٤١ - سُئلتُ عن حديث: "الوَلِيمَةُ حَقٌّ، فَمَن لَم يَجِب فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن دَخَلَ عَلَى غَيرِ دَعوَةٍ، دَخَلَ سَارِقًا، وَخَرَجَ مُغِيرًا".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ بهذا التَّمَام.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٣٧٤١)، والبَزَّارُ (٢/ ٧٧)، وابنُ حِبَّان في "المجروحين" (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وأبو بكرٍ الشَّافعيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (ق ٩٣/ ١)، والبَيهقيُّ (٧/ ٢٦٥)، والخطيبُ في "التَّطفيل" (ص: ٧٥) مِن طريق دُرُستِ بن زيادٍ، عن أبان بن طارقٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَره. وزاد البزَّار: " … وَأَكلَ حَرَامًا".
قال أبو داوُد: "أبانُ بن طارقٍ مجهولٌ".
ولمَّا أخرج ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) هذا الحديث في ترجمة أبان، قال: "وأبانُ بن طارقٍ هذا لا يُعرَفُ إلَّا بهذا الحديث، وهذا الحديثُ معروفٌ به، وله غيرُ هذا الحديث، لعلَّهُ حديثين أو ثلاثةً، وليس له أَنكَرُ من هذا الحديثِ".
أمَّا قولُهُ: "فمن لم يُجِب الدَّعوةَ فقد عصَى اللهَ ورَسُولَه" فصحيحٌ ثابتٌ، أخرَجَهُ الشَّيخان من حديث الأعرج، عن أبي هُريرَةَ موقُوفًا: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمة؛ يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُترَك المساكينُ. فمن لم يأتِ الدَّعوة فقد عصَى اللهَ ورَسُولَه".
[ ١ / ١٨٩ ]
وفي لفظٍ: "بئس الطَّعامُ طعامُ الوليمةِ … ".
وقولُهُ: "فمن لم يأتِ الدَّعوةَ … " له حُكمُ الرَّفع.
وقد رواهُ مالكٌ، ومَعمَرٌ، وسُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن الأعرَج، عن أبي هُريرَة كذلك.
واختَلَفَ الرُّواةُ عن سُفيانَ في رفعِهِ ووقفِهِ.
والرَّفعُ في رواية سُفيانَ صحيحٌ.
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ من رواية سُفيانَ، قال: سمعتُ زيادَ بنَ سعدٍ، يقُولُ: سمعتُ ثابتًا الأعرج يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ مرفُوعًا فذَكَرَهُ.
[لطيفَةٌ]
أخرَجَ الخطيبُ في "التَّطفيل" (ص ١٣٨ - ١٣٩) عن نصر بنِ عليٍّ أبي عمرٍو الجَهضَمِيِّ، قال: كان لي جارٌ طُفَيليُّ، وكان من أحسَنِ النَّاس مَنظَرًا، وأعذبِهِم منطِقًا، وأطيَبِهِم رائحةً، وأجَملِهِم لباسًا، فكان مِن شأنِهِ أنِّي إذا دُعيتُ إلى مَدعاةٍ تَبعَنِي، فيُكرِمُهُ النَّاسُ من أجلِي، ويظنُّون أنَّه صاحبٌ لي. فاتَّفَق يومًا أنًّ جعفَرَ بنَ القاسمِ الهاشميَّ أميرَ البَصرةِ أراد أن يَختِنَ بعضَ أولادِهِ، فقلتُ في نفسي: كأنِّي برسول الأمير قد جاء، وكأنِّي بهذا الرُّجل قد تبعني، والله! لئن تبعنِي لأفضحنَّهُ. فأنا على ذلك إذ جاء رسولُهُ يدعُونِي، فما زِدتُ على أن لبستُ ثيابِي وخرجتُ، وإذا أنا بالطُّفَيليِّ واقفٌ على باب دارِهِ قد سبقني بالتَّأهُّبِ، فتقدَّمتُ وتَبِعَنِي، فلمَّا دخلنا دار الأميرِ جَلَسنا ساعةً ودُعي بالطَّعام، وحَضَرت الموائدُ، وكان كلُّ جماعةٍ على مائدةٍ لكثرة النَّاس، فقدمتُ إلي مائدةٍ والطُّفيليُّ
[ ١ / ١٩٠ ]
معي، فلمَّا مدَّ يدَهُ وَشَرَعَ لتناوُل الطَّعام قلتُ: أخبَرَنا دُرُستُ بنُ زيادٍ، عن أبانَ بنِ طارقٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: "من دَخَلَ دارَ قومٍ بغير إذنِهِم، فأكَلَ طعامَهُم، دَخَلَ سارِقًا وخَرَجَ مُغِيرًا". فلمَّا سمع ذلك قال: أَنِفتُ لك والله يا أبا عمرٍو من هذا الكلام! فإنَّه ما مِن أحدٍ من الجَماعة إلَّا وهو يظُنُّ أنَّك تُعَرِّضُ به دون صاحبه، أوَلَا تستحيِي أن تتكلَّمَ بهذا الكلامِ على مائِدِةِ سيِّدِ مَن أطعَمَ الطَّعام، وتِبخَلُ بطعام غيرِك على مَن سواك! ثُمَّ لا تستحيِي أن تُحدِّثَ عن دُرُستِ ابن زيادٍ -وهو ضعيفٌ-، عن أبانَ بنِ طارقٍ -وهو مترُوكُ الحديثِ- وتحكمُ برفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ- والمُسلِمون على خِلافِه؛ لأنَّ حُكم السَّارق القطعِ، وحُكمُ المُغيرِ أن يُعزَّرَ على ما يراه الإمامُ، وأين أنتَ عن حديثٍ حدَّثَناه أبو عاصمٍ النَّبيلُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنينِ يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ"وهذا إسنادٌ صحيحٌ ومتنٌ صحيحٌ. -قال نصرُ بن عليٍّ:- فأفحَمَنِي فلم يحضُرني له جوابٌ، فلمَّا خرجنا من المَوضِع للانصِراف، فارَقَنِي من جانب الطَّريق إلى الجانب الآخَر بعد أن كان يمشِي ورائي، وسمعتُهُ يقولُ:
ومن ظنَّ ممَّن يُلاقِي الحُروبَ … بأن لا يُصابَ، فقد ظنَّ عجزَا!
[ ١ / ١٩١ ]