• قلتُ: هذا حديثٌ مُقارِبٌ بآخِرِه.
أخرجه أبُو داوُد (٢/ ٣٧٥ - عون)، ومن طريقِهِ البَيهقِيُّ (٣/ ١٠٤)، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ٢٧١/ ٢) من طريقِ يَحيَى بن بَشِيرِ بن خلَّادٍ، عن أُمِّه، أنَّها دَخَلت على مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظيِّ، فسَمِعَتهُ يقول: حدَّثَني أبُو هُريرَة مرفُوعًا.
وقال الطَّبرانيُّ: "الثُّلَمَ" بدل "الخلل"، وزاد: "لا يتخلَّلُها الشَّيطانُ، وضَعُوا نعالَكُم بين أقدامكم".
قال الطَّبرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن أبي هُريرَة إلَّا بهذا الإسنادِ. تَفرَّد به يَحيَى بنُ بَشيرٍ".
• قلتُ: أمَّا يحيَى، فقال ابنُ القطَّان: "مجهولٌ".
وأُمُّه، اسمُها "أَمَةُ الواحِدِ بنتُ يامينَ" مجَهُولةٌ أيضًا. واللهُ أعلَمُ.
ولقوله: "سُدُّوا الخَلَلَ" شاهدٌ من حديث أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا: "ألا أدُلُّكُم على ما يكَفِّرُ اللهُ به الخَطايا ويَزِيدُ به الحَسَناتِ"، قالوا: بلى. قال: "إسباغُ الوُضُوء على المَكارِه، وكَثرَةُ الخُطى إلى المَساجد، وانتظارُ الصَّلاةِ بعد الصَّلاة. إنَّ الملائِكة تقولُ: اللَّهُم اغفِر له! اللَّهُمَّ ارحَمه". فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إذا قُمتُم إلى الصَّلاة فعدِّلُوا صُفُوفُكم وأقيمُوها، وسُدُّوا الخَلَلَ، فإنِّي أراكُم من وراء ظَهرِي. فإذا قال إمامُكُم: الله أكبرُ،
[ ١ / ٢٩٦ ]
فقولوا: اللهُ أكبرُ، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا لك الحمدُ"، فقال رسُول الله - ﷺ -: "خيرُ صُفُوف الرِّجال مُقدَّمُها، وشرُّها مؤَخَّرُها، وخيرُ صُفوف النِّساء مُؤَخَّرُها، وشرُّها مُقدَّمُها".
أخرَجَهُ البزَّارُ (٥٣١ - كشف) قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبُو عامِرٍ، عن زُهَير بن مُحَمَّدٍ، عن عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقيلٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا.
وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٣) قال: حدَّثَنا أبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ. .
والحارثُ بنُ أبي أُسامَةَ في "مُسنَده" (١٥٣ - زوائده)، وأبُو يَعلَى (١٣٥٥)، والبيهَقِيُّ (٢/ ١٦) عن يَحيَى بن أبي بُكَيرٍ. .
قالا: ثنا زُهَير بنُ مُحمَّدٍ، بهذا الإسناد بتمامه، غير أنَّه قال: "وسُدُّوا الفُرَجَ" بدل "الخَلَلَ".
وأخرَجَه ابنُ ماجَهْ (٤٢٧، ٧٧٦، ٨٧٧) قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ - وهذا في "المُصنَّف" (١/ ٧، و٢/ ٣٨٥) -، قال: حدَّثَنا يحيَى بنُ أبي بُكَيرٍ. .
وابنُ خُزَيمةَ (١٧٧) عن أبي عامِير العَقَدِيِّ. .
والدَّارِمِيُّ (١/ ١٤٣) قال: حدَّثَنا مُوسَى بنُ مسعودٍ. .
قالُوا: ثنا زُهَيرُ بنُ مُحَمَّدٍ، بهذا الإسناد ببعضِهِ.
وتُوبع زُهَيرٌ. .
تابَعَهُ عُبيدُ الله بنُ عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن ابن عُقَيلٍ بهذا الإسناد.
[ ١ / ٢٩٧ ]
أخَرجَه الدَّارِمِيُّ (١/ ١٤٣) مُختصَرًا، وعبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٩٨٤) بتَمامِه، قالا: ثنا زكرِيَّا بنُ عَدِيٍّ، ثنا عُبيدُ الله بنُ عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن عبد الله بن مُحمَّد بن عَقيلٍ بهذا.
وسَنَدُ صالحٌ.
قال البزَّارُ: "إنَّما يُعرَفُ من حديث عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقيلٍ. ورواه سُفيانُ عن غيرِهِ".
• قلتُ: وحديثُ سُفيانَ هذا:
أخرَجَه ابنُ خُزَيمةَ (١٧٧، ٣٥٧، ١٥٦٢، ١٥٧٧، ١٦٩٣، ١٦٩٤)، وأبُو يَعلَى (١١٠٢)، والبزَّارُ (٣٥٢ - كشف)، والعُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٢/ ٢٢٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤٠٢)، والحاكمُ (١/ ١٩١ - ١٩٢)، والبيهَقِيُّ (٢/ ١٦) من طرقٍ عن أبي عاصمٍ النَّبيلِ، ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن عبد الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ الله - ﷺ -: "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ يُكفِّرُ الخطايا، وَيزِيدُ في الحَسَنَات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغُ الوُضوء - أو: الطُّهور - في المَكَارِه، وكَثرةُ الخُطى إلى هذا المَسجِد، والصَّلاةُ بعد الصَّلاة. وما مِن أحَدٍ يَخرُجُ من بيتِهِ مُتَطَهِّرًا حتَّى يأتي المسجدَ فيُصَلِّي مع المُسلمين، أو مع الإمام، ثُمَّ ينتظِرُ الصَّلاة التي بعدَهَا، إلا قالت الملائكةُ: اللَّهُم اغفر له! اللَّهُمَّ ارحَمه! فإذا قُمتُم إلى الصَّلاة فاعدِلُوا صُفُوفَكم، وسُدُّوا الفُرَجَ. فإذا كبَّر الإمامُ فكَبِّرُوا، فإنِّي أراكم من ورائي، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وخَيرُ صُفوف الرِّجال المُقدَّمُ، وشرُّ صُفوف الرِّجال
[ ١ / ٢٩٨ ]
المُؤَخَّرُ، وخيرُ صُفوف النِّساء المُؤخَّرُ، وشرُّ صُفوف النِّساء المُقدَّمُ.
يا مَعشَر النِّساء! إذا سَجَدَ الرِّجال فاحفَظنَ أبصارَكُنَّ من عورات الرِّجال".
وهذا لفظ ابن حِبَّان، أورَدتُهُ بتمامِهِ لمحلِّ الشَّاهد.
وهو مُختصَرٌ عند غيره.
قال ابنُ خُزَيمةَ: "هذا الخبرُ لم يروه عن سفيانَ غيرُ أبي عاصِمٍ. فإن كان أبُو عاصِمٍ حَفِظَهُ فهذا إسنادٌ غريبٌ. . . والمشهورُ في هذا المَتن: عبدُ الله بنُ محمَّد بن عَقِيلٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ. لا: عن عبد الله بن أبي بَكرٍ".
وقال أبُو حاتِمٍ - كما في "العلل" (٥٤) لولَدِه -: "هذا وَهَمٌ. إنَّما هو: الثَّورِيُّ، عن ابن عَقِيلٍ. وليس لعبد الله بن أبي بكرٍ معنًى. رَوَى هذا الحديثَ عن ابن عَقيلٍ: زُهَيرٌ، وعُبيدُ الله بنُ عَمرٍو".
وسَبَقَهُ الإمامُ أحمدُ إلى ذلك. .
فقال العُقَيليُّ في "الضُّعفاء": "حدَّثَنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: قلتُ لأبي: تَحفَظُ عن سُفيانَ، عن عبدِ الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ يُكَفِّرُ الخَطايا ويَزِيدُ في الحَسَنات؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إسباغُ الوُضُوءِ عند المَكارِهِ"؟ فقال أبي: هذا باطِلٌ؛ ليس هذا من حديثِ عبد الله بن أبي بَكرٍ، إنَّما هذا مِن حديث ابن عَقِيلٍ. وأنكَرَهُ أبي أشدَّ الإنكار".
وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغرائب" (٤٦٨٤) -:
[ ١ / ٢٩٩ ]
"غريبٌ من حديث سعيد بن المُسيَّب، عن أبي سعيدٍ. لم يروه عنه غيرُ عبدِ الله بن مُحمَّدِ بن عَقِيلٍ. وكذلك رواه الثَّورِيِّ، عن ابن عَقيلٍ هذا. ورواه أبُو عاصِمٍ النَّبيلُ، عن الثَّورِيِّ، عن عبدِ الله بن أبي بَكرٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّب. ولم يُتابَع عليه. وتفرَّد به أبُو عاصمٍ، عن الثَّورِيِّ".
أمَّا الحاكمُ فقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخَين، ولم يُخرِّجاه.
وهو غريبٌ من حديثِ الثَّورِيِّ؛ فإنِّي سمعتُ أبا عليٍّ الحافظَ يقولُ: تفرَّد به أبُو عاصمٍ النَّبيلُ، عن الثَّورِيِّ".
• قلتُ: هكذا تتابَعَت كلماتُ النُّقَّاد الكبارُ، وهم القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهُم. ولكنَّ البزَّارَ قال كلمةً أَراها حلًّا لهذا الإعلال، فإنَّه قال بعد رواية الحديثِ: "لا نَعلَمُ رواه عن الثَّورِيِّ إلَّا أبُو عاصِمٍ. وأظُنُّ عبدَ الله بن أبي بَكرٍ هو عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن عَقيلٍ".
ومَعنَى هذا أن كُنيةَ مُحمَّدِ بن عقيلٍ هي "أبُو بَكرٍ". وقد صرَّح العُلماءُ أن الثَّورِيَّ يرويه أيضًا عن عبد الله بن مُحمَّد بن عَقيلٍ، فما المانِعُ أن يكونَ الثَّورِيُّ نَسَبَهُ إلى كُنيَة أبيه، ويكونُ دَلَّسَهُ؟!
وله شاهدٌ من حديث أبي أُمامَةَ - ﵁ -.
أخرَجَه أحمدُ (٥/ ٢٦٢) واللفظُ له، قال: حدَّثَنا هاشمُ - يعني ابنَ القاسمِ -. .
وأبُو يَعلَى في "مُسنَده" - كما في "إتحاف الخِيَرة" (١٧٦٤) للبُوصِيرِيِّ -، عن مُحْرِزِ بن عَونٍ. .
والطَّبرانِيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٧٢٧) عن أحمدَ بن إبراهيم المَوصِليِّ. .
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي "مُسنَد الشَّامِيِّين" (١٥٨٧) عن سُوَيد بن سعيدٍ. .
قال أربَعَتُهُم: ثنا فَرَجُ بنُ فَضالَة، عن لُقمانَ بن عامِرٍ، عن أبي أُمامَة، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ الله وملائِكَتَهُ يُصلُّون على الصَّفِّ الأوَّل"، قالوا: يا رسولَ الله! وعلى الثَّاني؟ قال: "وعلى الثَّاني". وقال رسولُ الله - ﷺ -: "سَوُّوا صُفُوفكم، وحاذُوا بين مَنَاكِبِكُم، ولِينُوا في أيدِي إخوانِكُم، وسُدُّوا الخَللَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَدخُلُ فيما بينَكُم بمَنِزلَةِ الحَذِفِ" يعني: أولادَ الضَّأن الصِّغارَ.
وهو عند الباقين ببعض اختصارٍ، مع وُجود محلِّ الشَّاهد.
وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لضعف فَرج بن فَضالَة.
وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في سَدِّ الخَلَلِ وتَسويةِ الصُّفوف، ولكِنِّي حرصتُ على تَخريجِ لفظِ الحديثِ المَسؤولِ عنه. والله المُوَفِّق.
وفي "صحيح البُخارِيِّ" (٧/ ٦٠) في قِصَّة مَقتَل عُمر، وفيه: وكان إذا مَرَّ بين الصَّفَّين قال: "استَوُوا"، حتَّى إذا لم يَرَ فيه خَلَلًا تقدَّم فكبَّر. . . الحديث.
[ ١ / ٣٠١ ]