• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرجَهُ البزَّارُ (ج ١ / رقم ٣٥٧) قال: حَدَّثنا أحمد بن منصور بن سيَّارٍ، ثنا عَتَّاب بن زيادٍ، ثنا أبُو حمزة السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ مرفُوعًا: "الإمام ضامنٌ، والمُؤَذِّن مُؤتَمنٌ. اللَّهُمَّ! أَرشِد الأئمةَ، واغفِر لِلمُؤذِّنين"، قالُوا: "يا رسول الله! لقد تَرَكتَنَا نتنافسُ في الأذان بعدك"، قال: " إِنَّهُ سيكونُ قومٌ … الخ".
وأخرجه أبُو عُثمان البَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٥/ ٢) من طريق مُحمَّد بن عمرو بن مَوجَةَ، ثنا عَبدانُ، ثنا أبُو حمزةَ السُّكَّريُّ بسنده سواءٌ.
قال البزَّارُ: "وقد رَوَى صدرَه عن الأعمش جماعةٌ، على اضطرابهم فيه وفي إسنادِه، وتفرَّد بآخرِهِ أبُو حمزةَ، ولم يُتابَع عليه".
ووافق البزَّارَ على هذا الحكمِ جماعةٌ من العُلماء، مِنهُم ابن عبد البَرِّ، فقال في "التَّمهيد" (٢٢/ ١٥): "وهذا الحديث انفرد به أبُو حمزة هذا، وليس بالقويِّ".
وقال الخَلِيليُّ في "الإرشاد" (٣/ ٨٨٤ - ٨٨٥): "وهذه اللَّفظة لا تُروَى إلَّا من رواية أبي حمزة، ورُبَّما هذا مِن قولِ بعض الرُّواة، ولا يَصحُّ هذا عن النَّبيِّ -ﷺ-، وجملتُه أنَّه ثقةٌ مأمونٌ -يعني: أبا حمزة-".
[ ١ / ١٧١ ]
وكذلك قال الدَّارقُطنيُّ في "العلل" (ج ٣/ ق ١٧٧/ ١)، وقالَ: "ليس هذا اللَّفظُ محفوظًا".
وقال ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٩٧) في ترجمة عيسَى بنِ عبدِ الله العَسقَلانِيِّ؛ قال: "وهذه الزَّيادةُ: "فقال رجلٌ لقد تركتَنَا تنافسُ الأذان بعدك" لا يُعرَفُ إلَّا لأبي حمزَةَ السُّكَّريِّ، عن الأعمش".
• قلتُ: كذا، تَتابع العُلماءُ على هذا القول، مع أنَّ أبا حمزةَ لم يَتفرَّد بها، فقد تابَعَه عمرُو بنُ عبد الغفَّار، ومُحمَّدُ بنُ عُبيدٍ، قالا: ثنا الأعمشُ، بسندِهِ سواءٌ بتمامه.
أخرجه البَيهقيُّ في "الكُبرَى" (١/ ٤٣٠)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٢٨٠١)، واختصر الزِّيادة في "الشُّعَب".
ولكنْ عمرُو بن عبد الغفَّار متروكٌ، تَرَكه أبُو حاتمٍ، واتَّهمه ابن عديٍّ بوضع الحديث، فمتابَعَتُه هي والعدمُ سواءٌ.
ومُحمَّد بن عُبيدٍ الطَّنافسيُّ ثقةٌ، لكن قال أحمدُ: "كان يُخطِئُ، ولا يَرجِعُ عن خَطئِه".
وأبو حمزة السُّكَريُّ اسمُه مُحمَّدُ بن ميمون، وهو أحدُ الفُحُول، ولكِنَّهُ تغيَّر في آخر عُمرِهِ كما قال النَّسائيُّ. فتَضعِيفُ ابنِ عبد البَرِّ له مُطلَقًا مردُودٌ.
والرَّاوي عنه عَتَّابُ بنُ زيادٍ ثقةٌ، ولكن لا أدري سَمِعَ منه في التَّغيُّرِ أم قبلَه؟
وتابعهم يَحيَى ين عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، بسنده سواءٌ مع الزِّيادة.
[ ١ / ١٧٢ ]
أخرجَهُ ابنُ عديٍّ (٥/ ١٨٩٧) من طريق عِيسَى بنِ عبد الله بن سُليمان القُرشيِّ العَسقلَانيِّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى به.
