُّغة، وهم فضلاءُ أجِلَّاءُ، من أصحاب النَّظَر الصَّحيح، بخلاف من يَخبِطُ خَبطَ عشواء، ويَركَبُ في دعواه الظَّلماء، وقد عَرَفنا من هو السَّخيفُ حقًّا!!
* التَّاسع: وهو أنَّه ذكر كلامَ العُلماءِ في الدَّرَاوَردِيِّ، ونَقَل القَدْحَ فيه، ثُمَّ قال: "وفيه كلامٌ أكثرُ من هذا. فلم يبق شكٌّ، في أنَّ الوَهَمَ في هذه اللَّفظة الباطلة منه، لا سيَّما وقد رَوى الحديثَ ثقةٌ آخرُ عن شيخِه، فلم يأتِ بها. وبهذا، تَعلَم تَحامُل البُخارِيِّ … الخ".
• قلتُ: لقد عدَّ العُلماءُ من ضُروب الخيانة العِلمية أن يَذكُر المرءُ الجرحَ في الرَّاوي دون التَّعديل، وهذا المُعترِض ذَكَر أقوالَ العُلماء الذين جَرَحوا الدَّرَاوَردِيَّ، فنقل قولَ النَّسائِيِّ: "ليس بالقويِّ"، وترك قولَه الآخرَ: "ليس به بأسٌ، وحديثُه عن عُبيد الله بن عُمر مُنكَرٌ". ولم يَنقُل قولَ ابنِ مَعِينٍ رأسًا، وقد قال فيه: "ثقةٌ حُجَّةٌ"، وقال مرَّةً: "ليس به بأسٌ"، وسُئل: فسُليمانُ بنُ بلالٍ أحبُّ إليك، أو الدَّرَاوَردِيُّ؟ فقال: "سُليمانُ. وكلاهما ثقةٌ". ووثَّقَه العِجِليُّ، وابنُ حِبَّان، وقال: "كان
[ ١ / ١٢٨ ]
يُخطئ". وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "ثِقةٌ ثَبتٌ". وبدأ الذَّهَبيُّ ترجمَتَهُ في "الميزان" بقوله: "صدوقٌ. غَيرُهُ أقوى منه"، ثُمَّ عَلَّم بما ما يَدُلُّ على أنَّ الرَّاجِح في أمره التَّقوِيَةُ.
ثُمَّ قولُهُ: "غيرُهُ أقوى مِنهُ" لا تَدلُّ على الجرح، إلَّا عِندَ من يُعرَف عنه أنَّها جَرحٌ كالبَرْدِيجِيِّ مثلًا.
* العاشرُ: قولُ الغُمارِيِّ: "وقد رَوَى الحديثَ ثقةٌ آخرُ، عن شيخه، فلم يأت بها".
فهذا الثِّقةُ الآخَرُ هو عبدُ الله بنُ نافعٍ الصَّائغُ، وقد وثَّقَه ابن مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ في روايةٍ. وقال أبو زُرعَة، والنَّسائِيُّ: "ليس به بأسٌ". وقال أحمدُ: "لم يَكُن في الحديث بذاك". وقال أبو حاتمٍ: "ليس بالحافظ، وهو ليِّنٌ في حِفظِه، وكتابُهُ أَصحُّ"، وكذلك قال ابنُ حِبَّانَ.
وقال البُخارِيُّ: "في حفظه شيءٌ، يُعرَف حفظُه ويُنكَر، وكتابُهُ أصحُّ". فهل مِثلُ هذا يُقال فيه "ثقةٌ"، هكذا بإطلاقٍ، كأن ليس فيه نَوعُ جَرحٍ؟! ولستُ أسعى ببحثي هذا أن لا أعتدَّ بروايته، كلَّا، لكنِّي قصدتُ الرَّدَّ على الغُمارِيِّ في تَجَنِّيهِ على العُلماء، وله مِن أمثال هذا كَثِيرٌ. على أنَّ رواية عبدِ الله بنِ نافعٍ المُجمَلةَ ستُرَدُّ حتمًا إلى روايةِ عبد العزيز الدَّرَاوَردِيِّ المُفصَّلةِ، كما سبق وأشرتُ إليه.
ولعلَّ الدَّهشةَ تَعقِد لسانَك، وتَحتَوِي جَنَانَك، عندما تراه يَتكَلَّم عن الدَّرَاوَردِيِّ، فجَعَل يسوقُ قولَ الجَارِحِين، ويُكثِّر عَدَدَهم، ليدلُّك على أنَّ روايتَه مُنكَرةٌ، فهلَّا اكتفَى بواحدٍ مُتقدِّمٍ جَرَحَهُ، إذ -على مذهبه
[ ١ / ١٢٩ ]
الذي أَشَرنَا إليه في الوجه الثَّالث- أنَّ المُتأخِّرَ يُقَلِّد المُتقدِّم؟! لكنَّه لمَّا احتاج إلى الطَّعن فيه جَمَعَ جَرَامِيزَهُ، ليُرِي القارئَ أنَّ الرَّجُل لا تُقبَل روايتُه. وهكذا تكون "الأمانة" عند الغُماريِّ.
وصَدَق أبو الطَّيِّب، إذ قال:
وَمَن جَهِلَت نَفسُهُ قَدرَهَا … رَأَى غَيرُهُ مِنهُ مَا لَا يَرَى
ووالله! لو تَفَرَّغتُ لكتابه هذا، وحَاكَمتُهُ إلى القواعد الِعلميَّة التي أَسَّسَها عُلماؤُنا، لكان كِتابُه "فضيحةً"، ولو كان عندي من الوَقتِ سَعَةٌ لوَضَعتُ على كتابه كتابًا يُساوِيه في مُجَلَّداته، وسَمَّيتُه "الكاوي على المُداوِي"، وكما يُقال: آخر الطِّبِّ الكَيُّ! فليَقُم بهذا أحدُ تلاميذنا النَّابهين. والحُكم لله العَليِّ الكبيرِ.
وقد فصَّلتُ الكلامَ عن هذه المسألةِ تفصيلًا، ورددتُ على كلِّ مَن كتب فيها، في كتابِي "نهي الصُّحبة عن النُّزول بالرُّكبة"، في طَبعَتِه الجديدة، التي سأدفَعُها إلى المطبعة قريبًا، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٣٠ ]