• قلتُ: هذا حديث مُنكَرٌ باطلٌ.
يرويه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، وعِكرمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: بينما نَحنُ عِندَ رسُولِ الله -ﷺ-، إذْ جاءَهُ عليُّ بن أبي طالِبٍ، فقال: "بِأَبِي أنتَ وأُمِّي! تَفَلَّت هذا القُرآنُ مِن صَدري، فما أَجِدُنِي أَقدِرُ عَلَيه"، فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "يا أبا الحَسَن! أَفَلَا أُعلِّمُك كَلِماتٍ، يَنفَعُك اللهُ بِهِنَّ، ويَنفَعُ بهنَّ مَن علَّمْتَه، ويُثبِّتُ ما تَعَلَّمتَ في صَدرِك؟ "، قال: "أَجَل، يا رسُولَ الله! فعلِّمْنِي"، قال: "إذَا كانَ ليلةُ الجُمُعةِ، فإن استطَعتَ أَن تَقُومَ في ثُلُث اللَّيل الآخِرِ؛ فإنَّها سَاعَةٌ مَشهُودةٌ، والدُّعاء فِيهَا مُستَجَابٌ، وقد قال أَخِي يعقُوبُ لبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، يقُولُ: حتَّى تَأتِي لَيلةُ الجُمُعة، فإن لم تَستَطِع فقُم فِي وَسَطِها، فإن لم تَستَطِع فقُم في أوَّلها. فَصَلِّ أربعَ رَكْعاتٍ، تَقرَأُ في الرَّكعة الأُولَى بـ "فاتِحَةِ الكِتابِ" وسُورَةِ "يس"، وفي الرَّكعة الثَّانيَة بـ "فاتِحَةِ الكِتاب" وبـ "حم الدُّخَان"، وفي الرَّكعة الثَّالِثَة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"آلم * تَنزِيلُ السَّجدة"، وفي الرَّكعَة الرَّابِعةِ بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"تَبارَكَ المفصَّل". فإذا فَرَغتَ من التَّشهُّد، فاحمَدِ اللهَ، وأَحسِن الثَّنَاءَ على الله، وصَلِّ عليَّ وأَحسِن، وعَلَى سائِرِ النَّبِيِّين، واستَغفِر للمُؤمِنِين والمُؤمِنَات، ولإخَوانِك الذين سَبَقوك بالإِيمانِ، ثُمَّ
[ ١ / ١٣٢ ]
قُل في آخِرِ ذلِك: اللَّهُمَّ! ارحَمنِي بِتَركِ المَعَاصِي أبدًا ما أَبقَيتَنِي، وارحَمنِي أن أَتكلَّف ما لا يَعنِينِي، وارزُقنِي حُسنَ النَّظَر فيما يُرضِيك عَنِّي، اللَّهُمَّ! بَدِيعَ السَّمَاوات والأَرضِ، ذَا الجَلال والإِكرام، والعِزَّةِ التي لا تُرَامُ، أَسأَلُكَ يا اللهُ! يا رَحمَنُ! بجَلَالِكَ ونُورِ وَجهِك، أن تُلزِمَ قَلبِي حِفظَ كِتابِك كما عَلَّمتَنِي، وارزُقنِي أن أَتلُوَهُ على النَّحو الذي يُرضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ! بدِيعَ السَّمَاوات والأَرضِ، ذَا الجَلالِ والإِكرَام، والعِزَّةِ التي لا تُرَامُ، أسألُكَ يا اللهُ! يا رَحمَنُ! بجَلالِكَ ونُورِ وَجهِك، أن تُنَوِّر بِكِتَابِك بَصَرِي، وأن تُطلِقَ بِهِ لِسَانِي، وأن تُفَرِّج به عن قَلبِي، وأن تَشرَحَ به صَدرِي، وأن تَغسِلَ به بَدَنِي؛ فإِنَّه لا يُعِينُنِي على الحَقِّ غيرُك، ولا يُؤتِيهِ إلَّا أَنتَ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بالله العِليِّ العَظيمِ. يا أبا الحَسَن! فَافعَل ذلك ثَلَاث جُمَعٍ، أو خَمسًا، أو سَبعًا تُجَبْ بإِذن الله، والذي بَعَثَنِي بالحَقِّ! ما أَخطأَ مُؤمِنًا قَطُّ"، -قال عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ:- فوالله! ما لَبِث عليٌّ إلَّا خَمسًا، أو سَبعًا، حتَّى جَاءَ عليٌّ رسُولَ الله -ﷺ- في مِثلِ ذلك المَجلِسِ، فقال: "يا رَسُولَ الله! إنِّي كُنتُ فيما خَلَا لا آخُذ إلَّا أربعَ آياتٍ، أو نَحوَهُن، وإذا قَرأتُهُنَّ على نَفسِي تَفَلَّتنَ، وأنا أَتَعَلَّمُ اليومَ أربَعِين آيةً وَنَحوَها، وإذا قَرأتُها على نَفسِي فكأنَّما كِتابُ الله بَين عَينَيَّ، ولقد كُنتُ أَسمَعُ الحديثَ، فإذا رَدَّدتُهُ تَفَلَّت، وأنا اليَومَ أَسمَعُ الأحاديثَ، فإذا تَحَدَّثتُ بها لم أَخرِم مِنهَا حَرفًا"، فقال له رسُولُ الله -ﷺ- عِند ذلك: "مُؤمِنٌ، ورَبِّ الكَعبةِ! يا أبا الحَسَن! ".
أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٣٥٧٠)، قال: حدَّثَنا أَحمَدُ بن الحَسَن ..
وابنُ أبي عاصِمٍ في "الدُّعَاء" -كما في "النُّكَت الظِّراف" (٥/ ٩١) -،
[ ١ / ١٣٣ ]
ومِن طَرِيقِه الشَّجَرِيِّ في "الأَمَالِي" (١/ ١١٣ - ١١٤) قال: حدَّثَنا مُحمَّد ابن الحُسَين الرَّازِيُّ -وكان صَدُوقًا- ..
وعُثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّارِمِيُّ -كما في "النُّكُت" (٥/ ٩١) -، ومِن طَرِيقِهِ الحَاكِمُ (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغِيبِ" (١٢٧٠) عن عُثمانَ بنِ سعيدٍ الدَّارِمِيِّ ..
والحاكمُ أيضًا، وابنُ مَردَوَيهِ -كما في "النُّكَت" (٥/ ٩١) -، والبَيهَقِيُّ في "الصِّفات" (٦٧٣) عن أبي عبدِ الله البُوْشنْجِيِّ مُحمَّد بن إبراهيمَ العَبْدِيِّ ..
