• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ البُخاريُّ (٥/ ٢١٠)، وأبو داوُد (٣٥٣٦)، والتِّرمِذِيُّ في "سُنَنه" (١٩٥٣)، وفي "الشَّمائل" (٣٥٠)، وأحمدُ (٦/ ٩٠)، وابنُ أبي الدُّنيا في "مكارم الأخلاق" (ص ٨٧)، وعَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب من المُسنَد" (١٥٠٣)، وأبو الطَّاهر المُخلِّصُ في "الفوائد" (ج ٩/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو بكرٍ الشَّافِعِيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (ج ٤/ ق ١٠١/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٢٠٨/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الأخلاق" (٢٥٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢/ ١٢ - ١٣)، والبَيهَقِيُّ (٦/ ١٨٠)، والخطيبُ في "التَّاريخ" (٤/ ٢٢٣)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢٤٤٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٦/ ١٠٥) من طرقٍ عن عِيسَى بن يُونُس، عن هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة، أن النَّبيَّ - ﷺ - كان يَقبَلُ الهديَّة، ويُثِيبُ عليها.
قال البُخاريُّ عَقِبَه: "لم يَذكُر وكيعٌ ومُحاضِرٌ: عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة"، ويَقصِدُ البُخاريُّ أن عيسى بنَ يُونُس خُولِف في وصلِه، فرواه وكيعٌ، ومُحاضِر بن المُورِّع مُرسَلًا.
وكذلك قال غيرُ واحدٍ من العُلماء ..
[ ١ / ٢٨١ ]
فقال ابنُ مَعِينٍ - كما في "تاريخ الدُّورِيِّ" (٤/ ٢٨) -: "النَّاس يُحَدِّثُون به مُرسلًا".
وقال أبو داوُد: "تَفرَّد بوصله عيسى بنُ يُونُس، وهو عند النَّاس مُرسَلٌ"، وكذلك قال البزَّار.
وصرَّح الطَّبَرانيُّ أن عيسى بنَ يُونُس تفرَّد بوصلِه.
ولم يُجِب الحافظُ في "الفتح" عن هذا الإعلال بشئٍ في موضع الحديث.
والجواب عنه: أن عيسى بنَ يُونُس ثقةٌ حُجَّةٌ، لم يَختلِف أحدٌ فيه، وقد صحَّحَه التِّرمِذِيُّ أيضًا.
وفي هذا الحديث دليلٌ على وهاء ما تمسَّك به بعضُ الطَّلَبة، أنَّه كُلَّما خالف الجماعةَ الواحدُ رجَّحُوا روايةَ الجماعةِ، وهذا ليس بلازمٍ؛ فإنَّ الأمر يدُورُ مع القرائن، وإن كان أكثرُ تَصَرُّف العُلماء على ترجيح رواية الجماعة، ولكنَّهُم قد يُرَجِّحُون روايةَ الواحد على الجماعةِ، كما فَعَل البُخاريُّ هنا ..
وكما فعل التِّرمِذِيُّ في حديثِ "المُسيء صلاتَه"، فقد رواه يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّان، عن عُبيد الله بن عُمَر، قال حدَّثَني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة.
وخالَفَهُ أنَسُ بنُ عِياضٍ، وعبدُ الله بن نُميرٍ، وأبو أُسامة حمَّادُ بنُ أُسامة، وعيسى بنُ يُونُس، وعبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان، وعُقبةُ بنُ خالدٍ، فرَوَوْه جميعًا عن عُبيد الله بن عُمَر، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة،
[ ١ / ٢٨٢ ]
ولم يَذكُرُوا والد سعيدٍ المَقبُرِيِّ.
وأخرج الشَّيخَان الوجهين جميعًا.
فقال التِّرمذِيُّ: "رواية يحيى بن سعيدٍ، عن عُبيد الله بن عُمَر أصحُّ"، وقد رأيتَ من خالَفَه.
وبالجُملة، فالحديث الشَّاذُّ ليس له حدٌّ قاطعٌ لا يُتجاوَزُ، وإن كان هئاك قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ يرجَع إليها، فقد تَتَخلَّفُ والعُمدَة في ذلك على كثرة النَّظَر، ومُلاحَظةِ تصرُّفِ العُلماء الحُذَّاقِ، مع إِدمان الطَّلَب، وَجَودَة القَرِيحة.
والكلامُ في الشُّدوذِ أشدُّ من المشي على حدِّ المُوسَى، فلا يَنقَضِي عَجَبِي، والأمرُ كذلك، كيف كثُر "الغِلمانُ المُحَقِّقُون"، الذين أَعَلُّوا جُملةً وافرةً من أحاديث "الصَّحيحين" بالشُّذوذ، فضلًا عن غيرِهما، ويَا لَيتَهُم إِذ أَعَلُّوا سُبِقوا، ولِكنَّهم ما سُبِقوا إلى ذلك من الحُفَّاظ والنُّقَّاد، وليت لَهُم من التَّحصيل، وطُول العُمر، وشهادة العُلماء لهم بالأهليَّة، ما يُعِينُهم على ذلك، فالُحكمُ لله العليِّ الكبير.
[ ١ / ٢٨٣ ]