٥٩ - سُئلتُ عن حديث: "لَيسَ الإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي، وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِن مَا وَقَرَ فِي القَلب وَصَدَّقَتهُ الأَعمَالُ. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! لَا يَدخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلا بِعَمَلٍ يُتقِنُهُ"، قالُوا: يا رسُولَ الله! ما يُتقِنُه؟ قال: "يُحكِمُهُ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢٩٠)، واللَّالَكَائِيُّ في "شرح الاعتقاد" (١٥٦١) من طريق مُحمَّدِ بن عبد الرَّحمن بن بُحَيرِ بن رَيْسَان، قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَنِي مالكٌ، حدَّثَني أبُو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة مرفُوعًا.
قال ابنُ عديٍّ: "باطلٌ عن مالكٍ. ومُحمَّدُ بنُ عبدْ الرَّحمن، مِن أهل اليَمَن، روى عن الثِّقاتِ بالمناكير، وعن أبيه، وعن مالكٍ بالبواطيل".
وله شاهدٌ من حديث أنسٍ مرفُوعًا: "ليس الإيمانُ بالتَّمنِّي، ولا بِالتَّحَلِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقهُ الفعلُ. العِلمُ عِلْمان: عِلمٌ باللِّسان، وعِلمٌ بالقلب، فعلمُ القلب العِلمُ النَّافع، وعِلمُ اللِّسان حُجَّةُ الله على ابن آدمَ".
أخرجه ابنُ بِشرانَ في "الأمالي" (ج ٢٢/ ق ٢٤٨/ ١)، وابنُ النَّجَّار في "ذيل التَّاريخ" (٢/ ٤٨)، وأبُو عبد الرَّحمن السُّلمِيُّ في "الأربعين" (٧)، وابنُ مَردَوَيهِ، ومن طريقه ابنُ الجوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٧٣)،
[ ١ / ٢٣٦ ]
والعَسكَرِيُّ في "الأمثال" - كما في "تخريج الأربَعِين" (ق ٣/ ٢) للسَّخاوِيِّ -، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢١١٢) مِن طريق عبد السَّلام بن صالحٍ، ثنا يوسُفُ بنُ عطيَّة، ثنا قتادةُ، عن الحَسَن، عن أنسٍ مرفُوعًا.
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعبدُ السَّلام بنُ صالحٍ: هو أبُو الصَّلت الهَرَوِيُّ، وهو تالفٌ البتَّة، وتوثيق ابن مَعِينٍ له مردُودٌ، في مُقابِل الجرح المُفسَّر الصَّادرِ من سائر الأَئِمَّة، فقد كذَّبه بعضُهم، وترَكَهُ آخَرُون، حتَّى قال الجُوْزْجَانِيُّ: "هو أكذَبُ من رَوْثِ حمار الدَّجَّال"، وكذَّبَهُ العُقيليُّ، وقال أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ: "لم يَكُن عِندِي بصَدُوقٍ"، وهذا يَلتَقِي مع حكم العقيليِّ، والكلامُ فيه طويلُ الذَّيل.
وقال الشَّيخ العَلَّامةُ عبد الرَّحمن بن يحيَى المُعلِّمِيُّ ﵀ في تعليقه علي "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩٣) للشَّوكانيِّ، مُبيِّنًا حالَ أبي الصَّلت: "وأبو الصَّلتِ فيما يَظهَرُ لي كان داهِيَةً: من جِهَةٍ خَدَمَ عليَّ الرِّضا بنَ مُوسَى بن جَعفَر بن مُحمَّد بن عليِّ بن الحُسَين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، وتظاهَر بالتَّشيُّعِ، ورواية الأخبار التي تَدخُلُ في التَّشيُّعِ. ومن جِهَةٍ كان وجِيهًا عند بَنِي العَبَّاس. ومن جِهَةٍ تقرَّب إلي أهل السُّنَّة برَدِّه على الجهمِيَّةِ، واستطاع أن يتجَمَّل لابنِ مَعِينٍ حتَّى أحسَنَ الظَّنَّ به ووثَّقَهُ. وأحسَبُهُ كان مُخلِصًا لبني العبَّاس، وتظاهَرَ بالتَّشيُّعِ لأهلِ البَيتِ مَكرًا منه لكي يُصدَّقَ فيما يَروِيهِ عَنهُم، فرَوَى عن عليِّ بنِ مُوسَى عن آبائه المَوضُوعَاتِ الفاحشةَ، كما تَرَى بعضَها في ترجمةِ عليِّ بن مُوسَى من التَّهذيب، وغَرَضُهُ من ذلك حَطُّ دَرَجَةِ عَلِيِّ بن مُوسَى وأهلِ بَيتِه عند
[ ١ / ٢٣٧ ]
النَّاس. وأتعجَّبُ من الحافظ ابن حَجَرٍ، يَذكُرُ في ترجمة عليّ بن مُوسَى من "التَّهذيب" تلك البَلَايَا، وأنَّهُ تفرَّد بها عنه أبو الصَّلتِ، ثُمَّ يقُولُ في ترجمة عليٍّ من "التَّقريب": "صدُوقٌ. والخَلَلُ ممَّن رَوَى عنه"، والذي رَوَى عنه هو أبو الصَّلت. ومع ذلك يقُولُ في ترجمة أبي الصَّلت من "التَّقريب": "صدُوقٌ، له مَنَاكِيرُ، وكان يتشيَّعُ، وأفرَطَ العُقَيليُّ فقال: كذَّابٌ". ولم ينفَرِد" العُقيليُّ، فقد قال أبو حاتِمٍ: "لم يَكُن بصدُوقٍ"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "له أحاديثُ مناكِيرُ في فضل أهلِ البَيتِ، وهو مُتَّهَمٌ فِيها"، وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "رَوَى حديثَ: "الإيمانُ إقرارُ القَولِ" وهو مُتَّهمٌ بوَضعِه"، وقال مُحمَّدُ بنُ طاهرٍ: "كذَّابٌ"." انتهَى.
ويوسُفُ بن عطيَّة: هو البصرِيُّ الصفَّارُ، وهو مُجمَعٌ على ضعفه، فقد تَرَكه النَّسائيُّ، وقال البُخاريُّ: "مُنكَر الحديث".