قالوا: ثنا سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن، قال: حدَّثَنا الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، قال: حدَّثَنا ابنُ جُرَيجٍ بهذا.
قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. لا نَعرِفُهُ إلَّا مِن حديث الوليد بن مُسلِمٍ".
ووَقَعَ في "أطراف المِزِّيِّ" أنَّهُ قال: "حديثٌ غريبٌ". وهذا هو اللَّائِقُ بحال الحديث.
وتُوبع سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن ..
تابعه هِشامُ بنُ عَمَّارٍ، ثنا الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، بهذا الإسناد بطُولِهِ.
أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "الأَفراد"، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعَات" (٢ - ١٣٨ - ١٣٩) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ الحَسَن بنِ مُحمَّدٍ المُقرِئُ، قال: حدَّثَنا الفَضلُ بنُ مُحمَّدٍ العَطَّارُ، قال: حدَّثَنا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ بهذا.
قال الدَّارَقُطنِيُّ: "تفرَّدَ به هِشامٌ، عن الوليدِ".
[ ١ / ١٣٤ ]
كذا قال! ورِوَايَةُ التِّرمِذِيِّ ترُدُّ عليه.
• قلتُ: فقد رأيتَ -أَرَاكَ اللهُ الخَيرَ- أنَّهُ رواهُ عن الوَلِيدِ بنِ مُسلِمٍ اثنان:
* أوَّلُهما: سُليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن ابنُ بنتِ شُرَحبِيلَ، أحدُ الثِّقَات. والخَلَلُ في روايته يأتي من جِهَتَين:
الأُولَى: إذا رَوَى عن الضُّعَفَاء والمَجَاهِيل، وكان مِن أَروَى النَّاس عَنهُم، كما قال أبُو حَاتِمٍ. ومن كَثُر هذا مِنهُ دلَّ على قِلَّة تمَيِيزٍ، كما قال أبو حاتِمٍ: "وهو عِندِي في حدِّ لَو أَنَّ رجُلًا وَضَعَ له حدِيثًا لم يَفهَم، وكان لا يُميِّز".
الثَّانِيَةُ: قال يعقُوبُ بن سُفيانَ في "تاريخه" (٢/ ٤٠٦): "كان سُليمانُ صحيحَ الحديثِ، إلَّا أنَّهُ كان يُحوِّل، فإن وَقَعَ فيه شَيءٌ فَمِن التَّنَفُّل" انتهَى. وهذا أيضًا، مع أنَّهُ أَخَفُّ مِن قول أبي حاتِمٍ، إلَّا أنَّهُ يدُلُّ على عَجَلَةٍ، وقِلَّةِ مُبَالاةٍ. ولستُ أسعَى بهذا إلى تَضعِيفِهِ، إنَّما لِأُبيِّن كيف وَقَعَ له الوَهَمُ في هذا الحديثِ.
وقد عَلَّق الشَّيخُ العَلَّامةُ عبدُ الرَّحمن بنُ يَحيَى المُعَلِّمِيُّ على قَولِ يعقُوبَ ابنِ سُفيانَ، في حاشِيَتِهِ على "الفوائد المجمُوعَة" (ص ٤٣) للشَّوْكَانِيِّ، فقال: "يَعنِي: أنَّ أُصُولَ كُتُبِهِ كانت صَحِيحةً، ولكنَّهُ كان يَنتَقِي مِنها أحاديثَ يَكتُبُهَا في أَجزاءَ، ثُمَّ يُحدِّث عن تِلكَ الأَجزَاءِ، فقَد يَقَعُ له خَطأٌ عِند التَّحوِيلِ، فيَقَعُ في بعضِ الأَحَادِيث في الجُزءِ خَطَأٌ، فيُحدِّث بِهِ. وَأَحسبُ بَلِيَّةَ هذا الخَبَر مِن ذاك، كأَنَّهُ كان في أَصلِ سُليمانَ خبرًا آخرَ، فيه: "حدَّثَنا الوَلِيدُ، حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ"، وعِندَهُ هذا الخَبَرُ بسَنَدٍ آخرَ إلى ابن جُرَيجٍ،
[ ١ / ١٣٥ ]
فانتَقَلَ نظَرُه عِند النَّقلِ مِن سَنَدِ الخَبَر الأَوَّل، إلى سَنَد الخبر الثَّانِي، فتَرَكَّبَ هذا الجُزءُ على ذاك السَّنَدِ، وكأنَّ هذا إنَّما اتَّفِق له أَخِيرًا، فلَم يَسمَع الحفاظُ الأَثبَاتُ كالبُخارِيِّ، وأبي زُرعَةَ، وأبي حاتِمٍ هذا الجُزءَ منه، ولو سَمِعَهُ أحدُهُم لنَبَّهَهُ، ليُراجِع الأصلَ" انتهَى.
وهذا الكَلَامُ النَّفِيسُ يؤَيِّدُه قولُ الذَّهَبِيِّ في "الميزان" (٢/ ٢١٤): "فلعَلَّ سُليمانَ شُبِّه له، وأُدخِلَ عليه، كما قال فيه أبو حاتِمٍ: لو أنَّ رجُلًا وَضَعَ لَهُ حديثًا لم يَفهَم" انتهَى.
• قلتُ: وكان سُليمانُ مِنَ الحُفَّاظ المَشهُورِين بِسِعَةِ مَروِيَّاتِهم، وقد قال الجُوْزْجَانِيُّ: "كُنَّا عند سُليمانَ بنِ عبدِ الرَّحمن، فلَمْ يَأذَن لنَا أيَّامًا، فلمَّا دَخَلنَا عليه، قال: بَلَغَنِي وُرُودُ هذا الغُلام الرَّازِيِّ -يعني: أبا زُرعَةَ-، فدَرَستُ لِلِقَائِهِ ثَلاثَمِئَةِ ألفَ حديثٍ"، وهذا العَدَدُ مع ضخَامَتِهِ، فليس كُلَّ مُحفُوظِهِ. فإذا كان مُكثِرًا هكذا، وهُو مع ذلك مِن أَروَى النَّاس عن الضُّعَفَاء والمَجَاهِيل، فدُخُولُ الخَلَل في رواياته مُتَحَقِّقٌ، لا مَحَالَةَ. أمَّا خَطَؤُهُ في نفسه فكما يُخطِئُ النَّاسُ، كما قال أبو داوُد.
