لم أقف عليه بهذا اللفظ، ورأيت في شرح أبي شجاع لابن دقيق العيد عند سياق حديث أبي هريرة رفعه: "إذا قلت لصاحبك أنصت" ما نصه: قال الترمذي: "ومن لغا فلا جمعة له".
وهذا لم أره في نسختي من كتاب الترمذي فيحرر، نعم قد ثبت بمعناه.
وخرج أبو داود في "سننه"وابن خزيمة في "صحيحه" والطحاوي في "شرح معاني الآثار له، معناه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ في حديث: "من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا"وإسناده حسن. وقد صُحِّح كما تقدم.
وذكر ابن وه روايه، أن معناه: أجزأت عنه الصلاة وحُرم فضيلة الجمعة.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في سننه وأبو داود أيضًا، واللفظ له، من حديث علي بن أبي طالب رفعه في حديث: "ومن قال يوم الجمعة لصاحبه: صه، قد لغا، ومن لغا فليس له من جمعته تلك
[ ١٥٩ ]
شيء".
وفي لفظ لأحمد: "ومن قال: صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له". وسنده صحيح إلا أن فيه من لم يسم، وقد سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح للاحتجاج.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" وأحمد والبزار في مسنديهما والطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس رفعه: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول: أنصت ليست له جمعة" وسنده ضعيف لكن له شاهد قوي في "جامع حماد بن سلمة" عن ابن عمر موقوفًا.
ويدخل هنا ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في سننه واللفظ له من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي ذر أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، جلست قريبًا من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة "براءة" فقلت لأبي: متى نزلت
[ ١٦٠ ]
هذه السورة؟ قال: فتجهمني، فلما قضى رسول اله ﷺ صلاته قلت لأبي: سألتك فتهجمتني ولم تكلمني فقال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ "براءة" فسألته: متى أنزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، قال النبي ﷺ: "صدق أبي".
وأشار البيهقي في "المعرفة" إلى أن إسناده صحيح، وفي "السنن" إلى أنه ليس في الباب أصح منه.
قلت: لكن أخرجه الطبراني من رواية شريك عن عطاء أيضًا فقال عن أبي الدرداء بدل "أبي ذر".
وتابعه على هذه الرواية حرب بن قيس عن أبي الدرداء فيما أخرجه الإمام أحمد والطبراني أيضًا، إلا أن رواية حرب عن أبي الدرداء مرسلة، كما ذكره ابن أبي حاتم، وقد أخرجه الطبراني من رواية شريك عن عطاء أيضًا فقال: عن أبي الدرداء وأبي ذر، جمع بينهما، ويمكن الجمع بأن القصة وقعت لكل منهما مع أُبي وأن عطاء سمعه منهما فكان يحدث به مرة عن أبي ذر ومرة عن أبي الدرداء ومرة عنهما جميعًا.
وقد شهد أبو هريرة القصة بين أبي ذر وأبي أخرجها
[ ١٦١ ]
البزار والطيالسي في مسنديهما، ومن طريقة البيهقي في سننه بسند حسن، وهي عند ابن عدي في كامله من وجه آخر بسند ضعيف.
وجاءت القصة أيضًا عن جابر بن عبد الله لكن جعلها بين ابن مسعود وأبي. أخرج ذلك أبو يعلي في "مسنده" والطبراني في "معجمه الكبير" و"الأوسط"، ورواته ثقات، إلا أن ابن خزيمة أخرج في صحيحه من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ تلا آية، فقال رجل وهو إلى جنب عبد الله بن مسعود: متى أنزلت هذه الآية فإني لم اسمعها إلا الساعة؟ فقال عبد الله: سبحان الله، ثم تلا آية أخرى فقال الرجل لعبد الله مثل ذلك، فقال عبد الله: سبحان الله. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال ابن مسعود للرجل: إنك لم تجمع معنا قال: سبحان الله. قال: فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: "صدق ابن أم عبد صدق ابن أم عبد".
وأشار إلى هذه الرواية البيهقي أيضًا، وهي بنحوها عند الطبراني
[ ١٦٢ ]
في "الكبير" باختصار موقوفة، ولا مانع من الجمع بينهما بأن عبد الله لما وقع له ذلك مع أبي، وصوب النبي ﷺ قول أبي، وقع لرجل آخر بحضرة أبي، فأخبره عبد الله بما أخبره به أبي وصدق النبي ﷺ قول عبد الله، كما صدق قول أبي. والعلم عند الله تعالى.
وقد وقعت القصة أيضًا لسعد بن أبي وقاص مع رجل آخر، فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" والبزار وأبو يعلي في "مسنديهما" بسند ضعيف، عن جابر قال: قال سعد لرجل يوم الجمعة: لا صلاة لك، قال: فذكر ذلك الرجل للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن سعدًا قال: لا صلاة لك، فقال النبي ﷺ: "لِمَ يا سعد؟ " قال: إنه كان يتكلم وأنت تخطب، فقال: "صدق سعد".
وجاء عن العبادلة الأربعة - ابن أبي أوفى وابن مسعود وابن عمرو وابن عمر ﵃ ما يدخل هنا.
فأما حديث ابن أبي أوفى، فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه من رواية إبراهيم السكسكي سمعت ابن أبي أوفى قال: ثلاث من سلم منهن، غفر له من بينه وبين الجمعة الأخرى من أن يحدث حدثًا - يعني أذى - أو أن يتكلم أو يقول: صه. ورجاله ثقات، وهو إن كان موقوفًا فحكمه الرفع، لأن مثله لا يقال بالرأي.
[ ١٦٣ ]
وأما حديث ابن مسعود، فرواه ابن أبي شيبة أيضًا، والطبراني في "الكبير" من رواية الركين بن الربيع عن أبيه عن عبد الله قال: "كفى لغوًا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك: أنصت" ورجاله ثقات، محتج بهم في الصحيح، وهو أيضًا وإن كان موقوفًا فحكمه الرفع كما تقدم.
وأما حديث ابن عمرو: فأخرجه أبو داود في "سننه" وابن خزيمة في "صحيحه" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولمي يؤذ أحدًا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ".
وأما حديث ابن عمر: فرواه الطبراني بلفظ: "إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام" انتهى. وقد اختلف قول الإمام الشافعي ﵀ في ذلك فنص في القديم، والإملاء، على تحريم الكلام وفرضية الإنصات، لهذه الأحاديث. ونص في الجديد على استحباب الإنصات وجواز الكلام لأدلة قوية، ليس هذا محل
[ ١٦٤ ]
بسطها والله الموفق.
وقد سُئِلَ شيخنا ﵀ عن من أنكر على القائل بين يدي الخطيب، للفظ المسئول عنه مضافًا، للحديث المشهور، الذي جرت العادة بذكره فاجاب، بما نصه: صرح جماعة من علمائنا بأن إيراد المرقى لهذا الحديث قبل أن يخطب الخطيب، من البدع المحدثة، وليت الذي أحدثه ذكر حديثًا صريحًا في المنع من الكلام والخطيب يخطب، لأن أكثر الناس لا يفهم المراد منه، ولقد أجاد الذي زاد الزيادة المذكورة فإنها تمنع من يسمعها من الكلام في تلك الحالة، والزيادة صحيحة، أخرجها ابن خزيمة وغيره، ولها شاهد صحيح أيضًا، وما أسرع من لا يعلم إلى إنكار ما لا يعلم .. وبالله المستعان.
[ ١٦٥ ]