قلت ولا يخفى أن العقيلي ﵀ متشدد حتى ذكر ابن المديني في الضعفاء، فرد عليه الذهبي بكلام شديد، والحق في أبي حمزة سوار ما قاله خاتمة الحفاظ ابن حجر في التقريب: صدوق، له أوهام، ولم يثبت أن هذا الحديث من أوهامه، كيف وقد توبع، فرواه ابن عدي (٣/ ٦٠)، والبيهقي في السنن الكبير (٢/ ٢٢٩) من طريق الخليل بن مرة عن الليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا به، والخليل بن مرة قال البخاري: منكر الحديث، وضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، هو شيخ صالح، وهذا تضعيف لين، مع ما عرف عن أبي حاتم من التشدد، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، وقال ابن عدي: هو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث، وقال ابن شاهين: ثقة، قال أحمد بن صالح: ما رأيت أحدًا يتكلم فيه.
قال المستدرِك: هو من العجائب، ولو قال: ما رأيت أحدًا لم يتكلم فيه لكان أقرب، وهو دليل على أنه لم يخبر أمره.
قلت: أذكر القارئ بما قاله هذا المستدرِك ص (١٦١) موجهًا كلامه لإمام محدثي عصرنا الألباني ﵀: أنبه إلى خطأ بالغ يكثر من المتأخرين المشتغلين بالحديث، وهو المسارعة إلى نقد كلام الحفاظ المتقدمين بجرأة غير محمودة، وبانتقادات سطحية، ليس من الإنصاف نسبتها إلى المتقدمين، ولو تأمل الناقد،
[ ١٣٤ ]
ودرس الإسناد على الوجه المطلوب لوجد أن كلام الحفاظ دليلًا [كذا] على حفظهم وتقدمهم.
قلت: وأحمد بن صالح المصري إمام حافظ متقدم من أئمة الجرح والتعديل، ولم يقل كلامه السابق جزافًا، بل قد تكلم بكلام حذفه المستدرِك، يدل على عكس ما أتهمه به حيث قال: ورأيت أحاديثه عن قتادة ويحيى بن أبي كثير صحاحًا، وإنما استغنى عنه البصريون؛ لأنه كان خاملًا، ولم أر أحدًا تركة، وهو ثقة.
وقد نقل السهمي في تاريخ جرجان ص (٥٥٨) هذا الكلام، ونسبه لأحمد بن حنبل، ثم نقل عن ابن شاهين قوله: وهذا الخلاف في الخليل بن مرة يوجب الوقف فيه، لأن الخليل بن مرة قد روى أحاديث صحاحًا، وروى أحاديث منكرة، وهو عندي إلى الثقة أقرب.
وهذا يدل على أن ابن شاهين اطلع على كلام الجارحين، وكلام أحمد بن صالح يحمل على أنه يرى أنه ما رأى أحدًا تكلم فيه بحجة، ولعل أقرب الأقوال والذي يجمع بين كلامهم هو كلام ابن عدي، وهو أنه صالح في المتابعات والشواهد، والله أعلم.
وللحديث شاهد من حديث أبي أيوب، رواه الدارقطني (١/ ٢٣١)، والبيهفي (٢/ ٢٢٩)، وفي إسناده سعيد بن راشد وعباد بن كثير، وهما متروكان.
ومن حديث أبي سعيد عند الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١٤٣)، وإسناده واهٍ.
ومن حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند الطبراني في الأوسط (٧٧٦١)، والصغير (١٠١١)، والحاكم (٣/ ٥٦٨)، وإسناده واهٍ أيضًا.
فالعمدة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو حسن.
[ ١٣٥ ]