* أمَّا رِوايَةُ هشام بن عمَّارٍ، فقد مَرَّ بنا أنَّ الفَضلَ بن مُحمَّدٍ العَطَّارَ رواها عن هشامٍ، عن الوَلِيدِ بن مُسلِمٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، وعِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ.
وخالَفَهُ جماعَةٌ، فرَوَوهُ عن هشامِ بنِ عمَّارٍ، قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ إبراهِيمَ القُرَشِيُّ، حدَّثَنِي أبو صالحٍ، وعِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال عليُّ ابنُ أيي طالبٍ: "يا رسُولَ الله! القُرآنُ يَنفَلِتُ مِن صَدرِي"، فقال النَّبيُّ
[ ١ / ١٣٦ ]
-ﷺ-: "أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ، يَنفَعُك اللهُ بِهِنَّ، ويَنفَعُ مَن علَّمتَه؟ "، قال: "نَعَم! بأبي أنتَ وأُمِّي! "، قال: "صَلِّ ليلةَ الجُمُعةِ أَربَعَ رَكْعاتٍ، تَقرَأُ في الرَّكعة الأُولَى بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"يس"، وفي الثَّانيَة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"حمَ الدُّخَان"، وفي الثَّالثة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"آلم* تَنزيلُ السَّجدة"، وفي الرَّابعةِ بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"تَبَارَكَ المفصَّل". فإذا فرَغتَ مِن التَّشهُّدِ، فاحمدِ اللهَ، واثنِ عليه، وصَلِّ على النَّبِيِّين، واستَغفِر للمُؤمِنِين، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ! ارحَمنِي بِتَركِ المَعَاصِي أبَدًا ما أَبقَيتَنِي، وارحَمنِي مِن أَن أَتَكَلَّف ما يَعنِينِي، وارزُقنِي حُسنَ النَّظَر فيما يُرضِيك عَنِّي، اللَّهُمَّ! بَدِيعَ السَّماوات والأرضِ، ذا الجَلالِ والإِكرامِ، والعِزَّة التي لا تُرَامُ، أسأَلُكَ يا اللهُ! يا رحمنُ! بجَلَالِك ونُورِ وَجهِك، أن تُلزِم قَلبِي حُبَّ كِتابِك كما علَّمتَنِي، وارزُقنِي أن أَتلُوَهُ على النَّحو الذي يُرضِيك عَنِّي، وأَسأَلُك أن تُنَوِّر بالكِتابِ بَصَرِي، وتُطلِقَ به لِسَانِي، وتُفَرِّجَ به عن قَلبِي، وتَشرَحَ به صَدرِي، وتَستَعملَ بِهِ بَدَنِي، وتُقَوِّينِي على ذَلِك، وتُعِينَنِي عليه؛ فإنَّهُ لا يُعِينُنِي على الخير غيرُك، ولا يُوفِّقُ له إلَّا أنتَ. فَافعَل ذلك ثلاثَ جُمَعٍ، أو خَمسًا، أو سَبعًا، تَحفَظُهُ بإذن الله، وما أَخطَأَ مُؤمنًا قَطُّ"، فأتَى النَّبيَّ -ﷺ- بعد ذلك بسَبعِ جُمَعِ، فأخبَرَهُ بِحِفظِهِ القُرآنَ والحديثَ، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "مُؤمِنٌ، وربًّ الكَعبَةِ! عَلِّم أبا حَسن، عَلِّم أبا حَسنٍ".
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢٠٣٦)، وفي "الدُّعاء" (١٣٣٣) قال: حدَثَنا الحُسَين بن إسحاقَ التُّسْتَرِيُّ ..
[ ١ / ١٣٧ ]
وابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٥٧٩) قال: أخبَرَنَا عبدُ الله بن مُحمَّد ابن مُسلِمٍ، ومُحَمَّد بن خُرَيم بن مَروَانَ ..
والعُقَيليُّ في "الضُّعَفَاء" (٥١٢٢) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ داوُد القُوْمَسِيُّ .. قالُوا: ثنا هشامُ بن عمَّارٍ بهذا.
ورِوايةُ الجَمَاعَةِ عن هِشامٍ أَولَى مِن رِوايَةِ الفَضلِ بن مُحمَّدٍ العَطَّارِ، لا سِيَّمَا وهذا اتَّهَمَهُ الدَّارَقُطنِيُّ بوَضعِ الحديثِ، وهو مِن مَشَايخ ابنِ عَدِيٍّ، وقد عَقَدَ له تَرجَمةً في "الكامل" (٦/ ٢٠٤٣)، قال فيها: "حدَّثَنا بأحَادِيثَ، لم نَكتُبهَا عن غَيرِه. ووَصَل أحاديثَ. وسَرَق أحاديثَ. وزَادَ في المُتُون".
فالغريبُ أن يُعَصِّب ابنُ الجَوزِيِّ جِنايَةَ هذا الإسنادِ بشَيخِ الدَّارَقُطنِيِّ وَحدِهِ -وهو الرَّاوِي عن الفَضلِ-، فقال في "الموضُوعَاتِ": "أنا لا أَتِّهِمُ به إلَّا النَّقَّاشَ شيخَ الدَّارَقُطنِيِّ؛ قال طلحةُ بنُ مُحمَّد بن جَعفَرٍ: كان النَّقَّاشُ يَكذِبُ، وقال البَرقَانِيُّ: كُلُّ حديثِهِ مُنكَرٌ، وقال الخطيب: أحاديثُهُ مَنَاكِيرُ بأسانيدَ مشهُورَةٍ" انتهَى.
فرَدَّ عليه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ -كما في "اللَّآلئ المصنُوعَةِ" (٢/ ٦٧) - قائلًا: "هذا الكَلَامُ تَهَافُتٌ؛ والنَّقَّاشُ بريءٌ مِن عُهدَتِهِ؛ فإنَّ التِّرمِذِيَّ أخرَجَهُ في "جامِعِهِ"، مِن طريق الوَلِيدِ به" انتهَى.
• قلتُ: إنَّمَا تَبرَأُ عُهدَةُ النَّقَّاش إذا تابَعَهُ أحدٌ مُتابَعَةً تامَّةً. والصَّوَابُ في رواية هشَام بنِ عمَّارٍ، أنَّهُ يَروِيهِ عن مُحمَّد بن إبراهيمَ القُرَشِيِّ، عن أبي صَالِحٍ، وعِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ.