وقد خُولِف قتادةُ في إسناده ..
خالفه أبُو بِشرٍ الحَلَبيُّ، فرَوَاه عن الحَسَنِ قال: "ليس الإيمانُ بالتَّحَلِّي، ولا بالتَّمَنِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقَتهُ الأعمالُ. مَن قال حَسَنًا، وغَمِل غيرَ صالحٍ، ردَّهُ اللهُ على قوله، ومَن قال حَسَنًا وعمل صالحًا، رفَعَهُ العَمَلُ؛ ذلك بأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ".
أخرجَه البَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ١/ رقم ٦٥)، والخطيبُ في "الاقتضاء" (٥٦) من طريق عُبيد الله بن مُوسَى، ثنا أبُو بِشرٍ الحَلَبيُّ به.
وهذا لا يَصحُّ أيضًا؛ وأبو بِشرٍ الحلبيُّ مجهولٌ.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ولكن له طريق آخر ..
أخرجه ابنُ أبي شَيبة في "الإيمان" (٩٣)، وعبدُ الله بنُ أحمدَ في "زوائد الزُّهد" (ص ٢٦٣)، مِن طريق جَعفرِ بن سُليمان، قال: نا زكريَّا، قال: سَمِعتُ الحَسَنَ يقولُ: "إنَّ الإِيمانَ ليس بالتَّحلِّي، ولا بالتَّمنِّي، إنَّما الإيمانُ ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقَه العملُ".
وفي "الزُّهد": " … عن الحَسَن، قال: كان يُقال … ".
وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ فإنَّ زكريَّا هو ابنُ حكيمٍ الحَبَطِيُّ البَصرِيُّ، وهو هالكٌ، كما قال ابنُ المَدينيِّ. وقال النَّسائيُّ: "ليس بثِقَةٍ"، وكذا قال ابنُ مَعِينٍ. فلا يَصِحُّ أيضًا عن الحَسَن.
لكن نَقَلَ المُناوِيُّ في "فيض القدير" (٥/ ٣٥٦)، عن العَلَائِيِّ، قال: "حديثٌ مُنكَرٌ، تفرَّد به عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ العابدُ، قال النَّسائيُّ: "مترُوكٌ"، وقال ابن عديٍّ: "مجُمَعٌ على ضعفه"، وقد رُوي معناه بسَنَدٍ جيِّدٍ، عن الحَسَن من قوله، وهو الصَّحيح" ا. هـ، كذا! ورُبَّما توَهَّم العَلَائيُّ أن زكريَّا هو ابنُ أبي زائدةَ أو نحوه. واللهُ أعلَمُ.
أمَّا الشَّطر الثَّاني من حديث أنسٍ مرفوعًا: "العلم عِلمان … الخ".
فله شاهدٌ من حديث جابرٍ - ﵁ - مرفُوعًا بتمامه.
أخرَجَهُ الخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٤٦)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٨٩) من طريق أبي سعيدٍ الأَشَجِّ عبدِ الله بن سعيدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ يمانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن الحَسَن، عن جابرٍ مرفُوعًا.
[ ١ / ٢٣٩ ]
• قلتُ: وهذا أحدُ وُجُوه الاختلاف على الحَسَن في إسناده، ولا يُسمَّى في الحقيقة شاهدًا إلَّا من جهة الشَّكل فقط.
وهذا الوَجهُ مُنكَرٌ؛ ويحيى بنُ يمانَ ليس بحُجَّةٍ، فمِن عَجَبٍ أن يقُول المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٠٣): "إسنادُهُ حَسَنٌ"، وكذلك العِرَاقِيُّ قال في "تخريج الإِحيَاء" (١/ ٥٩): "إسنادُهُ جيِّدٌ، وأعلَّهُ ابنُ الجَوزِيِّ"!!
والحَقُّ مع ابن الجوزِيِّ في إعلالِهِ قَطعًا؛ لأنَّ يحيى بنَ يمانَ - مع ضَعفِ حِفظِه - خالَفَهُ جماعةٌ من الثِّقات، فرَوَوهُ عن هشامِ بن حسَّانَ، عن الحَسَن، عن النَّبيِّ - ﷺ - مُرسَلًا.
أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَة في "زُهد المُصنَّف" (١٣/ ٢٣٥) قال: حدَّثَنا ابنُ نُمَيرٍ ..
والحُسَينُ المَروَزِيُّ في "زوائِدِهِ على زُهد ابن المُبارَك" (١١٦١) قال: نا عبَّادُ بنُ العوَّام ..
وابنُ عبدِ البَرِّ في "جامع العلم" (١١٥٠) عن أبي معاويةَ الضَّرير مُحمَّدِ بن خازمٍ ..
قالُوا: ثنا هشامُ بنُ حسَّانَ بهذا.
وتابَعَهُمَا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، فرواه عن هشام بن حسَّان بهذا الإسناد مُرسَلًا.
أخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ في "المُقدِّمة" (١/ ٨٦) قال: أخبَرَنا عاصمُ بن يُوسُف ..
[ ١ / ٢٤٠ ]
والحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نوادر الأُصُول" (ج ٢/ ق ٥/ ١) قال: ثنا حَفصُ بنُ عُمَر العابدُ ..
قالا: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ بهذا الإسناد.
قال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٠٣)، والعِراقِيُّ في "تخريج الإحياء" (١/ ٥٩): "مُرسَلٌ صحيحٌ الإسناد".
ورَوَاهُ مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشامُ بنُ حسَّان، عن الحَسَن البَصرِيِّ قولَه.
أخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ أيضًا (١/ ٨٦). وسَنَدُه صحيحٌ.
وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "شُعَب الإيمان" (١٦٨٦ - طبع الهند)، من قَول الفُضَيل بن عياضٍ، بسَنَدٍ جيِّدٍ عنه.
فالصَّحيح في هذا أنَّهُ صحيحٌ من مُرسَل الحسَن ومِن قوله.
وهذا فيما يتعلَّقُ بالفَقرَة الثَّانية: "العِلمُ علمان … الخ".