قال ابنُ عديٍّ: "وعيسى بن عبد الله ضعيفٌ، يسرِقُ الحديث، والضَّعفُ على حديثه بيِّنٌ، وهذه الزِّيادةُ لا تُعرَفُ إلَّا لأبي حمزَة السُّكَّريِّ، عن الأعمشِ، وقد جاء بها عيسى بنُ سليمانَ هذا، عن يحيى بن عِيسَى، عن الأعمش" ا. هـ.
ويعنِي ابنُ عديِّ أنَّ عيسى سَرَقَهُ. ويحيى بن عيسى ضعيفٌ أيضًا. قال ابن عديٍّ: "عامَّةُ رواياتِهِ ممَّا لا يُتابَعُ عليه".
ورجَّح ابنُ القطَّان، والذَّهبيُّ أنَّ هذه الزِّيادةَ وهمٌ من البزَّار، فقد ذَكَرَها الذَّهبيُّ في ترجمةِ البزَّارِ من "الميزان"، وقال: "هذه زيادةٌ مُنكَرةٌ، قال الدَّارقُطنيُّ: ليست بمحفُوظِهِ" ا. هـ.
• قلتُ: كذا نقل الذَّهبيُّ إِعلالَ الدَّارقُطنيِّ، مع أنَّ الدَّارقُطنيَّ لمَّا ذَكَرَ هذِهِ الزِّيادة عصَّبَها بأبي حمزة السُّكَّريِّ، وليس بالبزَّار. وهاك كلامُهُ كاملًا في "العلل" (ج ٣/ ق ١٧٧/ ١)، قال -﵀-: "ورواهُ أبُو حمزةَ السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ، وزاد فِيهِ ألفاظًا لم يأت بها غيرُهُ وهي: "فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! تَركتَنا نتنافسُ في الأذان … "، ولَيسَت هذه الألفاظُ محفوظةً" ا. هـ.
وقد ردَّ الحافظ في "اللِّسان" (١/ ٢٣٨) على ابن القَطَّان والذَّهبيِّ معًا، فقال: "لم يَتفَرَّد أبُو بكرٍ البزَّاز بهذه الزِّيادةِ، فقد رَوَاها أبُو الشَّيخِ في "كتاب الأذان" له، عن إسحاق بن أحمد بن مُحمَّد بن عليِّ بن الحَسَن بن
[ ١ / ١٧٣ ]
شقيقٍ، سمعتُ أبي، يقولُ: أنا أبُو حمزةَ، فذكره. وأثبت ابنُ عديٍّ هذه الزِّيادة أنَّها من حديثِ أبي حَمزة السُّكَّريِّ، فبَرِئَ البزَّارُ من عُهدَتِها" ا. هـ.
• قلتُ: كذا وقع في "اللِّسان": "إسحاق بن أحمد بن مُحمَّد … "، ولعلَّ الصَّواب: "إسحاق بن أحمد، عن مُحمَّد بن عليٍّ … " (^١). ومُحمَّد بن عليِّ بن الحسَن بن شقيقٍ وأبُوه من رجال "التَّهذيب". وإسحاق بن أحمد، مِن شُيوخ أبي الشَّيخ الأصبهانيِّ، يَروِي عنه رُسْتَهْ وطَبَقَتُهُ.
وأخرجه أبو الشَّيخ في "الطَّبقات" (٤٢٨)، والبيهقيُّ في "سُنَنه"، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وابنُ عساكر (ج ١٤/ ق ٣٦٩/ ١) من طُرُق عن عبد الله بن عُثمان، ثنا أبُو حمزة السُّكَّريُّ، فذكره.
ولم تَقَع هذه الزِّيادةُ في رِواية الخطيب، ويبدو لي أنَّهُ اختصرها.
فهذا يَدُلُّ على أن البزَّار بريءٌ من هذا الوَهَم. واللهُ أعلَمُ.
