رواه ابن ماجه في سننه من طريق حنش عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: أصاب نبي الله ﷺ خصاصة، فبلغ ذلك عليًا ﵇، فخرج يلتمس عملًا يصيب فيه شيئًا، ليغيث به رسول الله ﷺ، فأتى بستانًا لرجلٍ من اليهود، فاستسقى له سبعة عشر دلوًا كل دلو بتمرة، فخيره اليهودي من تمره سبع عشرة عجوة، فجاء بها إلى نبي الله ﷺ. لكن حنش ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد ويحيى بن معين وجماعة، وهو بفتح الحاء المهملة بعدها نون ثم شين معجمة لقب واسمه: حسين بن قيس، أبو علي الرحبي، وله طريق أخرى: أخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده قال: أخبرنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد، عن كعب بن القرظي، حدثني من سمع علي بن أبي طالب ﵁ يحدث قال: خرجت في غداة شاتية من بيتي جائعًا حرضًا قد أدلقني البرد، فأخذت إهابًا قد كان عندنا، فجبته ثم أدخلته في عنقي ثم حزمته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة فاطلعت إلى يهودي في حائط من ثغرة جداره، فقال
[ ٤٤ ]
مالك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتح الحائط، ففتح لي، فدخلت فجعلت أنزع دلوًا ويعطيني تمرة، حتى إذا ملأت كفي قلت: حسبي منك الآن، فأكلتهن، ثم جرعت في الماء، ثم جئت إلى النبي ﷺ فجلست إليه في المسجد وهو في عصابة من أصحابه فاطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة، فلما رآه رسول الله ﷺ، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو فيها، فذرفت عيناه فبكى ثم قال: "كيف أنتم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في أخرى، وسترت بيوتكم كما تستر الكعبة" قلنا: نحن يومئذ خير نكفي المؤنة ونتفرغ للعبادة؟ قال: "أنتم اليوم خير منكم يومئذ".
وهكذا أخرجه أبو يعلي في مسنده: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا وهب به ولفظه: خرجت في غداة شاتية جائعًا قد أوبقني البرد، فأخذت ثوبًا من صوف قد كان عندنا، ثم أدخلته في عنقي وحمزته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ شيء لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة فانطلقت إلى يهودي في حائطه، فاطلعت عليه من ثغرة جداره، فقال: مالك يا أعرابي، هل لك في دلو بتمرة؟ قلت: نعم، افتح لي الحائط، ففتح لي، فدخلت، فجعلت أنزع الدلو، ويعطيني تمرة حتى ملأت كفي، قلت: حسبي منك الآن فأكلتهن، ثم جرعت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فجلست إليه في المسجد، وهو مع عصابة من أصحابه فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة، وأرفهه عيشًا، فلما رآه
[ ٤٥ ]
النبي ﷺ، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم خير، أم إذا غدي على أحدكم بحفنة من خبز ولحم، وريح عليه بأخرى، وغدي في حلة وراح في أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ " قلنا: بل نحن يومئذ خير، نتفرغ للعبادة، قال: "أنتم اليوم خير".
وهو عند الترمذي في "جامعة" قال: حدثنا هناد، قال حدثنا هناد، قال حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: خرجت في يوم شات من بيت رسول الله ﷺ وقد أخذت إهابًا معطوبًا فحولت وسطه فأدخلته عنقي، وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله ﷺ طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئًا، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط، فقال: مالك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم، فافتح الباب حتى أدخل، ففتح، فدخلت فأعطاني دلوه، فكلما نزعت دلوًا أعطاني تمرةً، حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه، وقلت: حسبي فأكلتها، ثم جرعت من الماء فشربت، ثم جئت المسجد فوجدت رسول الله ﷺ فيه. وقال عقبه: حسن غريب.