وهذا الإسنادُ ضعِيفٌ جدًّا؛ ومُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ هذا تَرجَمَهُ العُقَيليُّ في
[ ١ / ١٣٨ ]
مَوضِع الحديث، وقال: "مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبي صالحٍ: مَجهُولان جَمِيعًا بالنَّقل. والحديثُ غيرُ محفُوظٍ"، ثُمَّ خَتَمَ التَّرجَمةَ بقوله: "ليس يَرجِعُ مِن هذا الحديثِ إلى صِحَّةٍ، وكِلَا الحديثَينِ ليس لَهُ أصلٌ، ولا يُتابَعُ عَلَيهِ".
• قلتُ: كذا ذَهَب العُقَيليُّ إلى أنَّ أبا صالحٍ هذا مجهولٌ، وخالَف في ذلك ابنُ الجَوزِيِّ، فقال في "الموضُوعات" (٢/ ٤٥٨ - الطَّبعة الجديدة) عقب الحديثِ: "وأبُو صالحٍ لا نعلمُهُ إلَّا إسحاقُ بن نَجِيحٍ، وهو مترُوكٌ"، وأقرَّهُ السِّيوطيُّ في "اللّآليء" (٢/ ٦٦)، وهو ليس عندي كما قال ابنُ الجَوزِيِّ -﵀-، بل هو عندي أبُو صالحٍ مولَى أُمِّ هانئٍ، واسمهُ: باذَانُ، أو: باذَامُ؛ فقد ذَكَرُوا أنَّه يَروِي عن عِكرمَة، وهو أعلَى طبقَةً من إسحاقَ بنِ نَجِيحٍ المَلطِيِّ. فالصَّحيح عِندي أنَّهُ مولى أُمِّ هانئٍ، وهو ضعيفٌ جدًّا، وقلَّ مَن رَضِيهُ. واللهُ تعالى أعلَمُ.
ولمَّا صحَّحَه الحاكمُ على شرطِ الشَّيخينِ، تعقَّبَهُ الذَّهبيُّ بقوله: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ شاذٌّ، أخافُ لا يكون مَوضُوعًا، فقد حيَّرَنِي والله جَودةُ إسنادِهِ! "، ثمَّ ذكر الذَّهبيُّ سند الحاكِم، وقال: "ذَكَره الوليدُ مُصرِّحًا بقوله: "ثنا ابنُ جُريجٍ"، فقد حدَّث به سُليمانُ قطعًا، وهو ثَبتٌ".
وقال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، في ترجمة: "سُليمانَ ابنِ عبد الرَّحمن"، وذَكَر هذا الحديثَ، قال: "وهُو مع نظافةِ سَنَدِه، حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا، في نفسِي مِنهُ شيءٌ، فاللهُ أعلَم، فلعلَّ سليمانَ شُبِّهَ له، كما قال فيه أبُو حاتمٍ: لو أنَّ رجُلًا وَضَع له حديثًا لم يَفهَم".
[ ١ / ١٣٩ ]
وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٣٦١): "طُرقُ وأسانيدُ هذا الحديث جيِّدةٌ، ومتنُه غريبٌ جدًّا" ا. هـ.
ولمَّا نَقَلَ ابنُ كثيرٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٢٩١) تَحسِين التِّرمذيِّ، أردَفَهُ بقولِهِ: "كذا قال" يعني أنَّه يُنكِره عليه.
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "لسان الميزان": "لعلَّ الوليدَ دلَّسَهُ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَر ابنُ أبِي حاتمٍ في ترجمة: "مُحمَّدِ بنِ إبراهيم القُرَشيِّ" أنَّه روى عنه الوَلِيدُ بنُ مُسلمٍ، وهِشامُ بنُ عمَّارٍ" ا. هـ.
• قلتُ: وهذا الحديثُ مُنكَرٌ، وليس إسنادُهُ نظيفًا كما قال الذَّهبيُّ، ولا جيِّدًا كما قال المُنذِريُّ؛ فإنَّ الوليدَ بنَ مُسلِم دلَّسه ولم يُصرِّح بالتَّحديث إلَّا في شيخه حسبُ. والمعروفُ أنَّ مُدلِّسَ التَّسويةِ يلزَمُه التَّصريحُ بالتَّحديثِ في كُلِّ طبقات السَّنَد، وقد صرَّح بذلك جماعَةٌ مِن المُحقِّقين، مِنهُم الحافظُ في "الفتح" (٢/ ٣١٨)، في حديثٍ آخرَ رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، فقال: "وقد صَرَّح بالتَّحديث في جميع الإسناد". فقول الذَّهبيِّ: "إنَّ الوليد صَرَّح بالتَّحديث" لا يَخفَى ما فيه؛ فإنَّ الوليدَ لا يُدَلِّسُ تَدلِيسَ الإسنادِ حسب حتَّى يُقال فيه ذلك.
وقد رأيتُ أبا حاتِمٍ الرَّازِيَّ سُئل عن حديثٍ -كما في "عِلَل وَلدِه" (١٨٧١، ٢٣٩٤) -، رواه بقيَّةُ بن الوليد، قال: حدَّثَنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ، وساق حديثًا. قال أبو حاتمٍ: "وكان بقيَّةُ يُدَلِّسُ، فظنُّوا هؤُلاء أنَّهُ يقولُ في كلِّ حديثٍ: حدَّثَنا، ولا يفتَقِدُون الخَبَر منه" ا. هـ.
[ ١ / ١٤٠ ]
ومَعنَى كلامِ أبي حاتمٍ -عندي- أنَّ علَّةَ الخَبَر هي مِن عَنعَنة بقيَّة بن الوليد؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ، فلا يقُولَنَّ أحدٌ: إنَّه صرَّح بالتَّحديث من ابن جُريجٍ، بل لا بُدَّ أن يُصَرِّح بالتَّحديث من فوق ابن جُريجٍ فصاعدًا، وهذا معنى قولِه: "لا يفتَقِدُون الخبر منه".
ونَقَلَ كلامَ أبي حاتمٍ هذا: الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٢٩٨)، في ترجَمة: "هشام بن خالدٍ الأَزرَقِ"، ثُمَّ قال: "مِن ثقات الدَّمَاشقَة، ولكن يَرُوجُ عليه … -ثُمَّ قال، مُعقِّبًا على قول أبي حاتمٍ في تدليس بقيَّة:-هذا القولُ ينقُله إلى حديث حِفظِ القُرآن، فهو باطلٌ، وقد قال فيه: حدَّثَنا" انتهى.
