٧٩ - وسأَلَنِي سائل، فقال: هل ثَبَتَ أن عُثمانَ بنَ عفَّان صَلَّى بالقُرآن في ركعةٍ؟ فَقَد حَدَث جدلٌ بيني وبين بعض أساتذة جامعة الأزهر، فأنكر أشدَّ الإنكار أَن يَحدُث مثلُ هذا، وقال: لم يَصِحَّ إسنادٌ لهذا الكلام، وليس له شواهدُ. فنَرجُو مِنكُم أن تَفصِلُوا في هذا الأمر، وأن تَتكَرَّمُوا علينا بذكر أسانيد هذا الكلام.
• قلتُ: قد صحَّ هذا الأَثَرُ عن عُثمان - ﵁ -.
وهاك تحقيق المقام:
أخرجه أبُو عُبيد في "فضائل القُرآن" (ص ٩٠)، وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٣/ رقم ٤٦٥٣)، ومِن طريقِهِ ابن المُنذِر في "الأوسط" (٥/ ١٧٠٨) من طريقِ ابن جُريجٍ، أخبَرَنِي ابنُ خُصَيفَةَ، عن السَّائب بن يزيدَ، أن رَجُلًا سأل عبدَ الرَّحمن بن عُثمانَ التَّيميَّ عن صلاة طلحةَ بن عُبيد الله، قال: إِن شِئتَ، أخبَرتُك بصلاة عُثمان بن عَفَّان؟ قال: نَعَم! قال: قُلتُ: لأَغلِبَنَّ اللَّيلة على الحِجر - يُريد المَقام -، - قال: - فلمَّا قُمتُ، إذا رجلٌ يُزاحِمُني مُتقنِّعًا، - قال: - فَنَظَرتُ، فإذا هو عُثمان، فتأخَّرتُ عنه، فصَلَّى، فإذا هو يَسجُدُ سجود القُرآن، حتى إذا قلتُ: هذا هُو أذانُ الفَجرِ، أَوتَرَ بركعةٍ لَم يُصَلِّ غيرَها، ثُمَّ انطلق.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وأخرَجَهُ مُحمَّدُ بن نصرٍ في "كتاب الوِتر" (ص ٢٨٦) مُختَصرًا.
وهذا سَنَدٌ صحيحٌ، كما قالَ الحافظُ ابنُ كَثيرٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٢٥٧ - بتحقيقي).
وَقَد أورَدَها ابن كَثيرٍ مُستدِلًّا بها على ختم القُرآن في ركعةٍ، وليس في الرِّوايةِ ما يَدُلُّ على ذلك، بل فيها عكسُه، فظاهرٌ منها أنَّهُ صلَّى أكثرَ مِن ركعةٍ، لكِنَّهُ أَوتَرَ بواحدةٍ، فهذا يَصلُح دليلًا في الرَّدِّ على مَن كَرِهَ الوِتر بواحدةٍ. ولو أنَّهُ ذَكَر رواية ابنَ المُنكَدِرِ، عن عبد الرَّحمن بن عُثمان التَّيميِّ، لكان أولَى من هذه الرِّواية في مَقام الاحتجاج.
فأخرج ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٦)، والطَّحاويُّ في "شرح المعاني" (١/ ٢٩٤)، والبَيهَقيُّ (٣/ ٢٥) من طريق فُلَيح بن سُليمانَ، عن مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن عبد الرَّحمن بن عُثمان التَّيميِّ، قال: قُلتُ: لأَغلِبَنَّ اللَّيلةَ على المَقام. فسَبَقتُ إليه، فبينَا أنا قائمٌ أُصلِّي، إذ وَضَع رجلٌ يده على ظَهْري، فنظرتُ، فإذا هو عُثمانُ بنُ عَفَّانَ - رَحمَةُ اللهِ عَلَيهِ -، وهُو خليفةٌ، فتنحَّيتُ عنه، فَقَام، فما بَرِح قائمًا، حتَّى فَرَغ من القُرآن في ركعةٍ، لَم يَزِد عليها، فلمَّا انصرفَ، قُلتُ: "يا أَميرَ المُؤمنينَ! إِنَّما صلَّيتَ ركعةً"، قال: "أَجَل؛ هي وِتري".
فهذ الرِّوايةُ صريحةٌ في الدِّلالة علَى التَّرجمةِ، وسَنَدُها جيِّدٌ.
وفُليحُ بنُ سُليمان، في حِفظِه مقالٌ، لكنَّه لم يتفرَّد بالحديث. .