والله أعلم.
(تنبيهٌ)
وبَعدَ كتابة ما تقدَّم بأربعةَ عشَرَ عامًا، وقفتُ على كتاب "المُداوِي لعِلَل الجَامِع الصَّغير وشَرحَي المُناوِي" لأبي الفَيضِ الغُمَارِيِّ - وهو ممَّا طُبع حديثًا - فوجدتُهُ يرُدُّ على المُناوِيِّ إعلالَهُ الحديثَ بعبدِ السَّلام بن صالحٍ العابِدِ، فقال (٥/ ٣٣١): "ثُمَّ إنَّ عبدَ السَّلام بنَ صالحٍ ليس هو علَّةُ الحديث، ولا هُو مُجمَعٌ على ضَعفِه، بل وَثَّقَهُ إمامُ أهل الفَنِّ وغيرُهُ، ومَن تَكلَّم فيه إِنَّما تكلَّمَ لأَجلِ التَّشَيُّع، على عادَتِهم مع شيعَة أهلِ البَيتِ" انتهَى.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقال في موضعٍ آخَرَ من "المُداوِي" (١/ ٢٠٧) بعد أن ذَكَر قولَ ابن حِبَّان فيه: "يَروِي في فَضَائِلِ عليٍّ العَجَائِبَ. لا يُحتَج به إذا انفرد"، فقال الغُمارِيُّ: "وهذا الرَّجُلُ ممَّن ظَلَمَهُ أهلُ الجَرح والتَّعديل، لأجل تَشَيُّعِهِ لأهل البَيت، وقد وثَّقهُ أهلُ التَّحقيق منهم كما بيَّنتُهُ في فتح المَلِك العَليِّ" انتهى.
• قلتُ: فرَجَعتُ إلى "فتح المَلِك العَليِّ" فوجَدتُهُ يقُولُ بعد كلامٍ (ص ٩ - وما بعدَهَا): "فلم يَبقَ محلًّا للنَّظَر إلَّا أبو الصَّلت وعليه يدُورُ مِحوَرُ الكلام على هذا الحديث، وهو عدلٌ ثقةٌ صدوقٌ مرضِيٌّ معروفٌ بطَلَب الحديثِ والاعتناء به، رَحَل في طَلَبِه إلى البَصرَة والكُوفَة والحِجازِ واليَمَنِ والعِراقِ، ودَخَل بغدادَ فحدَّث بها. رَوَى عنهُ أحمدُ بنُ منصُورٍ الرَّمَادِيُّ الحافظُ صاحبُ المُسنَد"، وذَكَرَ آخَرين، ثُمَّ نَقَل توثيقَ ابن مَعِينٍ وأبي سعيدٍ الهَرَوِيِّ وأبي داوُد، واستدل بأنَّه ثقةٌ عند عبدِ الله بن أحمدَ بن حَنبلٍ وأَبيهِ بأنَّ أحمدَ ما كانَ يأذَنُ لابنِهِ أن يَروِيَ عن أحدٍ إلَّا إذا كان ثِقَةً عِندَهُ، ثُمَّ قال: "إِنَّهم صَحَّحُوا لرِجَالٍ تُكُلِّم فيهم بأشَدَّ ممَّا تُكَلِّم به في عبدِ السَّلام بن صالح، ورُمُوْا بأَسوَأَ ممَّا رُمِي به من الكَذِب وسُوءِ العَقِيدَةِ، ممَّا يَجِبُ معه أن يكُونَ حديثُهُ أصحَّ من حديثِهِم، فقَد صَحَّحُوا لرِجَالٍ كذَّابِينَ مُتَّهَمِين بالوضع، وفيهم مَن أقرَّ على نفسه بذلك ..
فصحَّحَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ لإسماعيلَ بن أبي أُوَيسٍ ..
قال أحمدُ بن أبي يحيَى عن ابن مَعينٍ: "يَسرِقُ الحديثَ". وقال إِبراهيمُ بن الجُنَيدِ عن ابن مَعِينٍ: "يَخلِطُ ويَكذِبُ. ليس بشَيءٍ". وقال
[ ١ / ٢٤٢ ]
النَّسائِيُّ: "ضعيفٌ"، وقال في موضعٍ آخرَ: "غيرُ ثقةٍ"، ولم يُخرِّج له. وقال ابنُ مَعِينٍ: "رَوَى عن خالِهِ - يعني مالكًا - أحاديثَ غَرائبَ لا يُتابعُه عليها أحدٌ". وقال النَّضرُ بنُ سَلَمةَ المَروَزِيُّ: "كَذَّابٌ، كان يُحَدِّثُ عن مالكٍ بمسائلَ ابن وهبٍ". وذَكَرَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء"، ونقل عن ابن مَعِينٍ أنَّه قال: "لا يَسوِي فِلسَينِ". وقال الأَزدِيُّ: "حدَّثنا سَيفُ بنُ مُحمَّدٍ، أن ابنَ أبي أُوَيسٍ كان يَضَعُ الحديث". وقال سَلَمَةُ بن شَبيبٍ: "سمعتُ إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيسٍ يقولُ: رُبَّما كنتُ أَضَعُ الحديثَ لأهل المَدِينَةِ إذا اختَلَفُوا في شيءٍ فيما بَينَهُم".
وصحَّحَ البُخارِيُّ لأُسَيد بن زيدٍ الجَمَّالِ ..
قال ابنُ مَعِينٍ: "كذَّابٌ. أتَيتُه ببغدادَ فسمِعتُه يُحدِّثُ بأحاديثَ كَذِبٍ". وقال النَّسائِيُّ: "مترُوكٌ". وقال ابنُ حِبَّان: "يَروِي عن الثِّقات المناكيرَ، ويَسرِقُ الحديثَ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يتبيَّنُ على روايَته الضَّعفُ، وعامَّةُ ما يَروِيهِ لا يُتابَعُ عليه". وقال أبو حاتِمٍ: "يتكلَّمُون فيه". وقال الدَّارقُطنيُّ: "ضعيفُ الحديث". وقال ابن مَاكُولَا: "ضَعَّفوه". وقال الخطيبُ: "كان غيرَ مَرضِيٍّ في الرِّواية". وقال البَزَّارُ: "حدَّث بأحاديثَ لم يُتابَع عليها، وقد احتُمِل حديثُهُ مع شيعَةٍ شديدةٍ فيه". وقال السَّاجِيُّ: "سمعتُ أحمدَ بن يحيَى الصُّوفيَّ يُحدِّثُ عنه بمناكيرَ".