قلت: هو كذلك لولا الراوي الذي لم يسم، فإن يزيد وثقه النسائي وبان حبان، لكن قال البخاري: لا يتابع على حديثه، والراوي عنه
[ ٤٦ ]
قد صرح بالتحديث، وقد رواه العدني في "مسنده" فحدد المبهم وجعله عن محمد بن كعب بدل كعب، فإنه قال: حدثنا هشام بن سليمان حدثنا أبو رافع، سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث أن أهل العراق أصابتهم أزمة، فقام بينهم علي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس أبشروا فوالله إني لأرجو أن لا يمر عليكم إلا يسير حتى تروا بما يسركم من الرخاء، واليسر قد رأيتني، مكثت ثلاثة أيام من الدهر ما أجد شيئًا آكله حتى خشيت أن يقتلني الجوع فأرسلت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تستطعمه لي، فقال: يا بنية! والله ما في البيت طعام يأكله ذو كبد إلا ما ترين - لشيء قليل بين يديه - ولكن ارجعي فسيرزقكم الله، فلما جاءتني أخبرتني، وانقلبت وذهبت حتى آتي بني قريظة، فإذا يهودي على شفير بئر، فقال: يا علي هل لك أن تسقي نخلًا لي وأطعمك؟ قلت: نعم، فبايعته على أن أنزع كل دلو بتمرة، فجعلت أنزع، فكلما نزعت دلوًا أعطاني تمرةً حتى امتلأت يداي من التمر، فقعدت فأكلت، ثم شربت من الماء، ثم قلت: يا لك بطنًا، لقد لقيت اليوم خيرًا، ثم نزعت ذلك لابنة رسول الله ﷺ ثم وضعت، فانقلبت راجعًا حتى إذا كنت ببعض الطريق إذا أنا بدينار ملقى، فلما رأيته وقفت أنظر إليه وأوامر نفسي أأخذه أم أذره؟ وأبت إلا آخذه، وقلت: أستشير رسول الله ﷺ فأخذته، فلما جئتها أخبرتها الخبر، قال: هذا رزق الله، ومن الله، فانطلق فاشتر لنا دقيقًا، فانطلقت حتى جئت السوق، فإذا بيهودي من يهود فدك يبيع دقيقًا من دقيق الشعير، فاشتريت منه، فلما اكتلت، قال: ما أنت لأبي القاسم؟ قلت: ابن عمي وبنته امرأتي، فأعطاني الدينار، فجئتها فأخبرتها الخبر، فقالت: هذا رزق الله
[ ٤٧ ]
ومن الله ﷿، فاذهب به، فارهنه بثمانية قراريط ذهب في لحم، ففعلت، ثم جئتها به فقطعتها لها ونصبت وعجنت وخبزت ثم صنعنا طعامًا، وأرسلنا إلى رسول الله ﷺ، فجاءنا فلما رأى الطعام قال: "ما هذا؟ ألم تأتيني آنفًا تسألني؟ " فقلنا: بلى اجلس يا رسول الله نخبرك الخبر، فإن رأيته أكلت وأكلنا فأخبرناه الخبر، فقال: "هو طيب فكلوا باسم الله"، ثم قام فخرج فإذا هو بأعرابية تشتد كأنه نزع فؤادها، فقالت: يا رسول الله: إني أبضع معي بدينار فسقط مني والله ما أدري أين سقط، فانظر بأبي وأمي أن يذكر لك، فقال رسول الله ﷺ: "ادعي لي على بن أبي طالب" فجئته فقال لي رسول الله ﷺ: "اذهب إلى الجزار فقل له: إن رسول الله ﷺ يقول لك: إن قراريطك عليّ فأرسل بالدينار"، فأرسل به فأعطاه الأعرابية فذهبت.
هكذا أخرجه العدني وشيخه قد أخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري تعليقًا، لكن قال أبو حاتم: إنه مضطرب الحديث ومحله الصدق، ما أرى بحديثه بأسا، وأبو رافع إن لم يكن إساعيل بن رافع القاص الذي ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال الدارقطني وغيره: متروك فلا أدري من هو؟
[ ٤٨ ]
ولهذا الحديث طريق أخرى، أخرجها ابن ماجه أيضًا إلا أنها باختصار جدًا من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن أبي حية عن علي ﵁ قال: كنت ألدو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة.
وأبو حية - بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت - لا يعرف اسمه، وقال أحمد: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" وسماه عمرو بن عبد الله، وصحح ابن السكن وغيره حديثه.
والجلدة هي: اليابسة اللحاء الجيدة قاله الهروي. وجاء من وجه أخر فيه بعض مخالفة، وقال أبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة "بالغيلانيات": حدثنا الحارث بن محمد - يعني ابن أبي أسامة - حدثنا داود بن المحبر حدثنا عدي بن الفضل عن أيوب عن مجاهد ح وعباد بن كثير عن جعفر بن محمد عن أبيه، كلاهما عن علي بن أبي طالب قال: أصابنا وأنا بالمدينة جوع شديد حتى مررت بالنبي ﷺ، فعرف جهد الجوع في وجهي، فخرجت ألتمس العمل، فإذا أنا بامرأة من اليهود قد جمعت
[ ٤٩ ]
ترابًا لها تريد أن تبله، فقاطعتها على كل ذنوب بتمرة، فمددت لها ثلاثة عشر ذنوبًا حتى تزلعت يداي، فأتيتها فعدت ثلاثة عشر تمرة، فأتيت بها النبي ﷺ وصببتها بين يديه فأكلناها وأصبنا من الماء.