• قلتُ: وأنا لم أَفهَم كلامَ الذَّهَبِيِّ. ولا أعلَمُ أنَّ بقيَّةَ روَى حديث حفظِ القرآن الذي نحن بصَدَدِ الكلام عنه، إنَّما رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، كما مَرَّ بك، وهو -أعني الوليدَ- يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ كبقيَّةَ. فهل أراد الذَّهبيُّ أن يقُول: علَّةُ الخبرِ الذي رواه بقيَّةُ عن ابنِ جُريجٍ، مثلُ عِلَّة الخبرِ الذي رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ عن ابنِ جُريجٍ؟ فكلاهما صَرَّح بالتَّحديث من ابنِ جُريجٍ، وهذا لا يَكفِي، حتَّى يُصَرِّح بالتَّحديث في جميع الإسناد. هل أراد الذَّهَبيُّ هذا المعنَى؟! إن كان أرادَهُ فهذا يَرُدُّ قولَه المُتَقَدِّمَ آنفًا: "الوليدُ بنُ مُسلِمٍ صرَّح بالتَّحديث". وإن كان مرادُهُ غيرَ ذلك، فإنِّي لم أفهمه. والله أعلمُ.
ثُمَّ ابنُ جُريجٍ مدلِّسٌ أيضًا، وقد عنعنه من جميعِ طُرُقه، وتدليسُهُ قبيحٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ، فقد يكونُ أَسقَطَ مِن الإسناد مُتَّهَمًا أو نحوَه، فتكون البَلِيَّةُ من ذاك السَّاقطِ.
[ ١ / ١٤١ ]
وقد قال الحافظُ في "اللِّسان" (٦/ ٤٧٢): "رواه التِّرمِذِيُّ مِن طريق الوليد، عن ابن جُرَيجٍ، ليس بينَهُمَا واسطَةٌ. فلعلَّ الوليدَ دَلَّسَةَ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَرَ ابنُ أبي حاتمٍ في ترجَمَةِ: "مُحمَّد بن إبراهيم" أنَّهُ رَوَى عنهُ الوليدُ ابنُ مُسلِمٍ، وهشامُ بنُ عمَّارٍ" انتهَى.
• قلتُ: وهذا التَّرَجِّي من الحافظِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّهُ ثبَتَ أنَّ الوليدَ بنَ مُسلِمٍ صرَّحَ بالتَّحديث مِن ابن جُرَيجٍ. نعم! يكونُ الكلامُ مقبُولًا لو كان ابنُ جُريجٍ هو الذي يروِيهِ عن مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ، فنقُولُ حينئِذٍ: إنَّ الوليدَ دلَّسَهُ؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسوِيَةِ، ويكُونُ مِن فوقِ شيخِ الوَلِيدِ.
وبالجُملَةِ: فالحديثُ باطِلٌ. والحمدُ لله تعالَى.
ووجدتُ للحديثِ طرِيقًا أخرَى عن ابن عبَّاسٍ، بسِيَاقٍ آخرَ ..
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الدُّعاء" (١٣٣٤) قال: حدَّثَنَا يحيى بنُ أيُّوبَ العَلَّافُ المِصرِيُّ، ثنا أبو الطَّاهِرِ ابنُ السَّرحِ، ثنا أبو مُحمَّدٍ مُوسى بنُ عبدِ الرَّحمنِ الصَّنعَانِيُّ المُفَسِّرُ، حدَّثَنِي ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال. (ح) وحدَّثَنا (^١) مُقاتِلُ بن حَيَّانَ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ -﵁-، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: "مَن سَرَّهُ أن يُوعِيهِ اللهُ -﷿- حِفظَ القُرآن وحِفظَ أصنافِ العلمِ فَليَكتُب هذا الدُّعَاءَ في إِناءٍ نَظِيفٍ، أو في صَحْفَةِ قَوارِيرَ، بعَسَلٍ، وزَعفَران، وماءِ مطَرٍ،
_________________
(١) قال مُحقِّق كتاب "الدُّعاء" في هذا الموضع: "هكذا جاء مُنقطِعًا، ومقاتِلُ بن حَيَّان قطعًا ليسَ شيخَ الطَّبَرانيِّ" كذا قال! ظَنَّ أنَّ القائَلَ بعد حرف التَّحويلِ (ح): "حدَّثَنا مقاتل بن حيَّان" هو الطَبَرانيُّ، وليسَ كذلك، بل القائلُ هو مُوسَى بنُ عبد الرَّحمن الصَّنعَانِيُّ. والله أعلم.
[ ١ / ١٤٢ ]
ويَشرَبه على الرِّيقِ، وليَصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، وليَكُن إفطارُهُ عليه؛ فإنَّهُ يَحفَظُها إن شاء اللهُ -﷿-، ويَدعُو به في أَدبَارِ صَلَواتِه المكتُوبَةِ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أسأَلُكَ بأنَّكَ مسؤُولٌ، لم يُسأَلْ مِثلُكَ، ولا يَسأَل، أَسألُكَ بحقِّ مُحمَّدٍ رسُولِك ونبِيِّك، وإبراهيمَ خَلِيلِكَ وصفِيِّك، ومُوسَى كلِيمِكَ ونجِيِّك، وعيسى كلِمَتِك ورُوحِك، وأسألُكَ بصُحُف إبراهيمَ، وتَورَاةِ مُوسَى، وزَبُور داوُدَ، وإنجِيلِ عِيسَى، وفُرقَانِ مُحمَّدٍ، وأسأُلُكَ بكُلِّ وحيٍ أوحَيتَهُ، وبكُلِّ حقٍّ قضَيتَهُ، وبكُلِّ سائلٍ أعطَيتَهُ، وأسأَلُكَ بأسمائِكَ التي دَعَاكَ بها أَنبِيَاؤُكَ فاستُجِيبَ لهم، وأسأَلُكَ باسمِكِ المخزُونِ المكنُونِ الطُّهرِ الطَاهِرِ المُطَهَّرِ المُبارَك المُقَدَّس الحَيِّ القَيُّومِ ذِي الجلال والإِكرَام، وأَسأَلُك باسمِكَ الواحِدِ الأَحَدِ الصَّمَدِ الفَردِ الوِترِ، الذي ملَأَ الأَركانَ كُلَّها، والذي مِن أركَانِكَ كُلِّها، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضعتَهُ على السَّمَاوَاتِ فقامَت، وأسأَلُك باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الأرَضِين فاستَقَرَّت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الجِبَالِ فرَسَت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على اللَّيلِ فأَظلَم، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضَعتَهُ على النَّهَار فَاستَنَارَ، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي يَحيَى به العِظامُ وهي رَمِيمٌ، وأسألُكَ بكتابك المُنزَّلِ بالحَقِّ، ونُورك التَّامِّ: أن تَرزُقَنِي حِفظَ القُرآن، وحِفظَ أصناف العِلمِ، وتُثَبِّتَهَا في قَلبِي، وأن تَستَعمِلَ بها بَدَنِي، في لَيلي ونَهَارِي، أبدًا ما أَبقَيتَنِي، يا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! ".