وصحَّح البُخاريُّ للحَسَن بن مُدرِكٍ السُّدُوسِيِّ ..
قال فيه أبو داوُد: "كذَّابٌ، كان يأخُذُ أحاديثَ فهدِ بن عَوفٍ فيُلقِيها علي يَحيَى بن حمَادٍ".
[ ١ / ٢٤٣ ]
وصحَّحَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ لأحمدَ بن عيسى بن حسَّانَ المِصِريِّ ..
قال أبو داوُد: "كان ابنُ مَعِينٍ يَحلِفُ أنَّه كذَّاب". وقال أبو حاتِمٍ: "تكلَّم النَّاسُ فيه". وقال سعيدُ بن عَمرٍو البَرذَعِيُّ: "أَنكَرَ أبُو زُرعةَ على مُسلِمٍ روايتَهُ عنه في "الصَّحيح"، وقال: ما رأيتُ أهلَ مِصرَ يَشُكُّونَ في أنَّه - وأشار إلى لسانه، يعني أنَّه يَكذِبُ - ".
وصحَّح البُخارِيُّ للحَسَنِ بن ذَكوانَ ..
قال ابنُ مَعينٍ: "صاحبُ الأَوَابِد. مُنكَرُ الحديث". وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "أحاديثُهُ أباطيلُ". وضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ والنَّسائِيُّ وابنُ المَدِينِيِّ والسَّاجِيُّ، وآخَرُون.
وصحَّح أيضًا لنُعيمِ بن حمَّادٍ ..
قال الدُّولَابِيُّ: "كان يَضَعُ الحديث". وقال الأَزدِيُّ: "قالوا كان يَضَعُ الحديث في تقوية السُّنَّة". وحَكَمَ ابنُ الجَوزِيِّ بوضَعِ أحاديثَ كثيرةٍ أعلَّهَا بنُعيمٍ، ويكاد يَجزِمُ من يعتبر حديثه بذلك لكَثرَةِ ما فيه من المناكير. وقد قال الحافظُ السِّيوطِيُّ في "ذيل الموضُوعاتِ": "أَتعَبَنَا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ من كثرَة ما يأتي بهذه الطَّامَّاتِ".
وصحَّح أيصًا لعِكرِمَةَ مولى ابن عبَّاسٍ ..
وقد كذَّبَهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، وبيَّنُوا أدِلَّةَ ذلك، بل نُقِل عنه الاعترافُ بالكذبِ في مسألةٍ أو مَسأَلتَين، هذا مع البِدعَةِ الشَّدِيدَة التي كانت فيه.
وصحَّحَ مُسلِمٌ لأفلحَ بن سعيدٍ ..
اتَّهَمَهُ ابنُ حِبَّان بالوَضعِ، بل بوَضِع الحديثِ الذي أخرَجَهُ مُسلِمٌ عنه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وصحَّح أيضًا لقَطَنِ بن نُسَيرٍ ..
قال ابنُ عَدِيٍّ: "يَسرِقُ الأحاديثَ". وأتَّهَمَه أبو زُرعَة والقَوَارِيرِيُّ وابنُ عَدِيٍّ بوضع حديثٍ.
وصحَّحَ البُخارِيُّ لحرِيزِ بن عُثمانَ ..
وقد وَصَلَ في البِدعَةِ إلى حَدٍّ مُفَسِّقٍ بالإجماعِ أو مُكَفِّرٍ على رأى البَعضِ.
وكذلك صحَّح لعِمرَانَ بن حِطَّان، وهو مِثلُه.
وصحَّحَ مالكٌ ومُسلِمٌ لعبدِ الكَريم بن أبي المُخارِقِ ..
وهو مُجمَعٌ علي ضَعفِه كما قال ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه.
وصحَّحَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ لإبراهيمَ بن أبي يحيَى ..
وقال غيرُهُ: "إنَّه كذَّابٌ". وقال أحمدُ: "ترَكُوا حديثَهُ، قَدَرِيٌّ مُعتَزِلِيٌّ، يَروِي أحاديثَ ليس لها أَصلٌ". وقال البُخارِيُّ: "ترَكَهُ ابنُ المُبارَك والنَّاسُ". وقال عبَّاسٌ عن ابن مَعِينٍ: "كذَّابٌ رَافِضِيٌّ". وقال ابنُ المَدِيني: "كذَّابٌ، وكان يقُولُ بالقَدَر". وقال النَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وجماعَةٌ: "مترُوكٌ". وأطلق النَّسائِيُّ أنَّهُ كان يضَعُ الحديثَ. وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ: "كُنَّا نُسَمِّيه وهو يَطلُب الحديثَ: خُرافةً". وقال مُحمَّد بنُ سُحنُونَ: "لا أعلَمُ بين الأَئِمَّة اختلافًا في إِبطال الحُجَّة به"، ومَعَ هذا كُلِّه قال الحافظُ في "التَّلخيص": "كم من أصلٍ أصَّلَه الشَّافعيُّ لا يُوجَدُ إلَّا من رواية إبراهيم" ا. هـ.
فأين ما قيل في عبدِ السَّلام بن صالحٍ ممَّا قيل في هؤُلاء؟ فإنَّ جَرحَهُ لا
[ ١ / ٢٤٥ ]
يُذكَرُ بالنِّسبة لجَرحِهم، ومَعَ ذلك حَكَمُوا بصحَّة أحادِيثِهم، وذلك يُوجِبُ أن يَكُونَ حديثُهُ أصحَّ وأرفَعَ بدرجاتٍ من أحاديثهم" انتهَى كلامُهُ.
