قد جاء من طرق عدة كلها واهية:
الأول: أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث عائشة مرفوعًا: "تختموا بالعقيق فإنه مبارك". ومداره على يعقوب بن الوليد وهو الذي نزل بغداد، كذبه أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي وغيرهما، ورماه بالوضع أيضًا جماعة، وضعفه آخرون، رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قال ابن عدي: سرقه يعقوب هذا من يعقوب بن إبراهيم الزهري ثم ساقه من طريق الصلب بن مسعود أحد الثقات عن يعقوب بن إبراهيم الزهري به. انتهى.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" من طريق ابن عدي به، ويعقوب بن إبراهيم مجهول، قال ابن عدي: لا أعرف له إلا هذا الحديث.
قلت: وقد تحرَّف اسم أبيه على بعض رواته لأن ابن عدي أخرجه من طريق الصلت بن مسعود عن يعقوب بن الوليد، وهو المعروف بهذا الحديث، وهو واه جدًا وقد ساقه ابن الجوزي في "الموضوعات" من
[ ١٠٨ ]
طريق الخطيب ثم من طريق محمود بن خداش، عن يعقوب بن الوليد به.
الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي ومن طريقه الديلمي وابن الجوزي في "الموضوعات" عن عيسى بن محمد عن الحسين بن إبراهيم عن حميد عن أنس رفعه: "تختموا بالعقيق فإنه ينفي الفقر واليمنى أحق بالزينة" والحسين هو البابي تالف. وجزم الذهبي في الميزان بأن الحديث موضوع، وقال ابن عدي: هو باطل والحسين مجهول.
الطريق الثالث: أخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الردوس" له من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر رفعه: "من تختم بالعقيق كتب الله له كل يوم عشر حسنات ومحا عنه عر سيئات" وسنده ضعيف.
الطريق الرابع: أخرجه صاحب مسند الفردوس أيضًا من حديث عمر بن الخطاب رفعه: "تختموا بالعقيق فإن جبريل أتاني به من الجنة وقال لي: يا محمد! تختم بالعقيقي ومُر أمتك أن تتختم به". وهو من رواية
[ ١٠٩ ]
ميمون بن سليمان عن منصور بن بشر الساعدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر به، وهذا موضوع على عمر، فمن دونه إلى مالك.
الطريق الخامس: عنده أيضًا من طريق علي بن مهرويه القزويني عن داود بن سليمان عن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه بلفظ: "تختموا بالخواتيم العقيق، فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه) وعلي بن مهرويه صدوق، وداود بن سليمان يقال له: الغازي، وهو جرجاني، كذبه ابن معين، وله نسخة موضوعة بالسند المذكور من جملتها: أن الأرض تنجس من بول الأقلف أربعين يومًا وقد قال ابن الجوزي في "الموضوعات" فيه عن علي وفاطمة وعائشة وأنس.
فأما حديث علي، فساقه من طريق الحسين بن هارون الضبي في أماليه، قال: وجدت في كتاب أبي حدثني أبو سعيد الحسن بن علي حدثنا عباد بن صهيب حدثنا أبو بكر الأزرق حدثنا جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين عن ابيه الحسن بن علي عن أبيه علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من تختم بالعقيق ونقش فيه
[ ١١٠ ]
وما توفيقي إلا بالله وفقه الله لكل خير وأحبه الملكان الموكلان به" قال: وأبو سعيد كذاب وهذا عمله.
وأما حديث فاطمة: فساقه من ضعفاء ابن حبان: حدثنا محمد بن جعفر البغدادي حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد حدثنا زهير بن عباد حدثنا ابو بكر بن شعيب عن مالك عن الزهري عن عمرو بن الشريد عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: "من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرًا" وقال: أبو بكر بن شعيب، لا يعرف اسمه، قال ابن حبان: يروي عن مالك ما ليس من حديثه لا يحل الاحتجاج به. انتهى.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط": حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان به وقال: لم يروه عن مالك إلا أبو بكر تفر به زهير، وقال
[ ١١١ ]
الدارقطني في "غرائب مالك" حديث غير محفوظ عن الزهري، ولا عن مالك، تفرد به زهير عن أبي بكر بن شعيب وهو مجهول.
وأما حديث عائشة، فله ثلاثة طرق: الأولى: هشام بن عروة عن أبيه عنها، وقد سلف الكلام عليها. الثانية: أخرجها ابن الجوزي من "فوائد أبي بكر ابن المقرئ" قال: حدثنا أبو قتيبة حدثنا محمد بن أيوب بن سويد حدثني أبي حدثني نوفل بن أبي الفرات عن القاسم بن محمد عن عائشة قال: أتى بعض بني جعفر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أرسل معي من يشتري لي نعلًا وخاتمًا، فدعا له بلال بن رباح، فقال: "انطلق إلى السوق، فاشتر له نعلًا واستجدها ولا تك سوداء، واشتر له خاتمًا وليكن فصه عقيقًا، فإنه من يختم بالعقيق لم يقض له إلا الذي هو أسعد".
قال ابن الجوزي: ومحمد بن أيوب، قال ابن حبان: يروي الموضوعات لا يحل الاحتجاج به، وأبوه قال ابن المبار: ارم به، وقال النسائي: ليس بثقة، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن محمد بن الحسن عن محمد بن أيوب بن سويد، وقال: لم يروه عن القاسم إلا نوفل
[ ١١٢ ]
ولا عنه إلا أيوب تفرد به ابنه.
وأخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من طريق محمد بن إسحاق البلخي عن محمد بن الحسن به .. الثالثة: ساقها ابن الجوزي من "الحلية": حدثنا محمد بن علي حدثنا أبو قتيبة، حدثنا عبيد بن الغازي حدثنا سلم الزاهد أبو محمد، حدثنا القاسم بن معن عن أخته أمينة بنت معن عن عائشة بنت سعد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "أكثر خرز أهل الجنة العقيق" قال: وسلم هو ابن
[ ١١٣ ]
سالم كان ابن المبارك يكذبه، وقال السعدي: غير ثقة، وقال ابن حبان: لا يحل ذكره إلا اعتبارًا.
وأما حديث أنس، فقد تقدم.
وقد قال العقيلي: لا يثبت في هذا عن النبي ﷺ شيء قال ابن الجوزي: وقد ذكره حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب "التنبيه على حروف من التصحيف" ما نصه: قال كثير من رواة الحديث يروون أن النبي ﷺ قال: "تختموا بالعقيق" وإنما قال: "تخيموا بالعقيق"، وهو اسم واد بظاهر المدينة.
قال ابن الجوزي: وهذا بعيد، وقائله أحق أن ينسب إليه التصحيف،
[ ١١٤ ]
لما ذكرنا من طرق الحديث. انتهى.
وحمزة معذور، فإن اقرب طرق هذا الحديث كما يقتضيه كلام ابن عدي من رواية يعقوب ولفظه: "تختموا بالعقيق فإنه مبارك" وهذا الوصف بعينه قد ثبت لواد العقيق في حديث عمر ﵁، الذي أخرجه البخاري في "أوائل كتاب الحج" من رواية عكرمة عن ابن عباس سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: "أتأتي الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك" أفاده شيخنا والله المستعان.
[ ١١٥ ]