قت: ومع هذا البحث الرائق لهذا الإمام، فقد نقل هذا المستدرِك كلام الإمام ابن القيم الذي نقله الشيخ، ثم رده بما ذكره الشيخ من كلام أبي داود والذهبي وابن حجر موهمًا أنه الذي جاء بهذه النقول، وهذا خلاف الأمانة العلمية بمثل ما وقع منه فى مواضع كثيرة، والله المستعان، ولم يأت بفائدة تذكر، وإنما علق برأيه الذي ليس منه كبير فائدة، وهذا حال كثير من هؤلاء المتسرعين، والله المستعان.
قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢٢٥١): الوليد هذا مجهول الحال، ولا يعرف بغير هذا الحديث، وله إسناد جيد عن أنس، سنذكره به -إن شاء الله- في باب الأحاديث التي أوردها على أنها صحيحة، وليست كذلك من تلك الطرق، ولها طرق أحسن منها صحيحة أو حسنة، ثم قال ﵀ في هذا الباب رقم (٢٤٣٠): ذكر محمد بن يحيى الذهلي في كتابه في عال حديث الزهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار -من أصله- وكان صدوقًا قال: حدثنا محمد ابن حرب قال حدثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) في هذا بيان أن الإمام ابن القيم ﵀ يرى أن رواية الثقة تنفع الرواي المجهول كما بينته في كتابي "القول الحسن في كشف شبهات حول الاحتجاج بالحديث الحسن". وقد اعترض الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣) على ابن القطان في تجهيله الوليد بقوله: قول ابن القطان: إنه مجهول هو على طريقته في طلب زيادة التعديل مع رواية جماعة عن الرواي.
[ ٥٩ ]
توضأ، فأدخل أصابعه تحت لحيته، فخللها بأصابعه، ثم قال: "هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي جَلَّ وَعَزَّ".
قال ابن القطان الفاسي: هذا الإسناد صحيح، ولا يضره رواية من رواه عن محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس، فقد يراجع كتابه، فيعرف منه أن الذي حدثه به هو الزهري، فيحدث به، فيأخذه عنه الصفار وغيره، وهذا الذي أشرت إليه هو الذي اعتل به عليه محمد بن يحيى الذهلي حين ذكره.
ونص كلامه هو أن قال: حدثنا يزيد بن عبد ربه قال: حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- توضأ، فأدخل أصابعه تحت لحيته. قال محمد بن يحيى: المحفوظ عندنا حديث يزيد بن عبد ربه، وحديث الصفار واه، هذا نص ما قال، فانظر فيه، ويزيد بن عبد ربه ثقة. اهـ.
قلت: علق الذهبي في رده على ابن القطان ص (٥٤) رقم (٧١) بقوله: كفانا الذهلي مؤنتك.
قلت: يقوي ما ذهب إليه الفاسي أن الصفار مع كونه صدوقا كما قال الذهلي قد توبع، تابعه: كثير بن عبيد الحذاء -وهو ثقة- عند الطبراني في الشاميين (١٦٩١)، ومحمد بن وهب بن أبي كريمة -وهو صدوق- عند الحاكم (١/ ١٤٩)، وبذلك تترجح رواية الثلاثة على رواية يزيد بن عبد ربه، ويصح الإسناد كما ذهب إليه ابن القطان الفاسي، والله أعلم.
وأما قول المعترض عن متابعة محمد بن وهب: إن هذه المتابعة لا تفيد شيئًا، لأن علة الحديث هي الانقطاع فدال على أنه لا يدري ما يقول لأن الخلاف بين هؤلاء الثلاثة وبين يزيد في إثبات الزهري في الإسناد كما في روايتهم، وبين عدم إثباته كما في رواية يزيد، وترجيح رواية الثلاثة هو الذي يجري على قواعد هذا
[ ٦٠ ]
الفن الشريف، وأما احتجاجه بقول الحافظ: ررجاله ثقات إلا أنه معلول، فليس صريحًا في ترجيحه الإعلال، وإنما هو حكايه الخلاف، وهب أنه رجح، فهل هو من المتقدمين كما يحلو لهؤلاء أن يفرقوا بين العلماء؟!.
