• قلتُ: هذا الحديث صحيحٌ.
أخرجه أحمدُ في "المسند" (٥/ ١٩٧)، وفي "الزُّهد" (ص ١٩)، وابنُ أبي شَيبةَ في "المسند" (٣٦)، والطَّيالسيُّ (٩٧٩)، وعبدُ بن حُميدٍ في "المنتخَب" (٢٥٧)، وابنُ جَريرٍ في "تفسيره" (١١/ ١٠٤، و٣٠/ ٢٢١)، وفي "تهذيب الآثار" (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٧ - مُسنَد ابن عبَّاسٍ)، وابنُ أبي حاتِمٍ في "تَفسِيره" (١٠٣٢٦)، وابنُ حِبَّانَ (٨١٤، ٢٤٧٦)، وأبو مُحمَّدٍ الفَاكِهِيُّ في "حدِيثه" (ج ١/ ق ١٤/ ١ - رقم ٦٤ بتحقيقي)، وابنُ السُّنِّيِّ في "القناعة" (٣٠، ٣١، ٣٢)، والمَحَامِليُّ في "الأمالي" (ق ٤٩/ ٢ - ٥٠/ ١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٢٨٩١)، وابنُ بِشرَانَ في "الأمالي" (ق ٩٨/ ٢)، والحاكمُ (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وأبو الشَّيخِ في "الأمثال" (١٨٨)، وابنُ أبي الدُّنيَا في "كَلَام الأيَّام واللَّيَالِي" (رقم ١، ٢)، وأبُو نُعيم في "الحِلية" (١/ ٢٢٦، و٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣، و٩/ ٦٠)، والأصبهانيُّ في "التَّرغيب" (٥١٦، ٢٠٤٨)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ٧/ رقم ٣١٣٩)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٨١٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٢٤٧) من طُرُقٍ عن قتادة، عن خُلَيد بن عبد الله العَصَريِّ، عن أبي الدَّرداءِ، عن رسول الله - ﷺ -، قال: "ما طلعت الشمسُ قطُّ، إلَّا وبِجَنبَتَيهَا ملَكان يناديان، يُسمعَان مَن علَى
[ ١ / ١٣ ]
الأرض، غيرَ الثَّقلينِ: أيُّها النَّاسُ! هلُمُّوا إلَى ربِّكُم، ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُرَ وألهَى. ولا آبت شَمسٌ قَطُّ، إلَّا بُعِثَ بجَنبَتَيهَا مَلَكَان يُنادِيان، يُسمِعان أهلَ الأرضِ، إلَّا الثَّقَلَين: اللَّهُمَّ! أَعط مُنفِقًا خَلَفًا، وأَعط مُمسِكًا مَالًا تَلَفًا"، لفظُ أحمدَ.
وفي حدِيثِ عبَّادِ بن راشدٍ، عن قَتادَةَ - عِند ابن جَرِيرٍ، وابنِ أبي حاتِم، والفَاكِهِيِّ، وابنِ بِشرَانَ، والبَيهَقِيِّ -، زادَ: " … وأنزَلَ اللّهُ تعالَى في ذلك قُرآنًا - في قول الملكين: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمُّوا إلى رَبِّكُم -، في سُورَة يُونُس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. وَأنزلَ في قولهِمَا: اللَّهُمَّ! أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وأَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ … إلى قَولِه: … ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠] ".
• قلتُ: وقد تَفَرَّد عبَّادُ بن راشدٍ دُونَ سائِرِ رُواتِه عن قتادةَ، بِجَعلِ هذا الحديثَ سبَبًا لنُزُول هذه الآياتِ.
وعبَّادُ بن راشدٍ لا يُحتَمَلُ لمِثلِه أن يَنفَرِد عن قَتادَةَ بهذا.
وقد رَوَاهُ عن قَتَادَةَ دُون سَبَب النزول: سَعِيدُ بن أبي عَرُوبَةَ - مِن رواية عَبدِ الأَعلى بن عبد الأَعلَى -، وهمَّامُ بنُ يَحيَى، وشيبَانُ بن عبد الرَّحمَن، وهِشَامٌ الدَّستوائِيُّ، وسُليمانُ التَّيمِيُّ، وأبو عَوَانَةَ، وسَلَّام بن مِسكِين، فلَم يَذكُر واحدٌ مِنهُم ما ذَكَرَهُ عبّادُ بن راشدٍ.
نعم! وَقَع في رواية هِشَامٍ الدَّستوائِيِّ، قال: ثنا قتادَةُ، وتلا قَولَ الله ﷿: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[ ١ / ١٤ ]
[الشُّورَى: ٢٧]، فقال: ثنا خُلَيدُ بن عبدِ الله العَصَرِيُّ، عن أبي الدَّردَاءِ، مرفُوعًا، … إلى قوله: "وعجِّلْ لممسِكٍ تَلَفًا".
أخرَجَهُ الحاكمُ (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) قال: أخبَرَنَا أبو الحُسَين أحمدُ بن عُثمانَ بن يَحيَى المُقرِئُ ببغدادَ، ثنا أبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، ثنا عبدُ الصَّمَد بن عبد الوَارِثِ، ثنا هِشَامٌ الدَّستوائِيُّ، بهذا.
وشَيخُ الحاكِمِ ثقةٌ.
وأبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ هو عبدُ المَلِك بنُ مُحَمَّدٍ. وهو من الحُفَّاظِ. إلَّا أن الدَّارَقُطنِيَّ رَمَاهُ بكثرةِ الخَطَإِ في المَتنِ والإِسناد.
وقد رواه الطَّيَالِسِيُّ، ومُعاذُ بن هِشَامٍ كلاهُمَا، عن هِشامٍ الدَّستوائِيِّ، دُون ذِكرِ الحِكاية التي وَرَدَت في حديث عبدِ الصَّمَد، عِند الحَاكِم.
وعبدُ الصَّمَد من الأَثبَاتِ، فَهَل وَهِمَ عليه أبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ؟! ولكن، يُمكِن أن يُقالَ: ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ أنَّهُ إذَا وَرَدَت حكايَةٌ في الحديث دَلَّ علَى أنَّهُ محفُوظٌ. وهذا مِنهَا.
ووَقَعَ تصريحُ قتَادَةَ بالسَّمَاع مِن خُلَيدٍ عند الطَبَرِيِّ، والحاكِمِ مِن رواية عبَّادِ بن راشِدٍ، وهِشامٍ الدَّستوائِيِّ، عن قَتادَةَ.
وخُلَيدُ بنُ عبد الله العَصَرِيُّ رَوَى له مُسلِمٌ حديثًا واحِدًا، مُتابَعةً، في "كتاب الزَّكَاة" (٩٩٢/ ٣٥) عنه، عن الأَحنَف بن قَيسٍ، قال: كُنتُ في نَفَرٍ من قُرَيشٍ، فمَرَّ أبُو ذَرٍّ، وهو يَقُولُ: "بشِّر الكَانِزِين بِكَيٍّ في ظُهُورِهم، يَخرُج من جُنُوبِهم. وبِكَي مِن قِبَل أَقفَائِهِم، يَخرُج مِن جِبَاهِهِم"، - قال: - ثمَّ تَنَحَّى، فقَعَد، - قال. - قُلتُ: "مَن هَذَا؟ "،
[ ١ / ١٥ ]
قالُوا: "هذا أبو ذَرٍّ"، - قال: - فقُمتُ إليه، فقُلتُ: "ما شَيءٌ سَمِعتُك تقولُ قُبَيلَ؟ "، قال: "ما قُلتُ إلَّا شيئًا قد سمِعته مِن نَبِيِّهم - ﷺ -"، - قال: - قُلتُ: "ما تقُولُ في هذا العَطَاءِ؟ "، قال: "خُذهُ؛ فإنَّ فيه اليومَ مَعُونَةً. فإن كان ثَمَنًا لدِينِكَ فادفَعهُ".
هذا ما لِخُلَيدٍ في "صحيح مُسلِمٍ".
وخُلَيدٌ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات". ونَصَّ ابنُ مَعِينٍ في "تَارِيخِه" (٢/ ٢٢٤) على صِحَّة سمَاعِهِ مِن أبي الدَّردَاءِ.
وصَحَّحَ إسنادَهُ الحاكمُ، كما مَرَّ ذِكرُه.
وقولُهُ: "اللَّهُمَّ! أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا … " أخرَجَهُ الشَّيخَانِ، مِن حديثٌ أبي هُريرَة - ﵁ -، مرفُوعًا.
وصحَّح إسنادَهُ المنذريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٥٣٧)، وشيخُنَا الألبانيُّ في "الصَّحيحة" (رقم ٩٤٧).
وقال الهَيثميُّ في "المجمَع" (٣/ ١٢٢، و١٠/ ٢٥٥): "رجاله رجال الصَّحيحِ".
وله شاهدٌ عن أبي أُمامَة الباهليِّ مرفوعًا: "هلُمُّوا إلى ربِّكُم ﷿، ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُر وألهَى".
أخرجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "القَناعة" (٣٥)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (٨/ ٣١٤)، والقُضاعيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٢٦٣).
وفي إسناده فَضَّالُ بنُ جُبيرٍ، وهو ضعيفٌ.
وأخرجه أبُو يَعلَى (ج ٢/ رقم ١٠٥٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبَّادٍ،
[ ١ / ١٦ ]
حدَّثَنا أبو سعِيدٍ، عن صَدقةَ بن الرَّبيع، عن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن عبد الرَّحمن بن أبي سعيدٍ - أُراه عن أبيه، شكَّ أبو عبد الله -، قال: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - وهو على الأعواد، وهو يقولُ: "ما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كثُر وألهَى".
وصحَّحَهُ الضِّياءُ في "المُختارَة".
• قلتُ: والذي شك هو شيخ أبي يعلى، ويكنى: أبا عبد الله، وأبو سعيدٍ هو مَولَى بني هاشمٍ، من ثقات مشايخ الإمام أحمد.
وفي إسناده صَدَقَةُ بن الرَّبيع، قال الهيثميُّ في "المجمع" (١٠/ ٢٥٥ - ٢٥٦): "وهو ثقةٌ"!! كذا قالَ!
وصدَقةُ ترجَمَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ١/ ٤٣٣)، ولم يذكر فيه شيئًا، وذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٣١٩). فمِثلُهُ لا يُقال فيه: "ثقةٌ".
وأخرجه ابن عديٍّ في "الكامل" (١/ ٢٧٦) قال: حدَّثَنا الحَسنُ بنُ شعبةَ الأنصاريُّ، ثنا محمَّدُ بن أحمدَ بن سعيدٍ، ثنا القاسمُ بنُ الحَكَم، ثنا إسماعيلُ بنُ سَلمَانَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، مرفوعًا: "ما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كثُر وألهَى".
وفيه إسماعيل بن سلمان الأزرق، وهو متروكٌ، كما قال النَّسائِيُّ. وخَتَمَ ابنُ عَدِيٍّ ترجَمَته بقوله: "وقد رَوَى - يعني: إسماعيلَ - عن أنسٍ أيضًا حديثَ الطَّير في فضائِلِ عليّ بن أبي طالبٍ".
وهو بهذا يُشير إلى وهائِهِ؛ لأنَّ حديث الطَّير - وإن تعدَّدت طُرُقه - فهو باطلٌ واللهُ أعلمُ.
[ ١ / ١٧ ]