فالعِلَّةُ عندي هي مُخالَفةُ أبي حمزةَ السُّكَّريِّ ومَن معه للجَمِّ الغفير مِن أصحاب الأَعمَش؛ فقد رَوَوْا هذا الحديثّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة مرفُوعًا بغير هذه الزِّيادة. فمِن هؤُلاء:
"شُعبةُ، والثَّوريُّ، وابنُ عُيَيْنةَ، ومَعمَرُ بنُ راشدٍ، وأبو الأحوصِ، وأبو مُعاوية، وزائدةُ بنُ قُدامة، وحفصُ بنُ غِيَاثٍ، وأبُو عَوانةَ الوضَّاحُ اليَشكُرِيُّ، والأوزاعيُّ، وعيسى بنُ يُونُسَ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميد،
_________________
(١) ثمَّ راجعتُ مخطوطة "اللِّسان" المحفوظة في "مكتبة أحمد الثَّالث" (ج ١/ ق ٧٥/ ٢)، فوجدته كذلك؛ فللَّه الحمد.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفُضيلُ بنُ عِياضٍ، وسُهيلُ بنُ أبي صالحِ، وشَريكٌ النَّخَعِيُّ، وهُشيمُ ابنُ بَشيرٍ، وصَدَقةُ بنُ أبي عِمران، وأبو الأَشهَب جعفرُ بنُ حَيَّان، وقيسُ ابنُ الرَّبيع، وحمزةُ بنُ حبيبٍ الزَّيَّات، وسلَّامُ بنُ أبي مُطيعٍ، وحَبَّانُ بنُ عليٍّ، وآخَرون".
أَخرَجَهُ أبو داوُدَ في "المسائِل" (ص ٢٩٣)، والتِّرمِذِيُّ (٢٠٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٨٤، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢)، والشَّافِعِيُّ في "المُسنَد" (٥٦)، وفي "الأُمِّ" (١/ ١٥٩)، والطَّيَالِسِيُّ (٢٤٠٤)، والحُمَيدِيُّ (٩٩٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (١/ ٤٧٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد ابنِ الجَعْدِ" (ج ٢/ رقم ٢٢٠٩)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٥ - ١٦)، والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢، ٥٣)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٧/ ١ - ١٧٣/ ٢ - ٢٦٤/ ٢، وج ٢/ ق ٢١/ ٢ - ٢٤٣/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ١٠٧، ٢١٤، و٢/ ١٣)، وأبو الشَّيخ في "ذِكر رِواية الأَقرَان" (ق ٣/ ١)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٨٧، و٨/ ١١٨)، وفي "أخبار أَصبَهَانَ" (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠، و٣/ ١٢٧)، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٠١، ٣٨٧، و٩/ ٤١٣، و١١/ ٣٠٦)، وابنُ الدُّبَيثِيِّ في "ذيل تاريخ بغداد" (١/ ١٩٥، ١٩٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٢٧٩)، والبَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٥/ ٢ - ٩/ ٢)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٢/ ل ٨٧)، والخَطَّابِيُّ في "الغريب" (١/ ٦٣٦)، والذَّهَبِيُّ في "مُعجَم شُيوخه الكبير" (ق ١٤١/ ١ - ٢) من طُرُقِ عن الأعمش.
[ ١ / ١٧٥ ]
وخالَفَ جميعَ من تقدَّمَ ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: حُدِّثتُ عن أبي صالحٍ -ولا أُراني إلَّا قد سَمِعتُه منه-، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرجه أبو داوُد (٥١٨)، وأحمدُ (٢/ ٣٨٢)، وابنُ خُزَيمَةَ (ج ٣/ رقم ١٥٢٩).
قال ابنُ خُزَيمَةَ: "أَفسَد ابنُ نُميرٍ الخَبَرَ"!
وأخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو موسى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) من طريق شُجاعِ بنِ الوَلِيد، عن الأعمشِ مِثلَه.
وأخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢) من طريق شُجاعٍ، وابنِ نُمَيرٍ معًا، عن الأعمش به.
وتابَعَهُمَا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ، قال: حدَّثَنا الأعمشُ، عن رجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٥١٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠).
فأعلَّ جماعةٌ من فُحُول العُلَماء حديثَ الأعمش، عن أبي صالحٍ، بمِثلِ هذه الأسانيد التي وَقَع فيه الواسطةُ بين الأعمش وأبي صالحٍ، وقالُوا: إنَّ الأعمشَ لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ، وإنَّما دَلَّسه.
قال الإمام أَحمدُ: "ليس لِحَديث الأعمش أصلٌ"! نقله عنه أبو داوُد في "المسائل" (ص ٢٩٣).
وقال ابنُ مَعِينٍ في "التَّاريخ" (ق ٧٦/ ٢): "قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: لم يَسمَع الأعمشُ هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ".
[ ١ / ١٧٦ ]
ورَوَى أبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) بسَنَده إلى عليِّ بن المَدِينِيِّ، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: حديثُ "الأعمش عن أبي صالحٍ: الإمام ضامنٌ" لا أُراه سَمِعَهُ من أبي صالحٍ".
وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "لم يَسمَعهُ الأعمشُ مِن أبي صالحٍ بيقينٍ! لأنَّه يقول فيه: نُبِّئتُ عن أبي صالح". وكذا أعلَّه البَيهقِيُّ بذات العبارة.
• قلتُ: فالجوابُ الصَّحِيحُ أنَّ الأعمشَ لَمَّا رَوَى الحديث بصيغة "نُبِّئتُ" أَردَفَها بقوله: "ولا أُرَانِي إلَّا قد سَمِعتُه منه"، فهذا ترجيحٌ منه للسَّمَاع. وقد رواه عنه، عن أبي صالحٍ: شُعبةُ بن الحَجَّاج، وهو لا يَحمِلُ عن الأعمش ما دَلَّس فيه، كما هو معلومٌ. وهذا القدرُ كافٍ في دَفعِ هذه العِلَّةِ مِن أساسِها.
فكيف وقد ثَبَت السَّمَاع "بيقينٍ"!!
فقال الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل"، بعد رواية شُجاع بن الوليد الماضيةِ: "لكنَّ هُشَيمًا، وهو فَوقَهُ -أي: فوق شُجاعٍ في الضَّبط-، قد قال فيه: عن الأعمش، قال: ثنا أبُو صالحٍ"، وأَخرَجَ هو هذه الطَّريقَ (٣/ ٥٢).
وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٣/ ١٧٧/ ١): "وقال إبراهيمُ بنُ حُميدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عن الأعمش، عن رَجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة. قال الأعمشُ: وقد سمِعتُه من أبي صالحٍ. وقال هُشيمٌ: عن الأعمش، ثنا أبو صالحٍ، عن أبي هُريرَة".
وقد تُوبِع الأعمشُ.
[ ١ / ١٧٧ ]
تابعه سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَهُ بمثلِه.
أخرجه ابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، وابنُ حِبَّان (٣٦٣)، وابنُ أبي شَيبَة (١/ ٢٢٤)، وأحمدُ (٢/ ٤١٩)، والشَافِعِيُّ في "مُسنَده" (ص ٣٣)، والنِّعَالِيُّ في "جُزء من حَدِيثِه" (ق ٦٦/ ٢)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٤/ ١٦١١)، والخطيبُ في "تاريخه" (٦/ ١٦٧)، وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١).
وقد رواه عن سُهيلٍ جماعةٌ، منهم: "عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاقَ، ومُحمَّد ابنُ عمَّارٍ، وشُعبةُ، وإبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ أبي يَحيىَ، وعبدُ العَزِيز بنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُّ".
وتابَعَهُم رَوحُ بنُ القَاسِم فرواه عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة به.
أخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢) قال: ثنا ابنُ أبي دَاوُد، ثنا أُمَيَّةُ بن بِسطامَ، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بنُ القاسم بهذا.
وقد خُولِف ابنُ أبي داوُد.
خالَفَهُ مُعاذُ بن المُثَنَّى، وعبدُ الله بن أيُّوبَ القِرَبِيُّ، قالا: حدَّثَنا أُمَيَّةُ ابنُ بِسطَامَ، حدَّثَنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بن القاسم، عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة موفُوعًا.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٢٦٤/ ٢، و٢/ ١٤١/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ٢١٤)، ومِن طريقه الخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ٤١٣)، لكن سقط ذكر "الأعمش" عنده، والصَّوابُ إثباتُهُ.
[ ١ / ١٧٨ ]
• قلتُ: كِدتُ أظُنُّ أنَّ الأعمش سَقَط من السَّنَد في "المُشكِل"؛ لأنَّ النُّسخة كثِيرَةُ السَّقط، لولا أنَّ البَزَّارَ قال في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢): "ورواه رَوحُ بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه".
وابنُ أبي داوُد ثِقَةٌ، وكذلك مُعاذ بن المُثَنَّى. ولكنَّ عبدَ الله بنَ أيُّوبَ متروكٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ.
فأمَّا رِواية سُهيلٍ، عن أبيه ..
فقال الحافظُ في "التَّلخيص" (١/ ٢٠٩): "قال ابنُ عبد الهَادِي: أخرَجَ مُسلِمٌ بهذا الإسناد نحوًا مِن أَربعة عَشَر حديثًا".
ولكن أعلَّ ابنُ المَدِينِيِّ هذه المُتابَعَةَ أيضًا، بقوله: "لم يَسمَع سُهيلٌ هذا الحديثَ من أبيه، ولكن سَمِعَه من الأعمش".