وهذا حديثٌ باطلٌ، مُنكَرٌ جِدًّا؛ وآفتُهُ مُوسَى بنُ عبدِ الرَّحمنِ هذا: أَحَدُ التَّلفَى. قال ابنُ حِبَّان: "دَجَّالٌ. وَضَعَ على ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ،
[ ١ / ١٤٣ ]
عن ابن عبَّاسٍ كِتابًا في التَّفسِيرِ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "مُنكَرُ الحديث"، وساق له أحاديثَ بَواطِيلَ.
(تَنبِيهٌ)
ذَكَرَ بعضُ المُعاصِرِينَ في كتابٍ لَهُ سمَّاهُ "هَديَ النَّبِيِّ" (ص ٢٣٩)، هذا الحديثَ -أعني: حديثَ الوَلِيدِ بنِ مُسلِمٍ-، وقال: "فإنَّا نُرجِّحُ القَولَ بِضَعفِ الحديثِ، ونَرفُضُ القَولَ بأنَّهُ موضُوعٌ رَفضًا بَاتًّا. فالحَدِيثُ، وإن كان ضَعِيفًا، فإِنَّنَا نَرَى أنَّهُ لا مَانِع من العَمَل بِهِ".
• قلتُ: مُصِيبَةُ هؤُلاء أنَّهُم لم يُمَارِسُوا عِلمَ الحديثِ، ولم يُعَانُوا النَّظَر في كُتُب الأَئِمَّة الماضِينَ. وأَكثَرُ هؤُلاءِ على طرِيقَةِ المُتسَاهِلِين من المُتأَخِّرِين، أَمثَالِ السِّيُوطِيِّ وغَيرِهِ في دَعوَى رَدِّ أنَّ الحَدِيثَ مَكذُوبٌ؛ لأنَّهُ لا يُوجَدُ في إسنادِهِ وَضَّاعٌ، أو كَذَّابٌ. فتَرَى السِّيُوطِيَّ -﵀- في كتابه "اللَّاَلئ المصنُوعَة" يرُدُّ كثِيرًا على ابنِ الجَوزِيِّ في حُكمِهِ على الحديثِ بالوَضعِ، فيقُولُ: "ليس بموضُوعٍ؛ وفُلانٌ رَوَى له ابنُ مَاجَهْ"، فإذا رَجَعتَ إلى ترجمَةِ هذا الرَّاوِي وجَدتَهُ ساقِطًا عن حدِّ الاعتِبَارِ بحدِيثِهِ، وأَجمَعَ العُلماءُ على تَركِهِ. فهُو يُرِيدُ أن يَقُولَ: الحديثُ ضعيفٌ جِدًّا، ولكنَّهُ ليسَ موضُوعًا إِذ أنَّهُ في غالب أمرِهِ، يَستَلزِمُ وُجُودَ كذَّابٍ في الإسناد حتَّى يَحكُمَ عليه بالوَضعِ. وهذا ليسَ بلَازِمٍ؛ فالرَّاوِي المُغَفَّلُ قد يُلَقَّنُ بالحديث المكذُوبِ، ولِغَفلَتِهِ يَروِيهِ. وسأُعطِيكَ نمَاذِجَ من تَصَرُّفِ عالِمٍ من أَكبَرِ عُلَمَاءِ الحديثِ في زَمَانِهِ -أَلَا وهو أبُو حاتِمٍ الرَّازِيُّ- حَكَمَ على الحديثِ بأنَّهُ موضُوعٌ، أو مَكذُوبٌ، أو مُفتَعَلٌ، مع أنَّ رَاوِيهِ مجَهُولٌ،
[ ١ / ١٤٤ ]
أو سَيِّءُ الحِفظِ، بَل وَقَد يَكُونُ ثِقةً، أو ما يُقَارِبُهُ، ويَحكُمُ على حديثِهِ بالوَضعُ.
فهاك بعضُ أمثِلَةٍ، من كِتابِ "عِلَل الحَدِيث" لابنِ أبي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ -﵀ عَلَيهِمَا- ..
١ - قال (رقم ١٠٤): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ ابنُ لَهيعَةَ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروَةَ، عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ، عن أبِيهِ، عن النّبِيِّ -ﷺ-، أنَّ جِبرِيلَ -﵇- أتَاهُ، فأَرَاهُ الوُضُوءَ، فلمَّا فَرَغَ نَضَحَ فَرجَهُ.
قال أبي: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ باطِلٌ".
٢ - وقال (رقم ١٨٠): "وسَأَلتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ بقِيَّةُ، عن أبي سُفيان الأَنمَارِيِّ، عن يَحيَي بنِ سعِيدٍ الأَنصَارِيِّ، عن سعِيدِ بنِ المُسيّبِ، عن عُثمانَ، عن النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ تَوضَّأَ، وخلَّلَ لحِيَتَهُ.
فقال: هذا حدِيثٌ موضُوعٌ. وأبُو سُفيانَ الأَنمَارِيُّ مجهُولٌ".
٣ - وقال (رقم ١٩٦): "قال أبُو مُحمَّدٍ: سمِعتُ أبي يقُولُ: كَتبتُ عن ثابِتِ بنِ مُوسى، عن شَرِيكٍ، عن الأَعمَشِ، عن أبي سُفيَانَ، عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "مَن صَلَّى بِاللَّيلِ حَسُن وَجهُهُ بِالنَّهارِ".
قال أبي: فذَكَرتُهُ لابنِ نُمَيرٍ، فقال: الشَّيخُ لا بَأسَ بِهِ، والحدِيثُ مُنكَرٌ.
قال أبى: الحدِيثُ موضُوعٌ".
٤ - وقال (رقم ٨٩٢): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ بِشرُ بنُ المُنذِرِ الرَّمِليُّ، عن مُحمَّدِ بنِ مُسلِمٍ الطَائِفِيُّ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، عن جابِرِ بنِ عَبد الله، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: "العُمرةُ إِلى العُمرةِ كفَّارةٌ لما بينَهُما،
[ ١ / ١٤٥ ]
والحجُّ المَبرُورُ ليس لهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجنَّة"، قيل: "وما بِرُّهُ، يا رسُول الله؟ "، قال: "إِطعامُ الطَّعام، وطِيبُ الكلام".
