٦١١ - عن أبي موسى قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله ﷺ: تعاهدنا. فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله ﷺ: "ما حاجتك؟ " قال ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال
_________________
(١) الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الطربق انظر: صحيح البخاري برقم (٦٨١١) وصحيح مسلم برقم (٦٨).
[ ٢٩٥ ]
له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحِّدثك أن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال لها: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه قالت: احتفروا، فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". (١)
هذا حديث غريب جدًا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم. (الشعراء: ٥٢)
٦١٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرة والقَتَرة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يا رب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار". (٢) هذا إسناد غريب، وفيه نكارة.
والذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته، فيلقى في النار كذلك. وقد رواه البزار عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ، وفيه غرابة. ورواه أيضًا عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بنحوه. (الشعراء: ٨٧)
٦١٣ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن قوم مدين وأصحاب
_________________
(١) قال الشيخ محمد أبو شهبه - ﵀ -: (والذي نقطع به، ويجب الإيمان به: أنه كان في بني إسرائيل تابوت _أي صندوق _، من غير بحث في حقيقته، وهيئته، ومن أين جاء، إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المغصوم ) انظر كتاب الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص) ١٧٣) ط دار الجيل ١٤٢٥هـ
(٢) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٧٥). الحديث ثابت في صحيح البخاري برقم (٤٧٦٨)
[ ٢٩٦ ]
الأيكة أمتان، بعث الله إليهما شعيبًا النبي ﵇".
وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا. والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء؛ ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة. (الشعراء: ١٧٦)
٦١٤ - طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر: قال الحافظ أبو بكر البيهقي في "دلائل النبوة": عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال رسول الله ﷺ: "عرفت أنّي إن بادأتُ بها قومِي، رأيت منهم ما أكره، فَصَمَتُّ. فجاءني جبريل، ﵇، فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك". قال علي، ﵁: فدعاني فقال: "يا علي، إن الله قد أمرني [أن] أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فَصَمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك. فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب". ففعلتُ فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا. فيهم أعمامه:
أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَةَ، فأخذ رسول الله ﷺ منها حِذْيَة فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال: "كلوا بسم الله". فأكل القومُ حتى نَهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ: "اسقهم يا علي". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهَدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول الله ﷺ. فلما كان الغدُ قال رسول الله ﷺ: "يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجلّ قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم". ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال
[ ٢٩٧ ]
رسول الله ﷺ: "اسقهم يا علي". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا. وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بَدَره أبو لهب بالكلام فقال: لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ. فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ: "يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم".
ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله ﷺ [كما صنع] بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد المطلب، إني - والله - ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة".
قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث.
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله، وزاد بعد قوله: "إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة". "وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا"؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعًا، وقلت - وإني لأحدثهم سنًا، وأرمصُهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا. أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ يَرْقُبُني ثم قال: "إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا". قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعّفه الأئمة ﵏. (الشعراء: ٢١٤)
٦١٥ - عن أبي الحسن سالم البَرّاد - مولى تميم الداري - قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله ﷺ، وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا
[ ٢٩٨ ]
شعراء. فتلا النبي ﷺ: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: "أنتم"، ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: "أنتم"، ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال: "أنتم".
رواه ابن أبي حاتم. وابن جرير، من رواية ابن إسحاق.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله ﷺ حين نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ يبكيان، فقال رسول الله ﷺ، وهو يقرؤها عليهما: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: "أنتم".
وقال أيضًا: عن عروة قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، قد علم الله أني منهم. فأنزل الله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ينقلبون﴾.
وهكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية [في] شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَنْ كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه. (الشعراء: ٢٢٧)