وداود ضعفه غير واحد، وقيل: إنه كان يخطئ ويصحف كثيرًا وهو في الأصل صدوق، وشيخه قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
لكن تابعه إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن ولفظه: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة الحديث. وهذه الطريق أجودها. وقد أخرجه أبي نعيم في "الحلية" من طريق "المسند" حدثنا إسماعيل بن علية، ومن طريق أبي يعلى: حدثنا أبو الربيع حدثنا حماد قالا: حدثنا أيوب السختياني عن مجاهد قال: خرج علينا علي بن أبي طالب يومًا متعجزًا فقال: جعت بالمدينة جوعًا شديدًا فخرجت أطلب
[ ٥٠ ]
العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بله، فأتيتها فقاطعتها على كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا حتى مجلست يداي، ثم أتيت الماء فاصبت منه ثم أتيتها فقلت: يكفي هكذا بين يديها - وبسط إسماعيل يديه وجمعهما - فعدت لي ست عشرة تمرة، أو سبع عشرة فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها. وقال حماد في حديثه: استقيت ستة عشر، أو سبعة عشر، ثم غسلت يدي فذهبت بالتمر إلى رسول الله ﷺ فقال لي خيرًا، ودعا لي.
وقال عقبه: رواه موسى الطحان عن مجاهد نحوه. ثم ساقه كذلك من طريق عبد الله بن أ؛ مد بن حنبل: حدثني علي بن حكيم الأودي حدثنا شريك عن موسى الطحان عن مجاهد عن علي قال: جئت إلى حائط أو بستان، فقال لي صاحبه: دلو وتمرة، فدلوت دلوًا بتمرة، فملأت كفي ثم شربت من الماء ثم جئت إلى رسول الله ﷺ بملئ كفي، فأكل بعضه وأكلت بعضه. انتهى. وهو عند أحمد أيضًا عن أسود عن شريك إلا أن موسى.
وقد وقع ذلك لغير علي من الصحابة ﵃ فأخرج ابن ماجه في سننه من طريق محمد بن فضيل: حدثنا عبد الله بن سعيد عن جده - هو أبو سعيد المقبري - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل
[ ٥١ ]
من الأنصار فقال: يا رسول الله! ما لي أرى لونك منكفئًا؟ - يعني متغيرًا - قال: "الخمص"، فانطلق الأنصاري إلى رحلة، فلم يجد في رحله شيئًا، فخرج يطلب، فإذا هو بيهودي يسقي نخلًا له، فقال الأنصاري لليهودي: أسقي نخلك؟ قال: نعم، قال: كل دلو بتمرة، واشترط الأنصاري أن لا يأخذه خدرة - يعني المعفنة - ولا تارزة - يعني اليابسة - ولا حشفة، ولا يأخذ إلا جلدة، فاستقى بنحو من صاعين، فجاء به إلى النبي ﷺ. لكن عبد الله ضعيف جدًا. وأخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" بسند فيه مجاهيل من من طريق محمد بن إبراهيم بن عنمة الجهني، عن أبيه، عن جده، قال: خرج النبي ﷺ ذات يوم فلقيه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي إنه ليسؤني الذي ارى بوجهك وعما هو؟ قال: فنظر النبي ﷺ لوجه ارجل ساعة، ثم قال: "الجوع"، فخرج الرجل يعدو، أو شبيهًا بالعدو، حتى أتى بيته، فالتمس عندهم الطعام فلم يجد شيئًا، فخرج إلى بني قريظة فآجر نفسه على كل دلو ينزعها بتمرة حتى جمع حفنة، أو كفأ من تمر، ثم رجع بالتمر حتى وجد النبي ﷺ في مجلس لم يرم، فوضعه بين يديه وقال: كل أي رسول الله، فقال النبي ﷺ: "من أين لك هذا التمر؟ " فأخبره الخبر، فقال النبي ﷺ: "إني لأظنك تحب الله ورسوله؟ " قال: أجل، والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلىَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي، فقال: "أما لا فاصطبر للفاقه، وأعد للبلاء
[ ٥٢ ]
تجفافًا فوالذي بعثني بالحق، لهما إلى من يحبني أسرع من هبوط الماء من رأس الجبل إلى أسفله". وأخرج الطبراني في "الكبير" أيضًا بسند جيد عن كعب بن عجزة قال: أتيت النبي ﷺ فرايته متغيرًا، قال: فقلت بابي أنت [وأميي مالي أراك متغيرًا؟ قال: "ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث" قال: فذهبت فإذا يهودي يسقي غبلًا له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمرًا وأتيت به النبي ﷺ فقال: "من أين لك يا كعب؟ " فأخبرته فقال النبي ﷺ: "أتحبني يا كعب؟ " فقلت: بأبي أنت وأمي نعم. وذكر الحديث. ويحتمل أن يفسر به المبهم.
[ ٥٣ ]