٤٦ - سُئلتُ عن: قول المُنذِرِيِّ في "التَّرغيب والتَّرهِيب" (٢٠٩/ ٢)، ما نَصُّه: (قال:) وإِنِّي سَمِعتُه يَقُولُ - يعني النَّبيَّ - ﷺ -: "مَرَرتُ لَيلَةَ أُسرِيَ بِي بِأَقوَامٍ تُقرَضُ شِفَاهُهُم بِمَقَارِيضَ مِن نَارٍ، قلتُ: مَن هَؤُلَاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ، الذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُونَ".
رواه البُخارِيُّ ومُسلِم، واللَّفظُ له. ورواه ابنُ أبي الدُّنيا، وابن حِبَّان، والبَيهَقِيُّ، مِن حديث أنسٍ. وزاد ابنُ أبي الدُّنيا، والبَيهَقِيُّ، في رِوايةٍ لهُما: "وَيَقرَءُونَ كتَابَ الله، وَلَا يَعمَلُونَ بِهِ". فقولُ المُنذِرِيِّ: "قال: … "، لا أَعلَمُ قصدَه. ومِن مُسنَد أيِّ صَحابِيٍّ هذا الحديثُ؟ ثُمَّ إِنِّي لم أَجِدهُ في البُخَارِيِّ، ومُسلِمٍ، لا مِن حديثٌ أَنَسٍ، ولا غَيرِه. وهل الحديثُ صحيحٌ؟
• قلتُ: قلتُ: بيان هذا من وُجُوهٍ ..
• الأوَّل: قولُ المُنذِرِيِّ ﵀: "قال: وإنِّي سمِعتُه … الخ"، معناه أن أُسامَة بنَ زيدٍ - ﵁ - راوي الحديثِ السَّابِقِ هو نَفسُ راوي هذا الحديث. وليس كَذَلكَ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
قال شيخُنَا أبُو عبدِ الرَّحمن الأَلبَانِيُّ - حفظه الله - في "صحيحٌ التَّرغيب" (١/ ١٢٥): "وهذا وَهَمٌ فاحِشٌ، وسبُبُه - فيما أَرَى - اعتمادُ المُؤلِّف ﵀ على حِفظِه، وإملاؤُهُ أحاديثَ الكتاب مِن ذاكرته، دون أن يَرجِع في ذلك إلى أُصُولِه؛ فإنَّ هذا الحديثَ الذي جَعَلَهُ مِن مُسنَد أُسامَةَ بن زيدٍ، همْا وهناك، ليس مِن حديثهِ مُطلَقًا، لا في "الصَّحِيحَين"، ولا في غيرِهِما، وإنَّما هو حديثٌ آخرُ، لا صِلَةَ له بالأوَّل، يرويه أنَسُ بنُ مالكٍ - ﵁ -" انتهَى.
• الثَّاني: قولُهُ: "رواه البُخارِيُّ، ومُسلِم"، يَقصِدُ المُنذِرِيُّ بهذا العزوِ الحديثَ السَّابِقَ على هذا، وهو: عن أُسامةَ بن زيدٍ - ﵁ -، أنَّه سَمِع رسُولَ الله - ﷺ -، يقول: "يُجَاءُ بالرَّجُل يوم القِيامَةِ، فيُلقَى في النَّار، فتَندَلِقُ أقتابُهُ، فيَدُورُهَا كَما يَدُورُ الحمارُ بِرَحَاه، فيجتمعُ أهلُ النَّار عليه، فيَقُولُونَ: يا فلانُ! ما شأنُك؟! ألَستَ كُنتَ تأمُرُ بالعروف، وتَنهَى عن المُنكَر؟ فيقولُ: كنتُ آمرُكُم بالمعرُوفِ، ولا آتِيهِ، وأنهَاكُم عن الشَّرِّ، وآتيه".
ومع أنَّ المُنذِرِيَّ قال: "واللَّفظُ للبُخارِيِّ"، فإنَّهُ لم يَأتِ بِلفظِ البُخارِيِّ كما جاءَ فِي "صحيحه"، بل بَدَّل بعضَ الكَلِمات، ونَقَصَ حُروفًا.
فقد أخَرَجَ البُخارِيُّ هذا الحديثَ في مَوضِعَينِ مِن "صحيحه" ..
أوَّلهما - وهو الذي عَنَاهُ المُنذِرِيُّ -: فإنَّه رواه في "بدء الخلْق" (٦/ ٣٣١)، مِن طريق ابن عُيَينَةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائِلٍ، قال: قِيل لأُسامَةَ: لو أَتَيتَ فُلانًا فكلَّمتَهُ؟ قال: إنَّكُم لتَرَونَ أَنِّي لا أُكَلِّمُه إلَّا أُسمِعُكُم، إِنِّي أُكلِّمه في السِّرِّ، دُونَ أن أفتَحَ بابًا لا أَكُونُ أوَّلَ مَن فتحَهُ، ولا أَقُولُ
[ ١ / ٢٠٣ ]
لِرَجُلٍ - إنْ كان عَليَّ أَمِيرًا - إنَّه خيرُ النَّاسِ، بعدَ شيءٍ سَمِعتُه مِن رسُول الله - ﷺ -. قالُوا: وما سَمِعتَه يقولُ؟ قال: سَمِعتُه يقولُ: "يجاءُ بالرَّجُل يوم القِيَامَةِ، فيُلقَى في النَّارِ، فتَندَلِقُ أقتابُه في النَّارِ، فيَدُورُ كلما يَدُورُ الحِمارُ برَحَاهُ، فيَجتَمِعُ أهلُ النَّار عليه، فيَقُولُون: أَيْ فُلانُ! ما شأنُك؟! أليس كلنتَ تأمُرُنا بالمعرُوفِ وتنهانا عن المُنكَر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمَعرُوفِ، ولا آتِيهِ، وأنهاكُم عن المُنكَر، وآتِيهِ".
ثانِيهما: أَخرَجَهُ في "كتاب الفِتَن" (١٣/ ٤٨) من طريق شُعبَةَ، عن سُليمانَ: سمعتُ أبا وائلٍ، قال: قِيلَ لأُسامَةَ: ألا تُكَلِّم هذا؟ قال: قد كَلَّمتُه ما دُونَ أن أَفتَحَ بابًا أَكُونُ أوَّلَ من يَفتَحُهُ، وما أنا بالذي أقولُ لرَجُلٍ بعد أن يَكُونَ أميرًا عَلَى رَجُلَينِ أنت خَيرٌ، بعدما سمعتُ من رسُولِ الله - ﷺ -، يقولُ: "يجاءُ برجُلٍ، فيُطرَحُ في النَّار، فيَطحَنُ فيها كَطَحنِ الِحَمارِ بِرَحَاهُ، فيُطِيفُ به أهلُ النَّار، فيَقُولُون: أَيْ فُلانُ! ألستَ كنتَ تَأمُرُ بالمعرُوفِ، وتنهَى عن المُنكَر؟ فيقولُ: إنِّي كُنتُ آمرُ بالمعرُوفِ، ولا أَفعَلُه، وأنهَى عن المُنكَر، وأفعَلُه".
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٩٨٩/ ٥١)، وأبو عَوَانَةَ في "الرِّقاق" - كما في "إتحاف المَهَرَة" (١/ ٣٢٠) -، وأحمدُ (٥/ ٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٩)، والحُمَيدِيُّ (٥٤٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد أُسامةَ بن زيدٍ" (٥٣، ٥٤)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٣٩٥، ٤٠٢)، والبَيهَقِيُّ في "الكُبرَى" (١٠/ ٩٤ - ٩٥)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٥٦٨)، والخَطِيبُ في "اقتضاء العِلمِ العَملَ" (٤٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢)،
[ ١ / ٢٠٤ ]
وابنُ جَمَاعَةَ في "مَشيَخَته" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) من هذا الوجه.