ونَقَل البيهقيُّ مِثلَ هذا عن الإمام أحمد.
• قلتُ: فيُشِيرُ الإمامان إلى ما رواه رَوحُ بن القاسم، فيما تَقَدَّم.
وقد تابع ابنَ القَاسِم عليه: الدَّرَاوَردِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ جعفر بن أبي كَثِيرٍ القَارِي، وعبدُ العزيز بنُ أبي حازمٍ، جميعًا عن سُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ ابن خُزَيمَةَ (ج ٣/ رقم ١٥٢٨)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢)، وابنُ المُقرِي في "مُعجَمه" (ج ٦/ ق ١١١/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢)، وأبو الشَّيخ في "ذِكر رِواية الأَقرَان" (ق ٢/ ٢)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨٣)، وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ١/ ق ٦/ ١، وج ٥ / ق ٦٠/ ١)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٢٨٠٠)،
[ ١ / ١٧٩ ]
وفي "السُّنن" (١/ ٤٣٠).
ولكن، يُجَابُ عنه بأنَّ سُهيلًا ثِقَةٌ، من رجال مُسلِمٍ وإن كان أصابَتهُ عِلًّةٌ في آخِر حياتِهِ فَنَسِيَ بعضَ حديثِهِ، إلَّا أنَّه كان مُختصًّا بأبيه. وغيرُ مُستبعَدٍ أن يكون سَمِعَهُ من الأعمش، وسَمِعَهُ من أبيه. ثُمَّ إنِّي لم أر أحدًا اتَّهَمَهُ بالتَّدليس، وهذا يَنفِي التَّخَوُّفَ من عَنعَنَتِه. ثُمَّ فوق ذلك: ما الدَّليل على أنَّه لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبيه؟ أَلِمُجَرَّد روايته الحديثَ مرَّةً عن الأعمش، عن أبيه، ومرَّةً عن أبيه؟! فهَذِهِ أمارة انقطاعٍ، وليست دليلًا، ومثلُ هذا يَقعُ كثيرًا في أحاديث "الصَّحيحين"، فَضلًا عن غيرِهما.
وقد تُوبِع الأعمشُ، وسهيلٌ على هذا الوجه ..
١ - فرواه أبُو إسحاق السَّبِيعِيُّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرجه أحمدُ (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨، ٥١٤)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو عَمرٍو السَّمَرقَندِيُّ في "الفوائد المنتقاة الحِسَان" (ق ٧٢/ ٢)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢٠٤/ ١)، وابنُ الأَعرَابِيِّ في "مُعجَمه" (ج ٦/ ق ١٠٧/ ١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ٢٠٨/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ٢٦٥)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٤١) من طُرُقٍ عن مُوسَى بن داوُد، عن زُهير بن مُعاوية، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ به.
قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق إلَّا زُهيرٌ، ولا
[ ١ / ١٨٠ ]
رواه عن زُهيرٍ إلَّا مُوسى بن داوُد الضَّبِّيُّ".
• قلتُ: زُهير بن مُعاوِيَةَ، ومُوسَى بن داوُد كلاهما من الثِّقات الرُّفَعاء. ولكن، عِلَّةُ هذا الإسناد عِندِي هي أنَّ زُهيرًا كان مِمَّن سَمِع من أبي إسحاق في الاختلاط، كما قال أبو زُرعَة الرَّازِيُّ وغيرُه. ثُمَّ هو مُدَلِّسٌ، ولم يُصَرِّح بتحديثٍ.
قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ إنَّما يُعرَف من حديث الأعمش، ولا أَحسِبُ أبا إسحاقَ سَمِعَهُ من أبي صالحٍ".
أمَّا الشَّيخُ أبو الأشبال -﵀-، فقال في "شرح التِّرمِذِيِّ" (١/ ٤٠٦): "إسنادُهُ لا مَطعَنَ فيه"! كذا قال! ولا يَخفَى ما فيه.
٢ - ويرويه مُحمَّدُ بنُ جُحَادَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٣٠٩/ ٢)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق المُنذِر بن الوليد، ثنا أبي، ثنا الحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ، عن مُحمَّد بن جُحَادة فذَكَرَه.
