٤٨ - سُئلتُ عن حديث: "ثَلَاثةٌ، يَدعُونَ الله فَلَا يُستَجَابُ لَهُم: رَجُلٌ كَانَ تَحتَهُ امرَأَةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَم يُطَلِّقهَا، وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَلَم يُشهِد عَلَيهِ، وَرَجُل أتَى سَفِيهًا مَالَهُ، وَقَد قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُعَلٌّ بالوقف، وفي بعضه نَكَارَةٌ.
فقد أخرجه الحاكِمُ (٢/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ في "الكُبرَى" (١٠/ ١٤٦)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٨٠٤١) مِن طريق مُعاذِ بن مُعاذٍ العَنبَرِيِّ، ثنا شُعبة، عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي بُردَة، عن أبي مُوسَى الأشعريِّ مرفُوعًا فذَكَرَه.
قال الحاكِمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولَم يُخرِّجاه؛ لتوقِيفِ أصحابِ شُعبةَ هذا الحديثِ على أبي مُوسَى الأشعريِّ"، ووافقَهُ الذَّهَبيُّ.
وقَد تُوبع معاذٌ العَنبَرِيُّ عليه ..
تابعه عَمرُو بن حَكَّامٍ، قال: ثنا شُعبة بسَنَدِه سواءٌ.
أخرَجَهُ الطَّحاويُّ في "المُشكِل" (٣/ ٢١٦)، وأبو نُعيمٍ في "مسانيد فِراس بن يَحيَى" (ق ٩٣/ ١).
وابنُ حَكَّامٍ مُنكَرُ الحديث.
وتابعه داوُد بنُ إبراهيمَ الواسِطيُّ، ثنا شُعبة بسَنَدِه سواءٌ، لكن خالفه
[ ١ / ٢١٤ ]
في مَتنِه، فقال: "ثَلاثٌ، يَدعُون الله فلا يَستجيبُ لهم: رجلٌ تَحته امرأةُ سوءٍ فلا يُطلِّقُها، ورجلٌ له جارُ سوءٍ فلا يَتحوَّلُ عَنهُ، ورجلٌ له غريمُ سوءٍ فأعطاهُ البعضَ فلَم يأخُذهُ فذَهَبَ الكُلُّ".
أخرجه أبو نُعيمٍ أيضًا (ق ٩٣/ ١) قال: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ أحمد، ثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ الرَّازيُّ، ثنا أبو بكرٍ بنُ أبي الأَسْود، ثنا داوُد بنُ إبراهيم الوَاسِطيُّ به.
وهذا سَنَدٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ومُحمَّدُ بن جعفرٍ، شيخُ الطَّبرانيِّ، ترجَمَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٢٨) وقال: "ما عَلِمتُ إلَّا خيرًا". وأبو بكرٍ بنُ أبي الأسْوَد، هو عبدُ الله بن مُحمَّد بن أبي الأَسْود، وهُو ثِقةٌ. وداوُدُ بنُ إبراهيمَ الوَاسطيُّ، وثَّقَهُ الطَّيالسِيُّ، كُما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ - ٤٠٧) لابن أبي حاتمٍ.
ثُمَّ استدركتُ، فقُلتُ: وداوُدُ هذا، ليس الذي وَثَّقه الطَّيَالِسِيُّ، بل هو داوُد بنُ إبراهيم، قاضي قَزْوِينَ، وهو متروكٌ. أمَّا الوَاسِطِيُّ، فإنَّه يَروِي عن حبيب بن سالمٍ، مولى النُّعمانَ بن بَشِيرٍ، وهذا لم يَلْحَقهُ مَن رَوَى عن شُعبة، بل في تلاميذه مَن يُعَدُّ من شُيوخ شُعبة، فهي متابَعةٌ واهيةٌ، مع المُخالَفة في بعض المتن، كما أشرتُ آنفًا. والحمد لله.
ولكن، خُولِف هؤلاء الثَّلاثة ..
خالفَهُم مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ غُندَر، فرواه عن شُعبَةَ بسَنَدِه، لكنَّه أَوقَفَهُ.
أخرجه الطَّبَرِيُّ في "تفسيره" (٤/ ١٦٥).
وغُندَرٌ مِن أَثبَتِ النَّاس في شُعبةَ؛ فقد لَازَمَهُ عشرين سنةً، قال
[ ١ / ٢١٥ ]
ابنُ المبارك: "إذا اختلف النَّاسُ في حديثٌ شعبةَ، فكِتاب غُندَرٍ حَكَمٌ بينهم".
وتابَعه يَحيَى القطَّانُ، عن شُعبَةَ فأوقفه.
أخرجَهُ ابنُ أبي شَيبة (٤/ ٣٠٩).
وذَكَرَ أبُو نُعيمٍ أن رَوحَ بنَ عُبادةَ رواه أيضًا موقُوفًا.
وأخرجه أبو نُعيم أيضًا، من طريق عُثمان بن عُمَر، وابنِ حَكَّامٍ، قالَا: ثنا شُعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي بُردةَ، عن أبي مُوسَى.
رَفَعَهُ عمرُو بن حَكَّام.
فقَولُ أبي نُعيمٍ: "رفَعَهُ عمرُو بن حَكَّامٍ"، يَعنِي أن عُثمانَ بن عُمَر أوقَفَهُ، فيكُونُ الذين أوقَفُوا الحديثَ على شُعبةَ أربَعةٌ هم: غُندَر، ويحيى القطَّانُ، ورَوحُ بنُ عُبادة، وعُثمانُ بنُ عُمَر بن فارسٍ، وهُم يَتَرَجَّحُون على الَّذين رَفَعُوا - الحديثَ، فهم أَعلَى مِنهُم ضبطًا وإِتقَانًا، خصُوصًا في حديثِ شُعبةَ، بل ليس فيهم من يُرفَع له رأسٌ، إلَّا معاذٌ العَنْبَرِيُّ، وقد خالفه من ذَكَرتُ.
والفَقرة الأُولَى من الحديث فيها نَكَارةٌ عِندِي.
لما رواه أبو داوُد (١٤٢)، وأحمدُ (٤/ ٢١١)، وابنُ حِبَّان (١٥٩)، والحاكمُ (٤/ ١١٠)، والبيهقيُّ (٧/ ٣٠٣)، والبَغَويُّ في "شرح السُّنَّة" (١/ ٤١٥ - ٤١٦) من حديث عاصم بن لَقِيطِ بن صَبْرَةَ، عن أبيه، وساق حديثًا طويلًا، فيه: قُلتُ: يا رسول الله! إنَّ لي امرأةً، في لسانِهَا شيءٌ - يعني: البذاءة -. قال: "طَلِّقهَا"، قُلت: إنَّ لي منها ولدًا ولهَا صحبةٌ؟ قال: "فَمُرهَا، -يقول:- عِظهَا، فَإِن يكُ فيها خيرٌ فستَقبَلُ، ولَا تضرِبَنَّ
[ ١ / ٢١٦ ]
ظعينَتَك كضرب أُمَيَّتِك".
وأَخرَجَ أصحابُ السُّنَنِ بعضَ فقراته.
فهذا الحديثُ يدلُّ على جوازِ أن يُمسِك الرَّجلُ المرأةَ سيِّئةَ الخُلُق، سليطةَ اللِّسان، إلَّا لو حمَلنَا الحديث على غيرِ الضرُورة أو الحاجَةِ، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ المرء عادةً لا يُمسِك المرأة وهو كارِهٌ إلَّا لمعنًى.
واللهُ أعلَمُ.
[ ١ / ٢١٧ ]