وتُوبع الأعمشُ ..
تابعه مَنصُورُ بن المُعتَمِر، عن أبي وائلٍ بهذا.
أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٠٩).
وتابَعَهُ أيضًا عاصمُ بن بَهدَلَةَ.
أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٠٦)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد أُسامةَ" (٥٢) مِن طريق حمَّاد بن زَيدٍ، عن عَاصمِ بن بَهدَلَةَ.
وسَنَدُهُ حَسَنٌ.
وتابَعَهُم أيضًا حَبِيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي وَائلٍ نحوَهُ.
أخرَجَهُ أبو نُعَيمٍ في "الحِليَةِ" (٤/ ١١٢) مِن طريق ابن خُزَيمَةَ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مَالِكُ بن الجلِيلِ الأَزدِيُّ، ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن حَبِيبِ بن أبي ثابتٍ به.
قال أبو نُعيمٍ: "غَرِيبٌ مِن حديثٌ شُعبةَ، عن حَبيبٍ. مَشهُورٌ مِن حديثٌ الأعمشِ وغيرِهِ، عن شَقِيقٍ".
• قلتُ: قلتُ: وهذا سَنَدٌ قوِيٌّ، وأبو غَسَّانَ وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال النَّسَائِيُّ، ومَسلَمَةُ بنُ قاسم: "لا بأس به".
• الوجه الثَّالِث: أن حديثَ أَنسٍ صحيحٌ، ولَهُ عَنهُ طُرُقٌ:
يرويه عليُّ بنُ زيدِ بن جُدعَانَ، عن أنَسٍ مرفُوعًا، وفيه: "قُلتُ: مَن هؤلاء يا جِبرِيلُ؟ قال: خُطباءُ أُمَّتِك، الذين يَأمُرُونَ النَّاس بِالبِرِّ، وَينسَونَ أنفُسَهُم، وهُم يَتلُونَ الكِتابَ، أفلا يَعقِلُون؟! ".
[ ١ / ٢٠٥ ]
أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ١٢٠، ١٨٥، ٣٢١، ٢٣٩ - ٢٤٠)، وفي "الزُّهد" (٤٥)، ووَكِيعٌ (٢٩٧)، وابنُ المُبارَك (٨١٩)، كلاهما في "الزُّهد"، والطَّيَالِسِيُّ (٢٠٦٠)، وابنُ أبي شَيبَةَ (١٤/ ٣٠٨)، وعَبدُ بنُ حُمَيدٍ (١٢٢٢)، والبَزَّارُ (ج ٤/ رقم ٣٣٢١)، وابنُ أبي الدُّنيَا في "الصَّمت" (٥٠٩)، وابنُ مَردَوَيِه في "تفسيره" - كما في "ابن كَثِيرٍ" (١/ ١٢٢) -، والخطيبُ في "تَارِيخه" (٦/ ص ١٩٩، ٢٠٠)، وفي "المُوضِح" (٢/ ١٧٥) من طُرُقٍ عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زَيدٍ به.
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ، لكنَّهُ مُقارِبٌ.
وحمَّادُ بنُ سَلَمَةَ كان مِن أَثبَتِ النَّاس في حديثٌ عليّ بن زَيدٍ، كما قال أبو حاتمٍ، وأبو زُرعَةَ، وغيرُهُما.
ولكن، خَالَفَهُ عُمَرُ بن قَيسٍ، فرواه عن عليّ بن زَيدٍ، عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ مرفُوعًا به.
فزَادَ: "ثُمامَةَ" في الإسناد.
أخرَجَهُ ابنُ مَردَوَيهِ في "تَفسِيره" - كما في "ابن كَثِيرٍ" (١/ ١٢٢) - مِن طريق إِسحَاقَ بن إبراهيم التُّستَرِيِّ، حدَّثَنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، حدَّثَنا عُمَرُ بنُ قيسٍ.