وهذا سندٌ واهٍ؛ والحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ ضَعَّفَه ابنُ المَدِينِيِّ جِدًّا، وأحمدُ، والنَّسَائيُّ. وقال البُخارِيُّ، والفَلَّاسُ: "مُنكَر الحديث"، وزاد الفَلَّاس: "صَدوقٌ". وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ". فهذا الضَّعفُ ناشئٌ من شِدَّةِ غفلته عن ضبط الحديث.
٣ - ويرويه أبو الهيثمِ الطَّائِيُّ، عن أبي صالحٍ به.
أخرَجَهُ بَحشَلٌ في "تاريخ واسط" (ص ١١٢).
وأبو الهَيثَمِ رجلٌ من أهل الشَّام، لا أعرِفُهُ.
[ ١ / ١٨١ ]
• قلتُ: هكذا رواه الجماعةُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَةَ.
وخالَفَهُم مُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن أبيه، عن عائشة مرفُوعًا فذَكَرَه. فجَعَله من: "مُسنَد عائشة".
أخرجه إسحاقُ بنُ رَاهَويهِ في "مُسنَده" (ج ٤/ ق ١٣٢/ ٢)، والبُخارِيُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ٧٨)، وأبو داوُد في "المسائل" (ص ٢٩٣)، وأحمدُ (٦/ ٦٥)، وأبو يَعلَى (ج ٨/ رقم ٤٥٦٢)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، وابنُ حِبَّان (٣٦٢، ٣٦٣)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو مُحمَّدٍ الفَاكِهِيُّ في "حديثه" (ج ١ / ق ٨/ ١)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣١)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٩٤)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٤٣٥) من طريق نافع بن سُليمان، قال: حَدَّثني مُحمَّدُ بنُ أبي صالحِ.
قال ابن خُزَيمَةَ: "الأعمشُ أَحفَظُ من مِئتَينِ مِثلِ مُحمَّدِ بنِ أبي صالحٍ". ومقصودُ ابنِ خُزَيمَةَ -﵀- أنَّ الأعمش رَوَى هذا الحديثَ عن أبي صالحٍ، فجَعَلَهُ من: "مُسنَد أبي هُريرَة"، بينما مُحمَّد بن أبي صالحٍ لمَّا رواه عن أبيه جَعَلَه من: "مُسنَد عائشة"، والأعمشُ في الذِّرْوَةِ في الحِفظ، ومُخَالِفُه لا يُعرَف أصلًا، فضلًا عن أن يكون له حِفظٌ.
ولكن، علَّق الشَّيخُ العلَّامةُ ذَهَبِيُّ العَصِر المُعَلِّمِيُّ اليَمانِيُّ على كلام ابن خُزَيمَة، فقال في تعليقه على "مُوضِح الأوهام" (١/ ٢٦٩):
"ولا رَيبَ أنَّ الأعمشَ في نَفسِه إمامٌ حَافِظٌ مُتقِنٌ، لا يُذكَرُ بجنبِهِ مِثلُ مُحمَّدٍ هذا. ولكن، هناك أمرٌ يَظهَرُ أنَّه خَفِيَ على أبي حاتمٍ، وأبي زُرعَةَ، وابنِ خُزَيمَةَ. ذلك، أنَّ الأعمشَ -مع رواية جماعةٍ الحديثَ عنه، عن
[ ١ / ١٨٢ ]
أبي صالح، بدون تَصرِيحٍ بالسَّماع- قال مرَّةً: "سمعتُ أبا صالحٍ، أو بَلَغَنِي عنه"، ورواه الأعمشُ مرَّةً، عن رجُلٍ، عن أبي صالحِ. ذَكَر هذين البُخارِيُّ. وقال مرَّةً: "حُدِّثتُ عن أبي صالحٍ". ذَكَرَهُ التًّرمِذِيُّ. فتبيَّنَ أنَّ الأعمشَ جَزَم مرَّتَين بأنَّه سَمِعَهُ من آخرَ، عن أبي صالحٍ، وتشكَّكَ مرَّةً، وكان الغالِبُ يرويه عن أبي صالحٍ، بدون تصريحٍ بالسَّمَاع. والأعمشُ معرُوفٌ بالتَّدليس فيما يتحَقَّقُ عدمَ سماعِه، فما بالُك بما يشُكّ فيه؟ وإذا كان الأمرُ كذلك فلا مَعنَى للمُوازَنَة بين الأعمش ومُحمَّد بنِ أبي صالحٍ، وإنَّما الصَّوابُ المُوازَنَةُ بين رواية الأعمش، عن رجُلٍ لا يُدرَى مَن هُو، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة، وبين رواية نافع ابن سُليمان ذاكَ الحديثَ، عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشة … [ثُمَّ قال:] فأمَّا حُكمُ الحديثِ، فلو صَرَّح الأعمشُ بسماعِهِ من أبي صالحٍ ولم يَأتِ عنه ما يُخالِفُ ذلك لكان صحيحًا، ولكن قد جَاءَ عنه ما عَرَفتَ، فلا يَكُون الحديثُ صحيحًا، ولا حَسَنًا. وكذلك، على قول الجُمهور، لا يكونُ صحيحًا مِن الوجه الآخر؛ لجهالة مُحمَّد بن أبي صالحٍ" ا. هـ.
