- الإرواء (٢/ ٧٥) رقم (٣٥٧):
قال المستدرِك: ذكر الشيخ الألباني ﵀ حديث وائل بن حجر، وضعفه، ثم حديث ابن عمر، ثم حديث أبي هريرة، والاستدراك يتناول هذه الأحاديث الثلاثة.
أولًا: حديث وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
حكم الشيخ: ضعيف.
حكم المستدرك: هو بمثابة الاستعراض على الشيخ، فهو يوافق الشيخ على تضعيفه، ثم قال: ينبغي أن يكون صحيحًا على طريقة الشيخ.
الراجح عندي: ما ألزم به الشيخَ باطل.
الحديث أخرجه أبو داود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (٢/ ٢٠٦)، وابن ماجه (٨٨٢) وغيرهم، وقال المستدرِك: خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀: أن الحديث ضعيف، ونقل عن الدارقطني تفرد شريك بالحديث عن عاصم بن كليب.
قال المستدرِك: وأشار إلى تفرده الترمذي أيضًا.
قلت: فهم الشيخ وقبله الأئمة للتفرد غير فهمك كما سبق بيانه.
قال المستدرِك: الاستدراك: الحديث ضعيف كما قال الشيخ ﵀ إلا أن الاستدراك هنا أنه ينبغي أن يكون صحيحًا على طريقة الشيخ، فقد ذكر له طرقًا أحدها مُعل بالإرسال، والآخر بالانقطاع، والثالث فيه مجهول، فهذه ثلاث طرق
[ ١٧٨ ]
للحديث يصحح الشيخ بمثلها الأحاديث في العادة.
قلت لا أدري ما يريد بهذا الاستدراك؟
أيريد أن يعلم الشيخ كيف يتعامل مع طرق الحديث، وكيف يصحح الأحاديث ويضعفها؟
أم يريد أن يعلم الناس أن الألباني لا يدري ما يقول، وأنه متناقض؟ أم ماذا؟
وعلى كل حال فقد بين الشيخ بيانًا شافيًا لا حاجة بي إلى إعادته أن شريكًا ضعيف، ثم قال: فلذلك لا يحتج به إذا تفرد، فكيف إذا خالف غيره من الثقات الحفاظ؟
قلت: فبهذا وغيره يتبين أن الشيخ يعتبر رواية شريك خطأ فكيف يقوي بها غيرها؟!
ثم إن الطريقين الآخرين طريق واحد يختلف فيه على همام، فكيف يعدهما صاحب مستدرك التعليل طريقين، ويطالب الشيخ بتقوية الحديث بهما على طريقته كما زعم؟!.
وقد اختلف فيه على وجه آخر، فرواه البيهقي (٢/ ٩٩) من طريق سعيد بن عبد الجبار عن عبد الجبار بن وائل عن أمه عن وائل بن حجر، وسعيد ضعيف، وهو من الاختلاف على عبد الجبار، فترد روايته إلى الأولى، وله شاهد من حديث أنس، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وقد بين الشيخ ﵀ ذلك في أصل صفة الصلاة ص (٧١٦ - ٧١٩)، ثم قال: وقد رأيت أن بعضها أشد ضعفًا من بعض، وبهذا يظهر بطلان ما ادعاه المستدرك، وأنه متطاول على الشيخ بالباطل، والله المستعان.
وأما الحديث الذي يخالف ما سبق، فذكر الشيخ حديث ابن عمر.
[ ١٧٩ ]
وقد رواه ابن خزيمة (٦٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٤)، والدارقطني في الأفراد كما في الأطراف (٣٣٠٩)، وابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨) كلهم من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: كان النبي - ﷺ - يصنع ذلك.
قال الدارقطني: تفرد به أصبغ بن الفرج عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله.
قلت: ليس كما قال ﵀، فقد رواه الحاكم (١/ ٢٢٦)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٠٠) من طريق محرز بن سلمة العدني.
والحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢١٩) من طريق عبد الله بن وهب (محرز بن سلمة، وابن وهب) كلاهما عن الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به.
قال الحازمي: هذا حديث يعد في مفاريد عبد العزيز عن عبيد الله.
قال الحافظ ابن حجر في التغليق: فهذا أشبه بالصواب، يعني تصويب قول الحازمي، وتخطئة قول الدارقطني بتفرد أصبغ، وقد عقب قبلها على قول الدارقطني بقوله: لم يتفرد به أصبغ.
وقد أوهم المستدرك أن الحافظ ابن حجر أعل الحديث بالتفرد، وليس كذلك، بل هو توهيم منه للدارقطني في دعوى تفرد أصبغ به، وأما رأي الحافظ في إعلال الحديث، فسيأتي ما ينافيه.
فقد قال البيهقي بعد روايته من طريق محرز بن سلمة: وكذلك رواه ابن
[ ١٨٠ ]
وهب، وأصبغ بن الفرج (١) عن عبد العزيز، والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا، وذكر حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه.
وأورده مرفوعًا، ثم قال: والمقصود منه وضع اليدين في السجود، لا التقديم فيهما، والله أعلم.
فتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي بقوله: حديث ابن عمر المذكور أولًا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وما علله به البيهقي من حديثه المذكور ثانيًا فيه نظر، لأن كلًّا منهما معناه منفصل عن الآخر، وحديث أبي هريرة (٢) المذكور أولًا دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، فيمكن ترجيحه على حديث وائل، لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين (٣)، ولهذا قال النووي في شرح المهذب: لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٩١): ولقائل أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع، فإن الأول في تقديم وضع اليدين على الركبتين والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة (٤).
