٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ (^٢) فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.
أولًا: التخريج:
أخرجه مسلم (^٣).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله (مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال بضم التاء
_________________
(١) االمصدر السابق (١٢/ ٤٦).
(٢) أنصارية. انظر: الإصابة (٨/ ٣٩٨).
(٣) الصحيح (٤/ ١٩٩٣، ٢٥٧٥).
[ ٧٠ ]
وفتحها من الزفزفة، وهي صوت حفيف الريح. يقال: زفزفت الريح الحشيش: أي حركته، وزفزف النعام في طيرانه: أي: حرك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سراج: يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى ترعدين. قلت: ورواية الفاء (أعرف) رواية، وأصح معنى، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر.
قوله (لَا تَسُبِّي الْحُمَّى): مع أنها لم تصرح بسب الحمى، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب.
قوله (فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ): هذا تعليل لمنع سب الحمى لما يكون عنها من الثواب، فيتعدى ذلك لكل مشقة، أو شدة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك، ولا يسب. وحكمة ذلك: أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة، ولا يخفف ألمًا (^١).
* * *
_________________
(١) المفهم (٢١/ ٩١).
[ ٧١ ]
٢١ - عَنْ أَنَسٍ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ، قَالَ: "إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ، مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ ".
أولًا: التخريج:
أخرجه أبو يعلى (^١) من طريق أبي خلف، عن ثابت، والطبراني (^٢) من طريق سليمان ابن داود، عن عبيس بن ميمون، عن قتادة كلاهما عن أنس به، وأبو خلف الأعمى خادم أنس قيل اسمه حازم بن عطاء (^٣)، وسليمان بن داود الشاذكوني (^٤) متروكان، ولمتنه شاهد من حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا - وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - مِنْ وَعَكٍ (^٥) كَانَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ"، أخرجه الترمذي (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وإسناده
_________________
(١) المسند (٦/ ١٧٥، ٣٤٥٧).
(٢) المعجم الأوسط (٧/ ٢٩٥، ٧٥٤٠).
(٣) التقريب (٨٠٨٣).
(٤) التقريب ص ٧٢٨.
(٥) وهو الحمى. وقيل: ألمها. وقد وعكه المرض وعكا. ووعك فهو موعوك. النهاية (٥/ ٢٠٧).
(٦) الجامع (٤/ ٤١٢، ٢٠٨٨).
(٧) السنن (٢/ ١١٤٩، ٣٤٧٠).
[ ٧٢ ]
حسن فيه أبو صالح الأشعري قال أبو حاتم: "لا بأس به (^١)، وقال الذهبي: "ثقة" (^٢)، والحديث صححه الحاكم (^٣)، والألباني (^٤) ولكن قد اختلف على أبي صالح الأشعري فيه فرواه عنه أبو الحصين الفلسطيني وجعله من مسند أبي أمامة (^٥)، ورواه عنه إسماعيل بن عبيد الله فجعله من مسند أبي هريرة، وأبو الحصين مجهول (^٦)، وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي مولاهم ثقة (^٧)، ولكنه قد اختلف عليه أيضًا فرواه عنه عبد الرحمن بن يزيد الأزدي (^٨) وجعله من حديث أبي هريرة، وخالفه سعيد بن عبد العزيز التنوخي (^٩) فجعله من قول كعب الأحبار، وكلاهما ثقة، ورجح الموقوف الدارقطني (^١٠)، وللحديث شواهد توسع بذكرها الألباني في الصحيحة (^١١).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٩/ ٣٩٢).
(٢) الكاشف (٦٦٨٤).
(٣) المستدرك (١/ ٣٤٥، ١٢٧٦).
(٤) الصحيحة (٥٥٧).
(٥) مسند أحمد (٣٦/ ٤٩٥، ٢٢١٦٥).
(٦) التقريب (٨٠٥٥).
(٧) التقريب (٤٦٦).
(٨) التقريب (٤٠٤١).
(٩) التقريب (٢٣٥٨).
(١٠) العلل (١٢/ ٢٧٠، ٢٧٠٥).
(١١) الصحيحة (١٨٢٢).
[ ٧٣ ]
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ) جاء في حديث أبي أمامة " الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ" (^١)، وجاء في حديث ابن عباس " الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ " (^٢)، والكير بالكسر: كير الحداد، وهو المبني من الطين. وقيل: الزق الذي ينفخ به النار، والمبني: الكور (^٣)، وجهنم: وهي لفظة أعجمية، وهو اسم لنار الآخرة. وقيل هي عربية. وسميت بها لبعد قعرها. ومنه ركية جهنام- بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر. وقيل تعريب كهنام بالعبراني (^٤). والفيح: سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت (^٥).
قوله: (مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ) (حظه) أي: نصيبه بدلًا. (من النار): مما اقترف من الذنوب المجعولة له يوم القيامة، ويحتمل أنها نصيبه من الحتم المقضي عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٦) .. وينبغي أن يقيد المؤمن بالكامل،
_________________
(١) مسند أحمد (٣٦/ ٤٩٥، ٢٢١٦٥).
(٢) صحيح البخاري (٤/ ١٢٠، ٣٢٦١).
(٣) النهاية (٤/ ٢١٧).
(٤) المصدر السابق (١/ ٣٢٢).
(٥) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).
(٦) مريم (٧١).
[ ٧٤ ]
لئلا يشكل بأن بعض العصاة من المؤمنين يعذبون بالنار (^١). وقال المناوي: "أي نار جهنم فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق لهب جهنم في الأخرى، قال الزين العراقي: "إنما جعلت حظه من النار لما فيها من الحر والبرد المغير للجسم وهذه صفة جهنم فهي تكفر الذنوب فتمنعه دخول النار"، قال المصنف: "هي طهور من الذنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنم كي يتوب … لها منافع بدنية، ومآثر سنية، فإنها تنقي البدن، وتنقي عنه العفن، رب سقم أزلي ومرض عولج منه زمانا، وهو ممتلئ فلما طرأت عليه، أبرأته فإذا هو منجلي، وربما صحت الأجساد بالعلل .. وذكروا أنها تفتح كثيرًا من السدد، وتنضح من الأخلاط، والمواد ما فسد". (^٢)
فائدة: قال ابن القيم: "وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببًا للشفاء" (^٣).
_________________
(١) مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٥١، ١٥٨٤).
(٢) فيض القدير (٣/ ٤٢٠، ٣٨٤١)، وانظر: زاد المعاد (٢٤ - ٢٨).
(٣) انظر: زاد المعاد (٤/ ٢٥).
[ ٧٥ ]