• قلتُ: وهذا الكلامُ عليه مُؤاخَذاتٌ كثيرةٌ، استوفَيتُ النَّظَر فيها في "الزَّنَدُ الوَارِي في الرَّد على الغُمارِي"، فأنا أَنقُل هنا خُلاصة الرَّدِّ عليه، لتعرِفَ ما ارتَكَبَهُ الغُمارِيُّ من المُجازَفة وقِلَّةِ الإنصاف.
أمَّا كلامُهُ في أبي الصَّلتِ وأنَّه ثقةٌ صدوقٌ عدلٌ رِضًى، فهاك كلامُ العُلماء فيه ..
قال يحيَى بنُ مَعِينٍ: "ثقةٌ صدُوقٌ، إلَّا أنَّه يتشيَّعُ"، وسُئل عن حديثِهِ الذي يرويه عن أبي مُعاوِيَة، عن الأَعمَش، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها، فمَن أرادَ العِلمَ فلْيَأتِ بَابَهُ"، قال القاسم بنُ عبد الرَّحمن الأَنبَارِيُّ: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن هذا الحديث، فقال: "هو صحيحٌ". قال الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٠): "أراد أنَّهُ صحيحٌ مِن حديث أبي مُعاوِيَة، وليس بباطلٍ، إذ قَد رواه غيرُ واحدٍ عنه".
وقال إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بن الجُنيْد: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن أبي الصَّلت الهَرَوِيِّ، فقال: "قد سمعَ، وما أعرِفُه بالكَذِب"، قلتُ: "فحديث الأعمش عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ؟ "، فقال: "ما سمعتُ به قطُّ، وما بلغني إلَّا عنه".
وقال مرَّةً أُخرَى: سمعتُ يَحيَى وذَكَرَ أبا الصَّلتَ الهَروِيَّ، فقال: "لم
[ ١ / ٢٤٦ ]
يَكُن أبو الصَّلت عندنا من أهل الكَذِب، وهذه الأحاديثُ التي يرويها ما نعرِفُها".
وقال عبدُ الخالق بنُ منصُورٍ: سألتُ يحيَى بنَ مَعينٍ عن أبي الصَّلتِ، فقال: "ما أعرفُهُ"، فقلتُ: "إنَّه يَروِي حديثَ الأعمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ: أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها"، فقال: "ما هذا الحديثُ بشيءٍ".
قال الخطيبُ: "أحسِبُ عبدَ الخَالِق سألَ يحيى عن حالِ أبي الصَّلتِ قدِيمًا، ولم يَكُن يحيى إذ ذاك يَعرِفُه ثُمَّ عَرَفه بعدُ، فأجاب إبراهيمَ بنَ الجُنَيد عن حالِهِ. وأمَّا حديثُ الأعمش فإنَّ أبا الصَّلتِ كان يروِيهِ عنه، فأنكَرَهُ أحمدُ بن حنبَلٍ ويحيى بنُ مَعِينٍ من حديث أبي مُعاوِية، ثمَّ بَحَثَ يحيَى عنه فوجد غيرَ أبي الصَّلتِ قد رواه عن أبي مُعاوية".
• قلتُ: فهذا توثيقُ ابن معينٍ، ومع توثيقِهِ فقد رَدَّ الحديثَ ووهَّاه.
أمَّا توثيقُهُ ..
فقد ردَّهُ الذَّهبيُّ في "السِّيَر" (١١/ ٤٤٧) بقوله: "جُبِلَت القُلوبُ على حُبِّ من أحسَن إليها، وكان هذا بارًّا بيحيَى، ونحن نَسمَعُ مِن يحيَى دائمًا ونحتجُّ بقوله في الرِّجال، ما لم يتبرهَن لنا وَهَنُ رجلٍ انفَرَد بتقوِيَتِهِ، أو قُوَّةُ من وهَّاهُ" انتهَى.
فبيَّن لنا الذَّهبيُّ العلَّةَ في توثيق ابن مَعِينٍ - مع تشدُّدِه - لأبي الصَّلتِ، وهي إحسانُهُ إلى يحيى، وحُسنُ ظَنِّ يحيى فيه، لاسيَّما وكان أبو الصَّلتِ موصُوفًا بالزُّهد والعِبادة، وابنُ مَعِينٍ في نهاية الأمرِ بَشَرٌ ولا ندَّعِي أنَّه
[ ١ / ٢٤٧ ]
حابَى أبا الصَّلتِ، ولكنَّه أحسَنَ الظَّنَّ به. وكأنَّ الذَّهبيَّ أراد أن يَدفَعَ دعوَى المُحابَاةِ بآخِر كلامِهِ، فيقُولُ: "نحنُ نَسمَعُ من يحيى، ونتَّبعُ كلامَه في الرُّواة، إلَّا أن يَظهَرَ لنا أن يحيى خُدِع فيه"، وهذا حقٌّ، فقد يَخفَى أمرُ الرَّاوي السَّاقِطِ على النَّاقدِ الفَطِنِ من أمثال ابن مَعِينٍ، كما حدَثَ له مع مُحمَّدِ بن القَاسم الأَسَدِيِّ، فقد سُئل عنه ابنُ مَعِينٍ، فقال: "ثقةٌ، وقد كَتبتُ عنه"، مع أن سائرَ العُلماء ما بَينَ مُكذِّبٍ له، وتاركٍ. وكذلك مُحمَّدُ بنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ، وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعِينٍ، وأسقَطَهُ سائرُ عُلماءِ الرَّيِّ، وهُم من أهل بلده، وهم أَعلَمُ به، وقد قال أبُو عليٍّ النَّيسابُورِيُّ لابن خُزَيمَة: "لو حدَّث الأستاذُ عن مُحمَّدِ بن حُميدٍ فإنَّ أحمدَ وابنَ مَعينٍ أحسنا الثَّناء عليه؟ "، فقال ابنُ خُزَيمَة: "إنَّهما لم يعرفاه كما عَرَفناه، ولو عرَفا ما عرَفناه لم يُحدِّثا عنه"، وقد ثبت رُجُوعُ أحمدَ ويحيى عن هذا التَّوثيق بعدُ.
فليس بغريبٍ أن يَخفَى أمرُ بعض الرُّواة المجرُوحين على بعض النُّقَّاد، حتَّى ولو كان في منزلة ابن مَعِينٍ.