فرواه مُحمَّدُ بنُ عمرٍو، عن مُحمَّدِ بن إبراهيم، عن عبد الرَّحمن بن عُثمانَ، قال: قُمتُ خلفَ المَقام، وأنَا أُريدُ أن لا يَغلِبَنِي أحدٌ عليه تلك
[ ١ / ٣٠٣ ]
اللَّيلة، فإذا رجلٌ يغمِزُني، فلَم ألتَفِتْ، فنَظَرتُ، فإذا هُو عُثمانُ بنُ عَفَّان، فتنحَّيتُ، فتقدَّمَ فقَرَأَ القُرآنَ في ركعةٍ، ثُمَّ انصرَفَ.
أخرجه ابنُ أبي شَيبة (١/ ٣٦٨، ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٧٥ - ٧٦)، والبَيهقِيُّ (٣/ ٢٤ - ٢٥)، وفي "الشُّعَب"، (ج ٥/ رقم ١٩٩٣).
وسَنَده حسنٌ.
وله طريق آخرُ ..
أخرجَهُ أبُو عُبيدٍ (ص ٩٠ - ٩١)، وابنُ أبي شَيبة (١/ ٣٦٧، ٢/ ٥٠٢)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٧٥، ٧٦)، وعُمرُ بنُ شَبَّة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١٢٧٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ١٣٠)، وأبُو نُعيمٍ في "الحلية" (١/ ٥٧) من طُرُقٍ عن ابن سِيرينَ، قال: قالَت نائِلةُ بنت الفَرافِصَةَ الكَلبِيَّةُ، حين دَخَلُوا على عُثمان ليقتُلُوه، فقالت: "إِن تَقتُلُوه أَو تَدَعُوه، فَقَد كان يُحيِي اللَّيلَ بركعةٍ، يَجمَعُ فيها القُرآن".
ورواه عن ابن سيرين جماعةٌ، منهم: هشامٌ الدَّستُوائيُّ، وعاصمٌ الأحولُ، وأبُو هلالٍ مُحمَّدُ بنُ سُليمٍ الرَّاسبيُّ، وقرةُ بنُ خالدٍ، وسلَّامُ بنُ مِسكينٍ، ويزيدُ بنُ إبراهيم.
وأخرجَهُ ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٧) مِن طريق عاصم بن سُليمان الأحولِ، عن ابن سِيرِينَ، وزاد: وكان تميمٌ الدَّاريُّ يقرَأُ القُرآنَ في ركعةٍ.
وأخرج هذه الزِّيادةَ: أبُو عُبيدٍ (ص ٩١)، وابنُ أبي شيبة (٢/ ٥٠٢)، والطَّحاويُّ في "الشَّرح" (١/ ٣٤٨)، والبيهقيُّ في "الكبرَى" (٣/ ٢٥)،
[ ١ / ٣٠٤ ]
وفي "الشُّعَب" (ج ٥/ رقم ١٩٩٤).
بَقِيَت طُرُقٌ أُخرَى.
فأخرج ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٢٧٥) قال: أخبَرَنا ابنُ لهِيعَة، قال: حدَّثَني بُكيرُ بنُ الأشجِّ، عن سُليمانَ بن يسارٍ، أن عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قام بعدَ العشاء، فقَرَأَ القُرآنَ كُلَّه في ركعة، لم يُصَلِّ قبلَهَا ولا بَعدَهَا.
وسَنَدُه جيِّدٌ، لولا الانقطاعُ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وعُثمان - ﵁ -.
وأخرج عُمَرُ بنُ شَبَّة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١٢٧٢) قال: حدَّثَنا خَلَفُ بنُ الوليد، حدَّثَنا الأشجعيُّ، عن مِسَعرٍ، قال: بَلَغَنِي أن امرأة عُثمانَ - ﵁ - قالت: "إِن تَقتُلُوه أو تَدَعُوه، فإنَّهُ كان يَختِمُ القُرآن في ليلةٍ، في ركعة".
وضعفُهُ ظاهرٌ، وقد تقدَّم موصولًا.
وأخرج ابنُ سعدٍ (٣/ ٧٦) قال: أخبَرَنَا يُوسُفُ بنُ الغَرْقِ، قال: أخبَرَنَا خالدُ بنُ بُكيرٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، أن عُثمانَ بن عفَّان صلَّى بالنَّاس، ثُمَّ قام خلف المقام، فجَمَعَ كتابَ الله في ركعةٍ، كانت مرَّةً، فسُمِّيَت "البُتَيرَاءَ".
وسَنَدُه واهٍ؛ ويُوسُفُ بنُ الغَرْقِ أقرَبُ إلى الوَهَاء.
وعطاءٌ، عن عُثمانَ: مُنقَطعٌ.
[ ١ / ٣٠٥ ]