ورِوايةُ حمَّادٍ أرجَحُ؛ لِمَا قدَّمنَاهُ.
وقد توبِع عليُّ بن زيدٍ في روايته عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ ..
تابَعَهُ مالِكُ بن دينارٍ، عن تمامَةَ، بسَنَدِه سواء.
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَبَ" (ج ٤/ رقم ١٦٣٧)، والخطيبُ في "الاقتضاء"
[ ١ / ٢٠٦ ]
(١١١) مِن طريق صَدَقَةَ بن مُوسَى، والحسَنِ بن أبي جَعفَرٍ، قالا: حدَّثَنا مالِكُ بنُ دينارٍ، عن ثُمامَةَ بن عبد الله، عن أنَسٍ.
وصَدَقَةُ، والحَسَنُ ضعيفان.
لكن، تابَعَهُمَا المُغِيرَةُ بن حَبيبٍ، عن مالِكِ بن دينارٍ، عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ.
أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره" (٤٧٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ٢٤٩) مِن طريق حجَّاج بن يُوسُفَ الشَّاعِرِ، ثنا سَهلُ بن حمَّادٍ أبو عَتَّابٍ، قال: حدَّثَنِي هِشَام الدَّسْتُوَائِيُّ، عن المُغِيرَة بن حَبِيبٍ به.
وسَهلُ بنُ حمَّادٍ لا بأس به، صَدُوق.
ولكن، خالَفَهُ يزيدُ بنُ زُرَيعٍ - وهو ثِقَةٌ ثَبتٌ حافظٌ -، فرواه عن هِشامٍ الدَّستُوَائِيِّ، عن المُغِيرة بن حَبيبٍ، عن مالِكِ بن دينارٍ، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى (ج ٧/ رقم ٤١٦٠)، وابنُ حِبَّان (ج ١٠/ رقم ٥٣)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ ق ٢/ ١٦٥)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٢/ ٣٨٦، و٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، كُلُّهم من طريق مُحمَّدِ بن المِنهَال، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع بهذا الإسناد.
قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن المُغِيرة، عن مالِكٍ، إلَّا هِشَام".
وقال أبو نُعَيمٍ: "تَفَرَّد به يزيدُ بن زُرَيعٍ، عن هِشامٍ".
• قلتُ: وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، كما مرَّ، فرِوَايَتُهُ أولَى. لكن في السَّنَد المُغِيرةُ بنُ حبيبٍ، ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثّقَات" (٧/ ٤٦٦)، وقال: "يُغرِبُ". وتَرجَمَهُ ابن أبي حاتمٍ (٤/ ١/ ٢٢٠ - ٢٢١)، ولم يَحْكِ فِيهِ جَرحًا ولا
[ ١ / ٢٠٧ ]
تَعدِيلًا. وقال الأَزدِيُّ: "مُنكَر الحديث".
لكنَّهُ تُوبِع.
تابعه إبراهيمُ بن أَدهَم، ثنا مالِكُ بن دِينارٍ به.
أخرَجَهُ أبو نُعَيم في "الحِليَةِ" (٨/ ٤٣ - ٤٤) من طريق مُحمَّد بن مُصَفَّى، حدَّثَنا بَقِيَّة، حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ أَدهَمَ، حدَّثَنا مالِكُ بنُ دِينارٍ، عن أنَسٍ.
قال أبو نُعيمٍ: "مَشهُورٌ من حديث مالِكٍ، عن أنَسٍ. غَرِيبٌ مِن حديثٌ إبراهيمَ، عنه".
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وابنُ مُصَفَّى، وبَقِيَّةُ صَرَّحَا بالتَّحديث.
