٣٤ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللّهَ -﷿- وَكَّلَ بِعَبدِهِ المُؤمِنِ مَلَكَينِ يَكتُبَانِ عَمَلَهُ، فَإِذَا مَاتَ قالا: يَا رَبِّ! وَكَّلتَنَا بِعَبدِكَ المُؤمِنِ نكتُبُ عَمَلَهُ، وَقَد قَبَضتَهُ، فَأْذَن لَنَا أَن نَصعَدَ إِلَى السَّمَاءِ. قال: سَمَائِي مَملُوءَةٌ مِن مَلَائِكَتِي يُسَبِّحُونَ. قالا: ائذَن لَنَا أَن نَسكُنَ الأَرضَ. قال: أَرضِي مَملُوءَةٌ مِن خَلقِي يُسَبِّحُونِي، وَلَكِنْ قُوْمَا عَلَى قَبرِ عَبدِي، فَسَبِّحَانِي، وَهَلِّلَانِي، وَكَبِّرَانِي، وَاحمَدَانِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَاكتُبَا ذَلِكَ لِعَبدِي".
وذكر السَّائل أنَّه قرأ هذا الحديث في "مُختَصر مِنهاجُ القاصِدين".
• قلتُ: هذا الحديثُ باطلٌ، ويُشبِه أن يكون موضُوعًا.
أخرجه إِسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ في "مُسنَدِه" -كما في "نصب الرَّاية" (١/ ٤٣٤) -، وأحمدُ بنُ مَنِيعٍ في "مُسنَده" -كما في "المطالب العالية" (ق ٩٨/ ٢) -، وأبُو الشَّيخ في "كتاب العَظَمة" (٥٠٣)، والبَيهقيُّ في "الشُّعَب" -كما في "الدُّرِّ المنثور" (٦/ ١٠٥) -، وابنُ الجوزيِّ في "الموضوعات" (٣/ ٢٢٩) من طريق عُثمانَ بنِ مَطَرٍ، عن ثابتٍ البُنَانِيِّ، عن أنسٍ رَفَعه.
[ ١ / ١٥٢ ]
قال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يَصِحُّ، وقَد اتَّفَقُوا على تضعيف عُثمانَ بنِ مَطَرٍ".
قلتُ: وعُثمانُ بنُ مَطرٍ، ضعَّفَهُ ابنُ المَدِينيِّ جِدًّا، وابنُ معِينٍ، وأبو زُرعةَ الرَّازيُّ، وأبو حاتمٍ، وقال: "مُنكَر الحديث"، وأبو داوُد، والنَّسائيُّ، وقال النَّسائيُّ أيضًا: "ليس بثقةٍ"، وقال البُخاريُّ: "عنده غرائبُ"، وهذه الصِّيغة من البُخاريِّ تُفيد الضَّعفَ الشَّديد، وقال مرَّةً أُخرَى: "مُنكَر الحديث"، وكذلك أبُو أحمَدَ الحاكمُ، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان مِمَّن يَروِي الموضُوعاتِ عن الأَثباتِ، لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به". والكلام فيه طويلُ الذَّيل. وتَفَرُّد مثلِه عن ثابتٍ فيه دلالةٌ على سُقوط حديثِهِ.
وقد ذَكَر السِّيوطيُّ في "اللَّاَلئ المصنُوعة في الأحاديث الموضُوعة" (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣) شَواهدَ لهذا الحديثِ، عن أبي بكرٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ -﵄- لا يخلو سَنَدُ أحدِها من مُتَّهَمٍ أو كَذَّابٍ.
فالحديث لا يَصِحُّ من أيِّ وجهٍ من هذِهِ الوُجوه.
واللهُ ﷾ أَعلمُ.
[ ١ / ١٥٣ ]