وللحديث طرق كثيرة عن أنس، منها:
ما رواه الحاكم (١/ ١٤٩) من طريق مروان الفزاري عن أبي إسحاق الفزاري عن موسى بن أبي عائشة عن أنس به قال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١٦): الخطأ من مروان، موسى بن أبي عائشة يحدث عن رجل عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي - ﷺ -.
وقال في (٨٤): هذا غير محفوظ.
قلت: رواه ابن ماجه (٤٣١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥)، وابن سعد (١/ ٣٨٦)، وابن عدي في (٢/ ١٣٧)، والطبري في تفسيره (٦/ ٧٧)، والطبراني في الأوسط (٥٢٠)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٥٣) من طرق عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا.
ويزيد الرقاشي ضعيف.
- ورواه الطبراني في الأوسط (٢٩٧٦)، (٥١٢٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٧) من طريق عيسى الأزرق عن مطر الوراق عن أنس بنحوه.
وعيسى -وهو ابن يزيد الأزرق- مقبول، ومطر الوراق صدوق كثير الخطأ كما في التقريب.
- ورواه بحشل في تاريخ واسط ص (٦٩)، والبيهقي في السنن الكبير (١/ ٥٤) من طريق أبي خالد عن أنس مرفوعًا به، وأبو خالد مولى الحجاج لم أقف له على ترجمة.
[ ٦١ ]
- ورواه بحشل ص (٥٨) من طريق راشد بن معبد عنه، وراشد اتهمه ابن حبان بالوضع.
- ورواه الطبري (٦/ ٧٧)، وابن عدي (٣/ ١٩٩، ٣٠٠ - ٣٠١) من طريق معاوية بن قرة عن أنس، وفي إسناده زيد العمي، وهو ضعيف.
ورواه البزار (٦٦٧١)، والدولابي في الكنى (٩٢٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٩٧٨)، وابن عدي (١/ ٣٥٧) من طريق أيوب بن عبد الله الملاح سمعت الحسن، وسئل عن الوضوء، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلل لحيته، ومسح على عمامته، وقال: حدثني أنس بن مالك أن هذا وضوء رسول الله ﷺ.
قال ابن عدي: وأيوب بن عبد الله هذا لم أجد له من الحديث غير هذا الحديث الواحد، وهو من هذا الطريق لا يتابع عليه.
ورواه أبو يعلى (٣٤٨٧)، ثنا عمرو بن الحصين ثنا حسان بن سياه عن ثابت عن أنس، وهو إسناد واه، فإن عمرًا متروك، وحسان ضعيف.
ورواه ابن عدي (٧/ ١١٥)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١) من طريق هاشم بن سعيد عن محمد بن زياد عن أنس، وهاشم ضعيف.
ورواه العقيلي (٣٨٨٥) والطبراني في الأوسط (٤٤٦٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥٥ - ٥٦) من حديث أبي حفص العبدي عمر بن حفص عن ثابت عن أنس، وأبو حفص ضعيف، وتابع أبا حفص عمر بن ذؤيب عند العقيلي (٣٨٩٠)، وقال العقيلي: مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ.
ورواه الطبراني في الأوسط (٤٥٢) من طريق إسحاق بن عبد الله التميمي الأذني قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس، والأذني مجهول الحال.
وللحديث شواهد، منها:
[ ٦٢ ]
ما رواه الترمذي (٢٩)، وابن ماجه (٤٢٩)، والطيالسي (٦٨٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤)، (١٤/ ١٧٧)، وفي المسند (٤٣٣)، والحميدي (١٤٦) كلهم من طريق عبد الكريم أبي أمية عن حسان بن بلال عن عمار مرفوعًا، وعبد الكريم متروك.
ورواه الترمذي (٣٠)، وابن ماجه (٤٢٩)، والحميدي (١٤٧)، وغيرهم من طريق سفيان بن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حسان به.
قال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٦٠): لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث الخبر، وهذا أيضًا مما يوهنه.
وقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣١): ولا يصح حديث سعيد.
ومن حديث أبي أيوب الأنصاري عند ابن ماجه (٤٣٣)، وأحمد (٢٣٥٤١) والترمذي في العلل الكبير (٢٠)، وأبي عبيد في الطهور (٣٢٧)، والطبراني (٦/ ٧٧)، والعقيلي (٦٣٠٦)، وابن عدي (٧/ ٨٦)، والطبراني في الكبير (٤٠٦٨).
قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء، فقلت: أبو سورة ما اسمه؟ قال: لا أدري، ما يصنع به؟، عنده مناكير، ولا يعرف له سماع من أبي أيوب.
ومن حديث جابر عند أحمد في العلل (١٦١٢)، وابن عدي (١/ ٤٠٣)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٣٣)، وضعفه أحمد جدًّا من أجل أصرم بن غياث.
ومن حديث وائل بن حجر عند البزار كما في كشف الأستار (٢٦٨)، والطبراني في الكبير ج (٢٢) رقم (١١٨) في حديث طويل، وضعفه الهيثمي كما في المجمع (١/ ٢٣٢)، بسعيد بن عبد الجبار ومحمد بن حجر.
[ ٦٣ ]
ومن حديث أبي بكرة عند البزار (٣٦٨٧)، وقال المعلق: شيخ البزار لم أجد من ترجمه.
ومن حديث ابن عمر عند ابن ماجه (٤٣٢)، والطبراني في الأوسط (١٣٦٣)، والدارقطني في سننه (١/ ١٠٦ - ١٠٧)، والبيهقي (١/ ٥٥)، وابن عساكر (٣٩/ ١٩١).
وصوب الدارقطني وقفه.
ومن حديث أم سلمة عند الطبراني في الكبير ج (٢٣) رقم (٦٦٤)، وفي إسناده خالد بن إلياس قال الهيثمي في الجمع (١/ ٢٣٥): لم أر من ترجمه.
قلت: بل لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الرواة، قال ابن عبد البر: ضعيف عند جمعيهم.
ومن حديث أبي الدرداء عند ابن عدي (٢/ ٨٤)، وهو من رواية الحسن عنه، ولم يذكر سماعًا منه.
وفي الإسناد تمام بن نجيح وثقه ابن معين، وقال البخاري فيه نظر، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه.
ومن حديث ابن عباس عند الطبراني في الأوسط (٢٢٧٧)، والعقيلي (٦١٤٢)، وتمام في الفوائد (١٧٧٥)، وفي إسناده نافع مولى يوسف السلمي كذبه ابن معين، ووهاه غيره.
ومن حديث ابن أبي أوفى عند أبي عبيد في الطهور (٨٤)، (٣٢٦) وعند ابن ماجه (٤١٦)، والطبر اني في الأوسط (٩٣٦٢) بدون ذكر التخليل، وفي إسناده فائد أبو الورقاء، وهو ضعيف جدًّا.
[ ٦٤ ]
ومن حديث أبي أمامة، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، (١٣/ ١٧٨)، وأبو عبيد في الطهور (٣٣٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٦٠ - ١٦١)، والطبري في تفسيره (٦/ ٧٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (١٢١٤) كلهم من طريق عمر بن سليم الباهلي عن أبي غالب قال: رأيت أبا أمامة توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلل لحيته، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعله، وأبو غالب اسمه حزور قال النسائي: ضعيف، والنسائي متشدد في الجرح، وقال ابن حبان: منكر الحديث على قلته، وهو أيضًا متشدد في الجرح، ومع ذلك قال: لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق الثقات، وهذا يعني أنه لا يسقطه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وهو مع تشدده أيضًا فإن ذلك ليس جرحًا مفسرًا، وفي الجامع في الجرح والتعديل: قال البرقاني: سمعته (يعني الدارقطني): أبو غالب اسمه حزور، بصري لا يعتبر (١) به، وقلت له مرة أخرى: أبو غالب عن أبي أمامة؟ فقال: بصري، واسمه حزور، قلت: ثقة؟ قال: نعم، قلت: ورواية التوثيق أولى لكون الدارقطني لم يذكره في الضعفاء له، وقال ابن معين: صالح الحديث، هذا مع تشدده، وضعفه ابن سعد، ووثقه موسى بن هارون، فحاصل أقوالهم، ما ذهب إليه ابن عدي حيث قال: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرا، وأرجو أنه لا بأس به، قال الحافظ في التهذيب: وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها.