ثم راح هذا المستدرِك يتهم الشيخ ﵀ بالتقليل من قدر الأئمة وعلمهم بالحديث وعلله، وتخريج طلاب على هذه الطريقة المذمومة، فقال: وكذلك لفت انتباهي أثناء قراءة الإرواء كثرة العبارات التي يقولها الشيخ معلقًا بها على تعليلات الأئمة، مما يهون بها من شأن تلك العبارات حتى نشأ جمع من طلاب العلم، ليس لكلام الأئمة في نفوسهم قيمة، ولا وزن، وهذا أمر خطير، ثم نقل
[ ١٨ ]
عن الشيخ قوله في بعض الأحاديث التي أعلها بعض الأئمة: أعله بعض المتقدمين بما لا يقدح، أو هذه العلل ليست بشيء، وهذا الإعلال ليس بشيء عندنا، ثم قال: فهذه العبارات لا تنبغي في حق الأئمة.
وأقول: هكذا أوهم هذا المستدرِك أنه أعلم بقدر الأئمة، وما ينبغي أن يخاطبوا به من إمام المحدثين وإمام المربين وإمام المعلمين في هذا العصر، والشيخ ﵀ يجري في هذا التعبير على سنن أهل العلم، فقد قال الإِمام عبد الغني بن سعيد الأزدي في كتابه المؤتلف والمختلف (٢/ ٥٢٢) في عبد الله بن عنمة: عنمة مسكنة النون بعد العين المهملة، فقال ابن ماكولا في الإكمال (٦/ ٤٤١): قال عبد الغني: عَنْمة بسكون النون، وليس بشيء.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣٢١٩): أبو يزيد النميري له صحبة؛ فقال ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ٣٣٢): قوله: (النميري) ليس بشيء.
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٥٦) في ترجمة الأغر بن يسار المزني: ومال ابن الأثير إلى التفرقة بين المزني والجهني، وليس بشيء.
وغير ذلك كثير من الأئمة في نقد كلام بعضهم بعضًا، ولم أر أحدًا من العلماء المعتبرين انتقد واحدًا منهم في ذلك، وقال: إنها عبارة لا تنبغي في حق الأئمة كما ادَّعى هذا المستدرِك على إمام المحدثين في عصرنا، فانتقاده على الشيخ من البلاء الذي ابتلينا به من طلاب العلم في أيامنا، والله المستعان.
ولم يكتف هذا المستدرِك في انتقاده على الشيخ في عباراته التي استعملها في نقد بعض الأحكام على الأحاديث من بعض أهل العلم حتى ذهب يعلم الشيخ العبارات اللائقة، فقال: "ولو اكتفى الشيخ بقوله: إن هذا الإعلال ليس بصحيح مثلًا أو نحو هذه العبارة لكان هو الأولى، أما أنها ليست بشيء فهذا غير مقبول مع الأئمة".اهـ.
[ ١٩ ]
فأقول: وأي فرق يؤثر بين "ليس بصحيح" و"ليس بشيء" فغير الصحيح ليس بشيء معتبر، وهل يجرؤ على أن يوجه هذا التعليم المزعوم لابن ماكولا، وابن الأثير، وابن حجر وغيرهم من العلماء الذين استعملوا هذا التعبير دون أي نكير من بعضهم على بعض في استعماله؟!، أسأل الله المعافاة.