فسمِعتُ أبي يقُولُ: هذا حدِيثٌ مُنكَرٌ، شِبهُ الموضُوعِ. وبِشرُ بنُ المُنذِرِ كان صَدُوقًا".
٥ - وقال (رقم ١١٦٠): "وسمِعتُ أبي وحدَّثَنا: عن هِشامِ بنِ عمَّارٍ، قال: حدَّثَنا إِسماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن سُهيلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي قَتَادَةَ، عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: "مَن سَرَّهُ أن يُنْجِيهُ الله مِن كُرَب يومِ القِيامةِ، وأن يُظِلَّهُ تحت ظِلِّ العَرشِ، فليُنظِر مُعسِرًا".
قال أبي: هذا حدِيثٌ باطِلٌ كَذِبٌ، قد أُدخِلَ على هِشامٍ".
٦ - وقال (رقم ١١٦٥): "وسألتُ أبي عن حَدِيثٍ رواهُ عبدُ الكَرِيمِ ابنُ عَبدِ الكَرِيمِ النَّاجِيُّ، عن الحسَنِ بنِ مُسلِمٍ، عن الحُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن ابنِ بُرَيدَةَ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: "مَن حَبَسَ العِنَبَ أيَّام القِطافِ لِيبِيع مِن يَهُودِيٍّ، أو نَصرَانِيٍّ، كان لهُ مِن الله مَقتٌ".
قال أبي: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ باطِلٌ.
قُلتُ: تعرِفُ عَبدَ الكرِيمِ هذا؟ قال: لا.
قُلتُ: فتعرِفُ الحَسَنَ بن مُسلِمٍ؟ قال: لا، ولكِن تدُلُّ رِوايتُهُم على الكَذِب".
٧ - وقال (رقم ١٢٠٥): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ كثِيرُ بنُ هِشامٍ، عن جعفرِ بنِ بُرقَانَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالِمٍ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، أنَّهُ نَهَى أن يَجلِس الرَّجُلُ على مائِدةٍ يُشرَبُ عليها الخَمرُ، وأن
[ ١ / ١٤٦ ]
تُنكَح المرأةُ على عَمَّتِها.
قال أبي: هذانِ الحدِيثانِ خطَأٌ، يروِيهِ عن جَعفَرٍ، عن رجُلٍ، عن الزُّهرِيِّ هكذا، وليس هذا مِن صحِيحِ حدِيثِ الزُّهرِيِّ …
-ثُمَّ قال:- وأمَّا قِصَّةُ المائِدةِ فهُو مُفتَعَلٌ، ليس مِن حدِيثِ الثِّقَات".
٨ - وقال (رقم ١٢٥٢): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ عُبَيدُ بنُ إِسحاق، عن سِنان بنِ هارُون، عن حُميدٍ، عن أنَس، قال: قالت أُمُّ حبِيبة: "يا رسُول الله! المرأةُ مِنَّا يكُونُ لها زَوجانِ في الدُّنيا، ثُمَّ تمُوتُ، فتدخُلُ الجَنَّة هي وزَوجَاهَا، لأيِّهما تكُونُ: لِلأوَّلِ، أو لِلآخِرِ؟ "، قال: "تَخَيَّرُ أحسنَهُما خُلُقًا كان معها فِي الدُّنيَا، فيكُونُ زوجَها فِي الجنّةِ"، قالت أُمُّ حبِيبةَ: "ذَهَبَ حُسنُ الخُلُقِ بِخيرِ الدُّنيا والآخِرةِ".
قال أبي: هذا حدِيثٌ موضُوعٌ، لا أصل لهُ. وسِنانُ عِندنا مستُورٌ".
٩ - وقال (رقم ١٢٩٦): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ مُحمَّدُ بنُ المُصَفَّى، عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قال: "إِنَّ الله -﷿- وَضَعَ عن أُمَّتِي الخطأَ، والنِّسيانَ، وما استُكرِهُوا عليه". ورَوَى ابنُ مُصفَّى عن الولِيدِ بنِ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، مِثلَهُ. وعنِ الولِيدِ، عن مالِكٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، مِثلَهُ. وعنِ الولِيدِ، عن ابنِ لِهيعَةَ، عن مُوسى ابنِ وَردَانَ، عن عُقبة بنِ عامِرٍ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، مِثلَ ذلِك.
قال أبي: هذِهِ أحادِيثُ مُنكَرَةٌ، كأنَّها موضُوعَةٌ.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال أبي: لم يَسمَع الأَوزَاعِيُّ هذا الحدِيثَ، من عطاءٍ، إنَّهُ سمِعهُ مِن رجُلٍ لم يُسمِّه، أَتوهَّمُ أنّهُ عَبدُ الله بنُ عامِرٍ، أو إِسماعِيلُ بنُ مُسلِمٍ، ولا يصِحُّ هذا الحدِيثُ، ولا يَثبُتُ إِسنادُهُ".
١٠ - وقال (رقم ١٤٨٤): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ عَبدُ الله بنُ المُطَّلِبِ العِجِليُّ، عن الحَسَنِ بنِ ذَكوَانَ، عن يَحيَى بنِ أبي كثِيرٍ، عن أبي سلَمَة، عن أبي هُريرَة، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "إِنَّ أهلَ البيتِ ليقِلُّ طعامُهُم، فتَستَنِيرُ بُيُوتُهُم".
قال أبي: هذا حدِيثٌ كذِبٌ. وعبدُ الله بنُ المُطَّلِبِ مجهُولٌ".
١١ - وقال (رقم ١٥٤٣): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ حدَّثَنا بِهِ عمّارُ ابنُ خالِدٍ الوَاسِطِيُّ، عن شَيخٍ مِن أَهلِ البَصرَةِ يُكْنَّى أبا الفَضلِ الأَشجَّ، عن جعفرِ بنِ مُحمَّدٍ، عن أبِيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله -ﷺ- عن أَكَلِ الطِّينِ، وقال: "مَن أَكَلَ الطِّينَ، فقد أعان على قتلِ نفسِهِ".
فسمِعتُهُ يقُولُ: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ. والشَّيخُ لا أعرِفُهُ".
١٢ - وقال (رقم ١٦٢٧): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ أبُو عَقيلٍ ابنُ حاجِبٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن سعِيدِ بنِ قمَاذِينَ، عن عُثمانَ بنِ أبي سُليمانَ، عن سعِيدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن عَبدِ الله بنِ حَبَشِيٍّ، قال: سمِعتُ رسُول الله -ﷺ-، يقُولُ: "لا تَطرُقُوا الطَّير فِي أَوكَارِها؛ فإِنَّ اللَّيلَ أَمَانٌ لها".