وله طريقٌ آخرُ عن أنَسٍ - ﵁ -.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١/ رقم ٤١٣)، وعنه الضِّيَاءُ في "المُختارَة" (ق ١٢٧/ ٢) من طريق عبد الله بن جَعفَرٍ الرَّقِّيِّ، قال: حدَّثَنا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عن سُليمَانَ التَّيمِيِّ، عن أنَسٍ مرفُوعًا بنَحوِهِ.
قال: "ولم يَروِ هذا الحديثَ عن سُليمَانَ، إلَّا عِيسَى بنُ يُونُس".
• قلتُ: كذا! ولم يتفَرَّد به عِيسَى بنُ يُونُسَ، كما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى.
وعبدُ الله بنُ جعفرٍ الرَّقِّيُّ صَدُوقٌ، إلَّا أنَّه كان تَغَيَّرَ، ولم يَكُن اختلاطُهُ فاحشًا، كما قال ابنُ حِبَّان.
ورواه عبدُ الله بنُ المُبارَك، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أنَسٍ.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ١٧٢ - ١٧٣) مِن طريق مُحمَّد بن
[ ١ / ٢٠٨ ]
عَلُّوْيَةَ المِصِّيصِيِّ، ثنا يُوسُف بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ، ثنا عبدُ الله بنُ مُوسَى، ثنا ابن المُبارَك به.
قال أبو نُعيمٍ: "مَشهُورٌ مِن حديثٌ أنَسٍ، رواه عَنهُ عِدَّةٌ. وحديث سليمانَ عَزيزٌ".
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ.
ومُحمَّدُ بن عَلُّوْيَةَ هو أبو عبد الله التَّيمِيُّ الفَقِيهُ الجُرجَانِيُّ. تَرجَمَهُ السَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجَانَ" (ص ٣٨٩)، وهو مِن مشايخ الإِسمَاعِيليِّ، رَوَى عنه حديثًا في "مُعجَمه" (ق ٣٧/ ٢). وكان مِن أَئِمَّة الشَّافِعيَّة في عَصرِه، كما قال السَّمعَانِيُّ في "الأنساب" (٤/ ٢٣٥)، وتَفَقَّه على المزنِيِّ، ورَوَى عنه أبو حامِدٍ بنُ الشَّرقِيِّ.
ويُوسُفُ بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ ثِقَةٌ، من شُيوخ النَّسَائِيِّ.
وعبدُ الله بنُ مُوسَى. كذا وقع في "الحِلية"، وصوابُه عِندِي عُبَيدُ الله، وهُو من شُيوخ يُوسُفَ بن سعيدٍ، وهو ثِقَةٌ.
وبَقِيَّةُ رجال الإسناد أَئِمَّةٌ معرُوفُونَ.
وتابَعَهُ مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ، عن أبيه، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى. (ج ٧/ رقم ٤٠٦٩)، وعنه الضِّياءُ في "المُختارَة" (ق ١٢٧/ ٢) حدَّثَنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، ثنا مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ به.
ونَقَلَ الضِّياءُ عن الدَّارَقُطنِي قولَهُ: "تفرَّدَ به مُعتَمِرٌ، عن أبيه" كذا! وليس كما قال؛ وقد مَرَّت بك المُتابَعاتُ. وقد تعقَّبَهُ الضِّياءُ بقوله: "بَانَ بِرِوَايَةِ عيسى - يعني: ابنَ يُونُسَ - أنَّه لم يَتَفرَّد به مُعتَمِرٌ".
[ ١ / ٢٠٩ ]
وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ، وإسحاق بن أبي إِسرَائِيلَ ثقةٌ.
وله طريقٌ آخرُ عن أنَسٍ - ﵁ - ..
أخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥٧٠ - بتحقيقي)، والبَزَّارُ (٣٣٢٢ - زوائده) مِن طريق جَعفَرِ بن سُلَيمَانَ، عن عُمَرَ بن نَبهَانَ، عن قَتَادة، عن أنَسٍ مرفُوعًا.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ رواه عن أنَسٍ، عن قَتادَةَ، إلَّا عُمَرُ بنُ نَبهَانَ، ولا رواه إلَّا جَعفَر".