كذا، انفَصَلَ الشَّيخُ -﵀- على تضعيف الرِّوايَتَينِ معًا، وفي كلامه نَظَرٌ بخُصوص رواية الأعمش؛ ذلك أنَّ الأَعمَشَ قد ثَبَتَ تصريحُهُ بالسَّماع، كما مَرَّ ذِكرُه. فلو جاءت رِوايةٌ أُخرَى عن الأعمش، فيها "بَلَغَنِي"، أو "نُبِّئتُ"، ونحو ذلك من صِيَغ الانقطاع، فماذا يَضِيرُ سماعُه في الرِّواية الأُخرَى؟ فمن المُحتَمَل أن يكون الأعمشُ سَمِع الحديثَ من رَجُلٍ، عن أبي صالحٍ، ثُمَّ لَقِي أبا صالحٍ، وسأَلَهُ عن الحديث، فأخَذَهُ مُشافَهَةً،
[ ١ / ١٨٣ ]
فحَدَّث به على السَّماع بعد ذلك، ومِثلُ هذا كثيرٌ ووفِيرٌ، حتَّى في رِواية من عُرِف بالتَّدليس. والله أعلَمُ.
وأعلَّ ابنُ الجَوزِيِّ -﵀- حديث عائشة بقوله: "ليس في أولاد أبي صالحٍ من اسمُهُ مُحمَّدٌ"!
وسبَقَهُ إلى هذا الإنكارِ ابنُ عَدِيٍّ، غير أنَّهُ ساق أقوالًا ..
فقال في "الكامل" (٦/ ٢٢٤٠): "ومُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ يَروِي عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ -ﷺ-، قال: "الإمام ضامنٌ". فهذا الحديثُ لا يَصِحُّ عن النَّبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّ أهل مِصرَ رَوَوهُ عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشة. ورواه سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة. فالذي صَحَّحَ هذا الحديثَ جَعَلَ مُحمَّدَ بن أبي صالحٍ أخًا لسُهيل بن أبي صالحٍ، فقال: قد اتَّفَقَ سُهيلٌ ومُحمَّدٌ ابنا أبي صالِحٍ جميعًا، عن أبيهِمَا، فقال مُحمَّدٌ: عن عائشة، وقال سُهيلٌ: عن أبي هُريرَة. والذي لم يُصَحِّح هذا الحديث قال: من أين جُعِلَ مُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ أخًا لسُهيل بن أبي صالحٍ، وليس في وَلَدِ أبي صالحٍ من اسمُهُ مُحمَّدٌ؟ إنَّما هو سُهيلٌ، وعَبَّادٌ، وعَبدُ الله، ويحيَى، وصالحٌ بَنُو أبي صالحٍ، ليس فيهم مُحمَّدٌ"ا. هـ.
ومِثلُ هذا البحث مُتعقَّبٌ بما ذَكَرُه أبو داوُد في "كتاب الإِخوَةِ"، وكذا أبو زُرعَة الدِّمَشقِيُّ، وجَزَمَ به ابنُ الصَّلَاح في "المُقَدِّمة" (٣٣٧). وفي "عِلَل الحديث" (ج ١ / رقم ٢١٧) لابن أبي حاتمٍ، قال: "سمِعتُ أبي، وذَكَر سُهيلَ بنَ أبي صالحٍ، وعَبَّادَ بنَ أبي صالحٍ، فقال: هما أَخَوَانِ،
[ ١ / ١٨٤ ]
ولا أَعلَمُ لهما أخًا، إلَّا ما رواه حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن نافع بن سُليمانَ، عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، مرفُوعًا … -الحديث-، -قال:- والأعمشُ يَروِي هذا الحديثَ عن أبي هُريرَة. قلتُ: فأيُّهُما أصحُّ؟ قال: حديثُ الأعمش؛ ونافعُ بنُ سُليمان ليس بقويٍّ. قلتُ: فمُحمَّد بنُ أبي صالحٍ أخو سُهيلٍ وعبَّادٍ؟ قال: كذا يَروُونَهُ" ا. هـ.