أمَّا زعمُ الغُماريِّ أن أحمدَ وابنَه عبدَ الله وثَّقَاهُ، فإنَّه بَنَى هذا على نُصوصٍ وَرَدت أن عبدَ الله بنَ أحمدَ لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا إذا رَضِيَهُ أبُوه، ولن يَرضَى أحمدُ بداهةً إلَّا عن رجُلٍ ثقةٍ.
فالجوابُ من وَجهَين ..
• الأوَّل: أن هذه النُّصوص التي أورَدَها الحافظُ في "تعجيل المَنفَعة" من أن عبدَ الله بنَ أحمد لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا بإذن أبِيه ورضاهُ،
[ ١ / ٢٤٨ ]
فإنَّما ذلك بسبَبِ فِتنَةِ خَلقِ القُرآن، وأنَّ أحمدَ لم يكُن يُحدِّث عن رجلٍ تلبَّس بهذه الفِتنةِ وأجاب فيها، حتَّى ولو كان من أَجَلِّ الثِّقات، ومَوقِفُه من عليّ بن المَدينِيِّ وابنِ مَعِينٍ وغيرِهمَا معروفٌ. فالأَمرُ لا يتعلَّقُ إذن بثقة الرَّاوي من عدمه، بل إنَّ الإمامَ أحمدَ رَوَى عن بعض المَترُوكِين مثلِ عامرِ بن صالحٍ، ومُحمَّدِ بن القاسِمِ الأَسَدِيِّ، وعُمَرَ بن هارُونَ البَلْخِيِّ، ورَوَى عن ضُعَفاءَ ومجاهِيلَ، فكيف يَسَعُهُ أن يَروِي عن هؤُلاء ولا يَسَعُ عبدَ الله بنَ أحمدَ أن يروِي عن نَظَائِرهم.
• الوجه الثَّاني:
أن أحمد ضَعَّف أبا الصَّلتِ الهَرَوِيَّ نَصًّا، ونصَّ على هذا الحديثِ خُصُوصًا وأنَّه مُنكَرٌ ..
قال أبو بَكرٍ المَروَزِيُّ: سُئِل أبُو عبد الله عن أبي الصَّلتِ، فقال: "رَوَى أحاديثَ مناكيرَ"، قيل له: "رَوَى حديثَ مُجاهِدٍ، عن عليٍّ: أنا مدينةُ العِلمِ، وعليٌّ بابُها"، قال: "ما سَمِعنا بهذا"، قِيل له: "هذا الذي يُنكَر عليه؟ "، قال: "غيرُ هذا، أمَّا هذا فما سمِعنا به، روَى عن عبد الرَّزَّاق واحدًا لا نعرِفُها ولم نسمَعها"، قيل لأبي عبدِ الله: "قد كان عند عبدِ الرَّزَّاق مِن هذه الأحاديثِ الرَّديئة؟ "، قال: "لم أسمع منها شيئًا".
فهذا كلامُ أحمَدَ.
أمَّا كلامُ عبدِ الله بن أحمد في أبي الصَّلتِ، فقد قال العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٣/ ٧٠ - ٧١): "حدَّثني عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثَنا عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ أبو الصَّلتِ الهَرَوِيُّ، قال: حدَّثَنا شريكٌ، عن
[ ١ / ٢٤٩ ]
سِماكٍ، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال رسُول الله - ﷺ -: "إذا خَرَج العبدُ من دار الشِّرك قبلَ سَيِّدِه فهو حُرٌّ، وإن خَرَج بعد سَيِّده رُدَّ إليه. وإذا خَرَجت المرأةُ قبل زَوجِها تزوَّجت مَن شاءت، وإن خَرَجت من بعدِهِ رُدَّت إليه".
قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: قال لنا عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ: قال لي عليُّ بن حكْيمٍ: أنا سمعتُهُ من شريكٍ هكذا.
قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: ولم نَرَ هذا عند عليِّ بن حكيمٍ، ولا عند غيرِهِ، ولا نحفَظُه من حديثِ شريكٍ. وأبو الصَّلتِ غيرُ مُستقيمِ الأَمرِ".
أمَّا توثيقُ أبي داوُد له، فقد نَقَل الحافظُ في "تهذيبه" (٦/ ٣٢٢) قال: "قال الآجُرِّيُّ، عن أبي داوُد: كان ضابطًا، ورأيتُ ابنَ مَعينٍ عنده"، فهذا النَّقلُ سَبقُ نَظَرٍ أو قَلَمٍ من الحافظ، إنَّما قال أبو داوُد هذا في عبد السَّلام بن مُطَهَّرٍ أبي ظَفَرٍ، وهو موجُودٌ في "سُؤالَات الآجُرِّيِّ لأبي داوُد" (رقم ١٣٥٠)، وذَكَر فيه أيضًا (٨٠٤) قال: "سمعتُ أبا داوُد يقُولُ: رأيتُ يحيَى بن مَعِينٍ يكتُبُ عند أبي ظَفَرٍ، يكتُبُ عنه عن رجُلٍ، عن أبي بكرٍ الهُذَلِيِّ".
أمَّا قولُ أبي داوُد في أبي الصَّلتِ، فنقله مُغلُطَايُ في "إكمال تهذيب الكمال" (٨/ ٢٧٤) عن الآجُرِّيِّ، عن أبي داوُد، قال: "كان فيه نظرٌ".
ولم أجد هذا القولَ في النُّسخَة المطبُوعَة من "سؤالات الآجُرِّيِّ". والله أعلمُ.
وأمَّا توثيقُ أبي سعيدٍ الهَرَوِيِّ، فقد نَقَل الحافظُ في "تهذيبه" (٦/
[ ١ / ٢٥٠ ]
٣٢١) عن الدَّارقُطنيِّ، قال: "قال لي دَعلَجُ، أنَّه سمع أبا سعيدٍ الهَرَوِيَّ وقيل له: ما تقول في أبي الصَّلت؟ قال: نعم! ابنُ الهَيصَم ثقةٌ. قال: إنَّما سألتُك عن عبدِ السَّلام؟ فقال: نعم ثقةٌ! ولم يَزِد على هذا".
