الإرواء (١/ ١٢٩) رقم (٩١):
قول علي لابن عباس: أَلاَ أتَوَضَّأُ لَكَ وُضُوءَ النبي ﷺ؟، قَلتُ: بَلىَ، فِدَاكَ أَبي وَأُمِّي. قَالَ: فَوضع إِنَاءً، فغَسَلَ يَديهِ، ثُمَّ مضمض، وَاستَنشَقَ، واستَنثَر، ثُمَّ أخذ بِيَديهِ، فَصَكَّ بِهَا وجهه، وأَلقم إبهاميه مَا أَقبَلَ مِنْ أذُنَيه، قَالَ: ثُمَّ عَاد في مِثلِ
ذَلِكَ ثلاَثًا، ثُمَّ أَخَذ كَفًّا من ماءٍ بِيَدِهِ اليمنَى، فَأَفرَغَهَا عَلىَ نَاصِيتهِ، ثُمَّ أَرْسلَهَا تسيل عَلىَ وَجهِهِ، وذكر بقية الوضوء.
قلت: بقية الحديث كما هو لفظ أبي داود: ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حفنة من ماء، فضرب بها على رجله، وفيها النعل، ففتلهابها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟، قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟، قال: وفي النعلين.
حكم الشيخ ﵀: سنده حسن.
حكم المستدرك: الحديث معلول.
الراجح عندي: سنده حسن كما ذهب إليه الشيخ ﵀، وقد سبقه بذلك جماعة من الأئمة المتقدمين والمتأخرين.
والحديث رواه أبو داود (١١٧)، وأحمد (٦٢٥)، والبزار كما في البحر الزخار (٤٦٤)، وابن خزيمه (١٥٣)، وأبو يعلى (٦٠٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢، ٣٤ - ٣٥)، وابن حبان (١٠٨٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٣ - ٥٤، ٧٤)، والضياء في المختارة (٦٠٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٧٨) كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة
[ ٥٤ ]
عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس به.
قال ابن الجوزي: محمد بن إسحاق مجروح قد كذبه مالك وهشام.
قلت: أما هشام، وهو ابن عروة فقد ذكر الذهبي في الميزان عن أحمد بن حنبل حدثنا يحيى قال: وقال هشام بن عمار: أهو كان يدخل على امرأتي يعني محمد بن إسحاق، وامرأته فاطمة بنت المنذر.
قال الذهبي: وما يدري هشام بن عروة؟ فلعله سمع منها في المسجد، أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها، فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟!، وقد كانت امرأته قد كبرت، وأسنت.
وأما مالك فالذي بينهما هو من قبيل ما يقع بين الأقران، قال يحيى بن آدم حدثنا ابن إدريس قال: كنت عند مالك، فقيل له: إن ابن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك، فإني بيطاره، فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة.
وقال يعقوب بن شيبة: سألت ابن المديني عن ابن إسحاق قال: حديثه عندي صحيح.
قلت: فكلام مالك فيه؟، قال: مالك لم يجالسه، ولم يعرفه، وأي شيء حدث بالمدينة؟، قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه؟، قال: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام، فسمع منها، وإن حديثه ليتبين فيه الصدق.
قلت: حاصل أقوالهم قول أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، ولكنه مدلس، وقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، فزال ما يخشى من تدليسه، ومحمد بن طلحة وعبيد الله الخولاني ثقتان، فالإسناد حسن، لكن قال الشافعي كما في سنن البيهقي (١/ ٧٣ - ٧٤): ليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد، ونقل البيهقي أيضًا عن الترمذي قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا
[ ٥٥ ]
الحديث، فقال: لا أدري ما هذا الحديث، فكأنه رأى الحديث الأول أصح يعني حديث عطاء بن يسار.
قال ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن (١/ ٢١٠): وفي هذا السلك نظر، فإن البخاري روى في صحيحه حديث ابن عباس - ﵁ - كما سيأتي، وقال في آخره: ثم أخذ غرفة من ماء، فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى، فغسل بها، يعني رجله اليسرى ثم قال هكذا رأيت رسول اللهﷺ - يتوضأ (١)، وذكر ﵀ سبعة أوجه في رد تضعيف هذا الحديث، وقال الشيخ الألباني ﵀: ثبت التوضؤ في النعلين، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وسيأتي في الكتاب (يعني صحيح أبي داود) في باب وقت الإحرام من الحج رقم (١٥٥٤) فمثل ما أولوا، وفسروا هذين الحديثين يفسر حديث ابن عباس عن علي، وبيان ذلك في المطولات كـ"الفتح" وغيره، كـ"تهذيب السنن" لابن القيم، وقد أطال النفس فيه، وأجاد بما لا يوجد مجموعًا في كتاب، فراجعه.
قلت هذا هو المعتبر، إذ إن الاعتراض على قبول الحديث من ناحية المتن، لا من ناحية الإسناد، فإذا أمكن توجيه المتن، والجمع بينه وبين ما عارضه من النصوص وجب المصير إليه، كما هو معلوم ومقرر في باب اختلاف الحديث.