وقال الشَّيخُ أبو الأشبال في "شرح التِّرمِذِيِّ" (١/ ٤٠٤): "والرَّاجِحُ عِندِي أنَّ مُحمَّد بنَ أبي صالحٍ كان موجُودًا؛ فقد رَوَى في "التَّهذيب" أنَّه رَوَى عَنهُ هُشيمٌ أيضًا. فلم يَنفَرِد نافعُ بنُ سُليمان بالرِّوايَةِ عَنهُ. ولعلَّهُ كان غَيرَ مَشهُورٍ في الرُّوَاةِ، فلذلك خَفِيَ أَمرُهُ على بعض العُلَماء. وقد نَقَلَ في "التَّهذيب" أنَّ ابنَ حِبَّان ذَكَرَهُ في "الثِّقات"، وقال: "يُخطِئُ"، ونَقَلَ فيه، وفي "التَّلخيص" أنَّ ابنَ حِبَّانَ أَخرَجَ حديثَهُ هذا في "صَحِيحِه". ووقُوعُ الخطإِ مِن الرَّاوِي في بَعض رواياتِهِ لا يَمنَعُ إصابَتَهُ فيما لم يُخالِفهُ فيه غيرُهُ، وأَولَى أن يُصِيبَ فيما وَافَق غيرَه فيه" ا. هـ.
• قلتُ: وهذا كلامٌ جَيِّدٌ، ويُضافُ إليه أنَّ مَن عَرَفَ حُجَّةٌ على مَن لم يَعرِف، والمُثبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافي.
وقد اختَلَف العُلماء في أيِّهما الرَّاجِحُ: أهو حديثُ أبي هُريرَة، أم حَدِيثُ عائشة؟
فرَجَّحَ البُخارِيُّ حديثَ عائشة، كما نَقَل التِّرمِذِيُّ عنه ..
ورَجَّحَ أبو زُرعَةَ، وابنُ خُزَيمَةَ حديثَ أَبِي هُريرَة -وهو الرَّاجِحُ عِندي-، وصَوَّبَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (ج ٥/ ق ٩٤/ ٢) ..
[ ١ / ١٨٥ ]
أمَّا ابنُ حِبَّان، فمال إلى صِحَّة الرِّوايَتَينِ، فقال في "صحيحه": "سَمِع هذا الخبرَ أبُو صالح السِّمَّانُ من عائشة، حَسب ما ذَكَرنَاه. وسَمِعَهُ من أبي هُريرَة. فمرَّةً حدَّث به عن عائشة، وأخرَى عن أبي هُريرَة" ا. هـ.
وكما قُلتُ: إنَّ الرَّاجِحَ حديثُ أبي هُريرَة؛ لقُوَّة طريقه.
وقد رواه عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ جمعٌ، بخلاف حديثِ عائشة.
ولِلحَدِيثِ طريقٌ آخرُ عن أبي هُريرَة.
أخرَجَهُ ابنُ الأَعرَابِيِّ في "مُعجَمه" (ج ٧/ ق ١٤١/ ١) قال: نا الحَسَن ابن مُكرِم، نا أبو مَنصُورٍ الحَارِثُ بن مَنصُورٍ الوَاسطِيُّ، نا عُمَرُ بنُ قيسٍ أخو حُميد بن قَيسٍ المَكِّيُّ، عن عطاءٍ، عن أبي هُريرَة، مرفُوعًا: "الإمامُ ضامنٌ لصلاة القَومِ".
وسَنَدُهُ واهٍ جدًّا؛ وعُمَرُ بنُ قيسٍ المَكِّيُّ تَرَكَهُ أحمدُ، والفَلَّاسُ، والنَّسَائِيُّ، وأبو داوُد، وأبو حاتمٍ، وغَيرُهم. وقال أحمدُ: "ليس يَسوِي حديثُهُ شيئًا. لم يَكُن حديثُهُ بصحيحٍ. أحاديثُهُ بَوَاطِيلُ".
والكلام فيه طويلٌ.
وللحديث شواهدُ، ذَكَرتُها في "جُنَّة المُرتَاب" (ص ٢٦٤ - ٢٧٠).
[ ١ / ١٨٦ ]