• قلتُ: وابنُ نَبهَانَ ضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وابنُ حِبَّان، وغيرُهُم. وقال ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ أُخرَى: "صالحٌ".
وأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير"، وعنه أبو نُعَيمٍ في "الحِليَة" (٢/ ٧)، مِن طريق زَيدِ بن الحَرِيشِ [ووقع في الحِلية: يَزِيدُ، وهو تصحيفٌ]، ثنا عبدُ الله بن خِرَاشٍ، عن العَوَّام بن حَوشَبٍ، عن المُسَيَّبِ بن رَافِعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "مَن دَعَا النَّاس إلى قولٍ أو عَمَلٍ، ولم يَعمَل هُو به، لم يَزَل في سَخَطٍ من الله حتَّى يَكُفَّ، أو يَعمَلَ بما قالَ أو دَعَا إِلَيهِ".
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٧/ ٢٧٦): "فيه عبدُ الله بنُ خِرَاشٍ، وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال: "يُخطِئُ"، وضعَّفَه الجُمهورُ. وبقيَّة رجالِهِ ثقاتٌ".
• قلتُ: وسَنَدُهُ واهٍ جِدًّا؛ وعبدُ الله بن خِرَاشٍ رماه مُحمَّدُ بن عَمَّارٍ المَوصِليُّ بالكَذِب. وقال السَّاجِيُّ: "ضعيفُ الحديث جِدًّا. ليس بشيءٍ. كان يَضَعُ الحديثَ". وقال البُخارِيُّ: "مُنكَرُ الحديث". وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بثِقةٍ". وقال الحافظُ في "التَّقريب": "ضعيفٌ"، وهو تَسَاهُلٌ،
[ ١ / ٢١٠ ]
وكان حَقُّهُ أن يقولَ: ضعيف جدًّا، لاسِيَّما وقد ذَكَرَ كلمةَ ابن عمَّارٍ، ولم يَتعَقَّبهُ. والله أعلم.
أمَّا قَولُ الهَيثَمِيِّ: "وبقيَّةُ رجاله ثِقاتٌ" فمتعقَّبٌ بأنَّ زيدَ بن الحَرِيشِ الأَهوَازِيَّ قال ابنُ القَطَّانِ: "مجهولُ الحال". وذكرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات"، وقال: "يُخطِئُ".
(تنبيهٌ)
لحديث أُسامَةَ بن زيدٍ الفائتِ شاهدٌ عن أبي أُمَامَةَ، رضي الله عن الجميع.
أخرَجَهُ أبو القاسم الأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغِيبِ" (٢١٣٦) من طَرِيقِ ابن أبي عَاصِمٍ، قال: حدَّثَنا الحسَن بن عليٍّ، حدَّثَنا خَازِمُ بنُ خزَيمَةَ، ثنا عُثمانُ بنُ عَمرٍو القُرَشِيُّ، عن مَكحُولٍ، عن أبي أُمامَة - ﵁ - مرفُوعًا: "يُجاءُ بالعالِم السُّوءِ يوم القِيَامَةِ، فيُقذَفُ في جهنَّمَ، فيَدُورُ بِقُصْبِهِ - قلت: وما قُصْبُهُ؟ قال: أمعاؤُه - كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحَى، فيُقالُ: يا وَيلَهُ! بما لاقَيتَ هذا، وإنَّما اهتَدَينَا بك؟! قال: كُنتُ أُخَالِفُكُم إلى ما أنهاكم عنه".
• قلتُ: وسَنَدُهُ ضعيفٌ؛ وخَازِمُ بنُ خُزيمة قال السُّلَيَمانِيُّ: "فيه نَظَر".
وضعَّفَهُ السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" (١/ ٦٥).
وانظُر الحديثَ رقمَ (٣٦٣).
[ ١ / ٢١١ ]