ونقل الغُمارِيُّ النَّصَّ من "تهذيب ابن حَجَرٍ"، وقد وقع فيه تحريفٌ أَفسَدَ المعنَى.
وقد رَوَى الخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٥١) هذا النَّصَّ عن أبي بَكرٍ البَرقَانِيِّ، عن الدَّارقُطنيِّ، أنَّه قال عن أبي الصَّلتِ: "كان رافضيًّا خبيثًا، قال لي دَعلَجُ: أنَّه سمع أبا سَعيدٍ الهَرَوِيَّ الزَّاهدَ، وقيل له: ما تقُولُ في عبد السَّلام بن صالحٍ؟ فقال: نُعيمُ بن الهَيصَمِ ثقةٌ. فقيل: إنَّما سألتُ عن عبد السَّلام؟ فقال: نُعيمٌ ثقةٌ. ولم يَزِد على هذا".
• قلتُ: فهذا هو النَّصُّ الصَّحيحُ، وهو قاضٍ بجَرح عبدِ السَّلام. سلَّمنا أنَّه وثَّقَهُ، فأبُو سعيدٍ ليس معرُوفًا في النُّقَّاد الذين يُعَوَّلُ على ما كلامِهم حتَّى يقابَل بكلام أساطين المُحَدِّثين المَشهُورِين بنَقد الرِّوايات والكَلامِ في الرُّواةِ.
فلم يَسْلَم لَكَ توثيقٌ عمَّن ذكرتَ إلَّا ابنَ مَعينٍ وقد تقدَّم ذِكرُ الحامِل له على ذلك في كلام الذَّهَبِيِّ. ولو سَلَّمنا ثقتَهُ، فقد أَنكَرَ ابنُ مَعينٍ الحديثَ الذي ألَّفتَ الجُزءَ لتقويته.
فاسمَع كلامَ بقيَّة النُّقَّاد في عبد السَّلامِ بن صالحٍ أبي الصَّلتِ ..
قال زكريَّا بنُ يحيَى السَّاجِيُّ: "يُحدِّث بمناكيرَ. هو عندهم ضعيفٌ" ..
وقال النَّسائيُّ: "ليس بثقةٍ" ..
[ ١ / ٢٥١ ]
وقال عبدُ الرَّحمن بنُ أبي حاتمٍ: "سألتُ أبي عنه، فقال: لم يَكُن عِندِي بصدُوقٍ، وهو ضعيفٌ. ولم يُحَدِّثني عنه" ..
وأمَّا أبو زُرعَةَ فأَمَرَ أن يُضرَب على حديث أبي الصَّلتِ، وقال: "لا أُحَدِّثُ عنه ولا أَرضَاهُ" ..
وقال إبراهيمُ بنُ يعقُوبَ الجُوْزْجَانِيُّ: "كان أبو الصَّلتِ الهَرَوِيُّ زائغًا عن الحَقِّ، مائِلًا عن القَصدِ، سمعتُ مَن حدَّثَني عن بعض الأئمَّةِ أنَّه قال فيه: هو أَكذَبُ من رَوْثِ حمار الدَّجَّال، وكان قديمًا مُتَلوِّثًا في الأقذار" ..
وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: "له أحاديثُ مَناكيرُ في فضل أهل البيت، وهو مُتَّهَمٌ فيها" ..
وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "كان رافضيًّا خبيثًا"، وقال مَرَّةً: "ليس بالقوِيِّ"، وقال أيضًا: "ورَوَى عن جعفَرِ بن مُحمَّدٍ الحديثَ، عن أبائه، عن النَّبيِّ - ﷺ -، أنَّه قال: "الإيمانُ إقرار بالقَول، وعَمَلٌ بالجوارح … الحديث"، وهو مُتَّهَمٌ بوضعه، لم يُحدِّث به إلَّا مَن سرَقَهُ منه، فهو الابتداء في هذا الحديثِ" ..
قال أبُو بَكرٍ البَرقَانِيُّ: "وحَكَى لنا أبو الحَسَن أنَّه سُمِع يقولُ: كَلُبٌ للعَلَوِيَّة خيرٌ من جميع بني أُميَّة، فقيل: فيهم عُثمانُ؟ فقال: فِيهُم عُثمانُ" ..
قال العُقيليُّ: "رافضيٌّ خبيثٌ"، وقال مَرَّةً: "كذَّابٌ" ..
وقال ابن حِبَّان: "يَروِي عن حمَّادِ بن زيدٍ وأهلِ العِراقِ العَجائِبَ في فَضلِ عليٍّ وأهل بَيتِه، لا يَجُوزُ الاحتجاجُ به إذا انفَرَدَ" ..
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال الحاكمُ والنَّقَّاشُ وأبو نُعيمٍ: "رَوَى مناكيرَ" ..
وقال مُحمَّدُ بنُ طاهرٍ: "كذابٌ" ..
وأخطَأَ مُغلُطَايُ عندما نقَلَ توثيقَ العِجليِّ له، والذي في "ثقات العِجليِّ" (١٠٩٩)، قال: "عبد السَّلام بنُ صالحٍ، بصريٌّ ثقةٌ"، وهذا قطعًا ليس أبا الصَّلت الهَرَوِيَّ، إنَّما هو آخَرُ أعلَى طبَقَةً من أبي الصَّلتِ، يَروِي عنه يزيدُ بنُ هارُون وغيرُه. والله أعلمُ.
• قلتُ: وبعدَ هذا الذي ذكرتُهُ لك هل يُمكِنُ أن يُقال: أن عُلماء الجَرح والتَّعديلِ ظَلَمُوا هذا الرَّجُل. لمُجرَّد أنَّه يتشيَّعُ لأهل البَيتِ وقد وَثَّقَ العُلماءُ المئاتِ من الرُّواة الشِّيعة؟!
إنَّ مَن يَعتقدُ هذا لَقليلُ الحظِّ من التَّوفيق. والله المُستَعان.