قلت: وما قاله ابن التركماتي، وابن حجر هو الأظهر، إلا أنه بقي ما في رواية الدراوردي عن عبيد الله من المقال، فقد قال النسائي: حديثه عن عبيد الله بن عمر
_________________
(١) وقد ذكر المستدرك كلام الدارقطني في دعواه تفرد أصبغ، ولم يعلق بشيء، فهل لكون ذلك يخدش فيما كادوا يقررونه من عصمة من يصفونهم من الأئمة بالمتقدمين؟!.
(٢) سيأتي حديث أبي هريرة.
(٣) ولأنه أقوى من ناحية السند.
(٤) وقد ذكره الشيخ، فأخفاه المستدرك، وأوهم عن الحافظ خلافه، والله المستعان.
[ ١٨١ ]
منكر، وقال أحمد: ربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر لكنه على كل حال يصلح في الشواهد.
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود (٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧)، وأحمد (٨٩٥٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٩)، والدارمي (١٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٤)، وفي المشكل (١٨٢)، والدارقطني (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وتمام في الفوائد (٧٢٠)، والبيهقي في السنن الكبير (٢/ ٩٩ - ١٠٠)، وفي المعرفة (٣/ ١٧ - ١٨)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، والبغوي في شرح السنة (٦٤٣)، والحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢١٩ - ٢٢٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٢١)، (٥٢٢) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَبركْ كَما يَبْرُكُ الْجَمَلُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ".
قال البيهقي في المعرفة: تفرد به عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله هذا، وقد رواه أبو داود (٨٤١)، والنسائي (٢/ ٢٠٧)، والترمذي (٢٦٩)، من طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن الحسن، بل رواه البيهقي نفسه في السنن الكبير (٢/ ١٠٠) من طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله، ولا يصح حمل التفرد على اختصار الحديث في رواية عبد الله بن نافع، لأن أحدًا لم يطعن في رواية الدراوردي عن محمد بن عبد الله، فإذا زاد شيئًا فزيادته مقبولة.
وقال ابن رجب: قال حمزة الكناني: هو منكر، ثم قال: وزعم حمزة الكناني أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له: الديباج.
قال ابن رجب: وهو بعيد.
[ ١٨٢ ]
قلت: وابن عثمان قال البخاري: عنده عجائب، وضعفه غيره، وعليه فقول حمزة الكناني: هو منكر مبني على كونه ابن عثمان، وهذا يدل على أن الأئمة تفوتهم بعض الأشياء، فلا يجوز رد الأسانيد الصحيحة لمجرد إنكارهم معرفة بعض الأمور، ومن ذلك قول البخاري: لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟.
وقول البخاري: (لا يتابع عليه) هي بمعني التفرد، ومعلوم ما ينسجه المستدرك حول مسألة التفرد من الكلام، والجواب عنه قد سبق بما لا حاجة لإعادته، وأما قوله: (لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟)، فقد قال الشيخ: ليست بعلة إلا عند البخاري بناء على أصله المعروف، وهو اشتراط معرفة اللقاء، وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء مع أمن التدليس كما هو مذكور في المصطلح، وشرحه الإِمام مسلم في مقدمة صحيحه، وهذا متوفر هنا، فإن محمد بن عبد الله لم يعرف بتدليس، ثم هو قد عاصر أبا الزناد، وأدركه زمانًا طويلًا، فإنه مات سنة (١٤٥)، وله من العمر (٥٣)، وشيخه أبو الزناد مات سنة (١٣٠)، فالحديث صحيح، لا ريب فيه.
قلت: هذا كلام محرر في غاية الدقة والمتانة، ونفي البخاري معرفته بالسماع لا يكفي في نفيه، وإنما هو طلب لوقوفه على إثبات السماع كما بين الشيخ، وقد يقع السماع، ولا يقف عليه البخاري، فمن ذلك أن قال العلائي في جامع التحصيل ص (٢٣٠): قال البخاري: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب شيئًا، وقال ابن حجر في التهذيب: قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب.
وفي مصنف عبد الرزاق (٨/ ٣٣٨) رقم (١٥٤٤٦): أخبرنا ابن جريج قال
[ ١٨٣ ]
أخبرني عمرو بن شعيب (١).
وفي سنن النسائي (٦/ ١٢٠): أخبرنا هلال بن العلاء قال حدثنا حجاج قال ابن جريج حدثني عمرو بن شعيب.
وفي علل الترمذي الكبير: قال محمد (يعني البخاري: بشير بن نهيك لا أرى له سماعًا من أبي هريرة، ومع ذلك فحديثه في صحيحه عنه برقم (٥٨٦٤)، وفسر ذلك الترمذي بالإجازة، فهذا دال على أن نفي العلم بالسماع لا ينفي الإجازة، والله أعلم، فالحديث حسن الإسناد، ويتقوى بحديث ابن عمر.
وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ٣١٧): قال ابن أبي داود: هذه سنة تفرد بها أهل المدينة، وصحح الحديث ابن خزيمة والحاكم، واحتج به ابن حزم، وقال النووي في المجموع (٣/ ٤٢١): إسناده جيد، ولم يضعفه أبو داود، وقال ابن حجر في بلوغ المرام (٢٩٢) عن حديث أبي هريرة: وهو أقوى من حديث وائل بن حجر، فما لنا وللمتشككين، وعلى أي حال فلا صلة له بدعوى المستدرك، والله المستعان.
_________________
(١) وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤١٣): قال الدارقطني في كتاب العلل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب، فاعلمه.
[ ١٨٤ ]