قال أبي: يُقالُ: إِنَّ هذا الحدِيثَ مِمَّا أُدخِل على عَبدِ الرَّزَّاقِ. وهُو حدِيثٌ موضُوعٌ".
[ ١ / ١٤٨ ]
١٣ - وقال (رقم ١٨٤٦): "وَسَأَلتُ أبي عن حَدِيثٍ رَوَاهُ المُسَيَّبُ ابنُ وَاضِحٍ، عن بَقِيَّةَ، عن سَعِيدِ بنِ بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، عن مُوَرِّقٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "لكُلِّ عبدٍ رِزقُهُ مِنَ الدُّنيَا، هو يأتيه لا مَحالةَ، فَمَن رَضِيَهُ بُورِكَ له فيه، وَوَسِعَهُ، ومن لم يَرض به لم يُبَارَك له فيه، ولم يَسَعْهُ".
قَالَ أبي: هذا حَدِيثٌ مُنكَرٌ جِدًّا، كأنَّهُ موضُوعٌ. لا نَعرِفُ لموَرِّقٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ حديثًا مُسنَدًا".
١٤ - وقال (رقم ١٨٥٢): "وَسأَلتُ أبي عن حديث مُحَمَّدِ بنِ أُمَيَّةَ السَّاوِيِّ، عن نَوفَلِ بنِ سُليمانَ الهُنَائِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمَر العُمَرِيِّ، عن نَافعٍ، عن ابنَ عُمرَ، قال: وَقَفَ النَّبيُّ -ﷺ- بِعُسْفَانَ، فَقال: "لَقَد مَرَّ بهذه القَريةِ سبعون نَبِيًّا، ثِيابُهُم العَبَاءُ، وَنِعَالهُمُ الخُوصُ".
فسَمِعتُ أبي يَقُولُ: هذا حَدِيثٌ موضُوعٌ بهذا الإسناد، ونَوفَلُ بنُ سُليمانَ هذا ضعيفُ الحدِيث".
١٥ - وقال (رقم ١٨٧١، ٢٣٩٤): "وَسَمِعتُ أبي رَوَى عن هِشَامِ ابنِ خَالِدٍ الأزرقِ، قال: حدَّثَنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "مَن أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ مِن سَقَمٍ، أَو ذَهَابِ مالٍ، فاحتَسَب، ولم يَشْكُ إلى النَّاسِ، كان حَقًّا على الله أَن يَغفِرَ له".
قال أبي: هذا حَدِيثٌ موضُوعٌ، لا أَصلَ له. وكان بَقِيَّةُ يُدَلِّسُ، فظَنُّوا هؤلاء أنَّه يقول في كُلِّ حَدِيثٍ: "حدَّثَنا"، ولا يَفتَقِدُون الخَبَرَ منه".
[ ١ / ١٤٩ ]
١٦ - وقال (رقم ١٩٤٥): "وسمِعتُ أبي وحدَّثَنا عن يَحيَى بن عُثمان ابن صالحٍ المِصرِيِّ، عن أبيه، عن ابنِ لِهَيعَةَ، عن أبي عُشَّانَةَ حَيِّ بن يُؤمِن، عن عُقبَةَ بن عامِرٍ الجُهَنِيِّ، قال: قال رسُول الله -ﷺ-: "لو كان فيكم مُوسَى وعصَيتُمُوني دخَلتُم النَّارَ".
قال أبي: هذا حَدِيثٌ كَذِبٌ. قال أَبُو مُحمَّدٍ: أَبُو عُشَّانَةَ ثِقَةٌ".
١٧ - وقال (رقم ١٩٦٦): "وسألتُ أبي عن حَدِيثٍ رواهُ ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثَني أبي، عن عُمَر بنِ شَيبَةَ بنِ أبي كَثِيرٍ مَولى أَشجَعَ، وَثَورِ بن يزيدَ، وخالِهِ مُوسَى بنِ مَيسَرَةَ الدَّيْلِيَّيْنِ وغيرِهِ، عن نُعَيمٍ المُجْمِرِ، وعن سعيد بن أبي سَعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة، رفَعُوا الحدِيثَ، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "يعودُ الإِسلامُ كما بَدَأَ، -أي: أنَّهُ بدأَ غَرِيبًا وسيَعُودُ غَرِيبًا-، فطُوبَى للغُرَبَاءِ"، فقيل: "يا رسُولَ الله! ومَن الغُربَاءُ؟ "، قال: "الذين يَصلُحُونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ".
قال أبي: عُمَر بنُ شَيبَةَ مجَهُولٌ. وهذا حَدِيثٌ مَوضُوعٌ".
• قلتُ: فهذه نَمَاذِجُ من صنيعِ أبي حَاتِمٍ، وليس في سَنَدِ حديثٍ مِنهَا كذَّابٌ، أو وَضَّاعٌ، بل بعضُهُم ثِقاتٌ، مثلُ عبدِ الرَّزَّاق، وأبي عُشَّانَةَ، ومِنهُم صادِقُونَ سَيِّئُو الحِفظِ، ومِنهُم المَجاهِيلُ.
ثُمَّ قولُه: "إنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ يُعمَلُ به"، بَنَاهُ على قولِ بعضِ أهلِ العِلمِ: "يُعمَلُ بالضَّعِيف في فضَائِلِ الأَعمَالِ". والعُلماءُ الذين نَصُّوا على ذلك يَشتَرِطُون ألَّا يَشتَدَّ ضَعفُهُ، ولا يَعرِفُ هذا إلَّا أهلُ الحديثِ وَحدهم، فخَرَجَ بهذا القَيدِ سائِرُ أهل الفُنُون الأُخرَى، مِمَّن
[ ١ / ١٥٠ ]
لم يَتَعَانَوْا عِلمَ الحَدِيثِ، مِثلُ الفُقهاءِ، وأهلِ التَّفسِيرِ، والعَرَبِيَّةِ، فَضلًا عن غَيرِهِم.
والكَلامُ في المسألة طَوِيلُ الذَّيل. وقد تَكَلَّمتُ عنها في عِدَّة مَوَاضِعَ مِن كُتُبِي. والله المُوَفِّقُ. وانظُر ما يأتي برقم (١١٥) إن شاء الله.
وبالجُملة، فالحديثُ لا يَصِحُّ سندًا، ولا متنًا.
والله أَعلَمُ.
[ ١ / ١٥١ ]