ومن غَرَائب الغُمارِيِّ ومُغالَطَاتِه أنَّه يَزعُم أن البُخارِيَّ ومُسلِمًا صحَّحا أحاديثَ لِرواةٍ تُكُلِّم فيهم بأشدَّ ممَّا تُكُلِّم في عبدِ السَّلام بن صالحٍ، وذَكَرَ جماعةً من هؤُلاء الرُّواة، وبعضَ أقوال أهل العِلمِ فيهم، وزَعَم أنَّهما صحَّحا لرُواةٍ كذَّابين مُتَّهَمِين بالوضع، فذَكَر منهم: إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيسٍ، وأحمدَ بنَ عيسى بن حسَّانَ المِصرِيَّ - صَحَّحا له -، وأُسيدَ بنَ زيدٍ الجَمَّالَ، والحسَنَ بنَ مدركٍ السُّدُوسِيَّ، والحَسَنَ بنَ ذَكوانَ، ونُعيمَ بنَ حمَّادٍ، وعِكرِمَةَ مولى ابن عبَّاسٍ، وحَريزَ بنَ عُثمانَ، وعِمرانَ بن حِطَّان - هؤلاء صحَّحَ لهم البُخاريَّ -، وأفلحَ بنَ سعيدٍ، وقَطَنَ بنَ نُسَيرٍ، وعبدَ الكريم بنَ أبي المُخارِقِ - وهؤلاء صحَّح لهم مُسلمٌ -، وهؤلاء جميعًا عند الغُمارِيِّ أسوأُ حالًا من عبدِ السَّلام بن صالحٍ، ومع ذلك
[ ١ / ٢٥٣ ]
صحَّح لهم الشَّيخانِ كما مرَّ بك.
وهذا القولُ لا يشكُّ عالمٌ بالحديث أنَّه مُجازَفةٌ، وأنَّه لم يُبْنَ على دراسةٍ علميَّةٍ صحيحةٍ، وأنا لا أستطيعُ أن أستَوفِيَ الرَّدَّ عليه في هذه العُجالة، بل محِلُّهُ "الزَّنَد الواري". لكن راجِع كلامَ الحافظ في "مُقدِّمة الفتح" في الذَّبِّ عن رُواة البُخارِيِّ منهم.
ولكن ليس في هؤلاء جميعًا من كان يَكذِبُ، يمعني: يَفتَعِلُ الحديثَ أو يَضعُهُ بحمد الله تعالى. والله المُستَعان.
لكنَّنِي أُرِيدُ أن أُبَيِّن خطأ الغُمارِيِّ في دعواه أن مُسلِمًا صحَّح لعبدِ الكَريم بن أبي المُخارِقِ ..
فإنَّ مُسلمًا لم يَروِ له شيئًا أصلًا، لكنَّ الغُمارِيَّ اغترَّ بما رآه في "تهذيب ابن حَجَرٍ" وأنَّه ذكر عَلامَة (م) التي تدلُّ على أن مُسلِمًا أخرَجَ له. وليتَهُ قَرَأَ التّرجَمة كُلَّها، ولو فَعَل لم يَقَع في هذا الخَطَإِ، فقد قال الحافظُ في "تهذيبه" (٦/ ٣٧٨): "وأمَّا مُسلِمٌ فقال المُؤلِّفُ - يعني: المِزِّيَّ -: رَوَى له في المُتابَعات، وهذا الإطلاقُ يَقتَضِي أنَّه رَوَى له عِدَّة أحاديثَ، وليس كذلك. ليس له في كتابه سِوَى موضِعٍ واحدٍ. وقد قيل: إنَّه ليس هو أبا أُميَّة، وإنَّما هو الجَزَرِيُّ، وقد قال الحافظُ أبو مُحمَّدٍ المُنذِرِيُّ: لم يُخرِّج له مُسلِمٌ شيئًا، أصلًا ولا مُتابَعَةً ولا غيرَها، وإنَّما أخرج لعبدِ الكَريم الجَزَرِيِّ" انتَهَى.
• قلتُ: أخرَجَ للجَزَرِيِّ أقلَّ من عَشَرَة أحاديثَ، أمَّا الحديثُ الواحدُ الذي أشار إليه الحافظُ في "مُسلمٍ"، وقيل إنَّه لعبدِ الكَرِيم بن أبي المُخارِقِ،
[ ١ / ٢٥٤ ]
فقد أخرَجَهُ في "كتاب الحَجِّ" (١٢٠١/ ٨٣)، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ أبي عُمَر، حدَّثَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، وأيُّوبَ، وحُميدٍ، وعبدِ الكَرِيم، عن مُجاهدٍ، عن ابن أبي لَيلى، عن كعب بن عُجرَة - ﵁ -، أن النَّبيَّ - ﷺ - مرَّ به وهو بالحُدَيبِيَةِ، قبل أن يَدخُل مَكَّة، وهو مُحرِمٌ، وهو يُوقِدُ تحت قِدرٍ، والقُمَّلُ يتهافَتُ على وجهه، فقال: "أَيُؤذِيكَ هوامُّكَ هذه؟ "، قال: "نعم"، قال: "فَاحلِق رأسَكَ، وأَطعِم فَرَقًا بين سِتَّةِ مساكينَ - والفَرَقُ ثلاثة آصُعٍ -، أو صُم ثلاثة أيَّامٍ، أو انسُك نَسِيكَةً".
قال ابن أبي نَجِيحٍ: "أو اذبح شاةً".
وعبدُ الكَريم في هذا الإسنادِ هو الجَزَرِيُّ، كما صرَّح به المِزِّيُّ في "تُحفَة الأَشرَاف" (٧/ ٥٤٤ - طبع بشَّار). ولو سلَّمنا أنَّه ابنُ أبي المُخارِقِ فلا يجُوزُ أن يُقالَ: "صحَّح له مُسلِمٌ"؛ لأنَّه قَرَنَهُ بابنِ أبي نَجِيحٍ وأيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ وحُمَيدٍ الطَّويلِ. فالمُعَوَّل على رواية هؤُلاء، أمَّا إطلاقُ أن مُسلِمًا صحَّح له، فهذا يَعنِي أنَّه احتَّج به، وقد عَلِمتَ أنَّه باطلٌ.
واللهُ أعلمُ.
[ ١ / ٢٥٥ ]