٢٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ.
أولًا: التخريج:
أخرجه البخاري (^١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ) بالتثنية، وقد فسرهما آخر الحديث بقوله " يريد عينيه " ولم يصرح بالذي فسرهما، والمراد بالحبيبتين المحبوبتان لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه، لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به، أو شر فيجتنبه (^٢).
قوله: (فَصَبَرَ) زاد الترمذي (^٣) في روايته عن أنس
_________________
(١) الصحيح (٧/ ١١٦، ٥٦٥٣).
(٢) فتح الباري (١٠/ ١١٦).
(٣) الجامع (٤/ ٦٠٢، ٢٤٠٠)، بلفظ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدِي إِلَّا الجَنَّةَ"، وليس فيها لفظ "واحتسب"، وإنما جاءت عند أحمد في المسند (٢٠/ ٥٠، ١٢٥٩٥)، من طريق النضر بن أنس، وأبو يعلى في المسند (٧/ ٢٦٨، ٤٢٨٥) من طريق أشعث الحداني كلاهما عن أنس به، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في التعليقات الحسان
[ ٨٦ ]
"وَاحْتَسَبَ" وكذا لابن حبان (^١) والترمذي (^٢) من حديث أبي هريرة، ولابن حبان (^٣) من حديث ابن عباس أيضًا، والمراد أنه يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب، لا أن يصبر مجردًا عن ذلك، لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد، وإلا يصير كما جاء في حديث سلمان: "أَنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا (^٤)، وَأَنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ " أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (^٥) موقوفا (^٦).
_________________
(١) الصحيح (٧/ ١٩٤، ٢٩٣٢)، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في التعليقات الحسان بحاشية الصحيح.
(٢) الجامع (٤/ ٦٠٣، ٢٤٠١).
(٣) الصحيح (٧/ ١٩٣، ٢٩٣٠)، وقال الألباني في التعليقات الحسان: "حسن صحيح".
(٤) أي راجعا عن ذنوبه، طالبًا رضا ربه، وانظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٥).
(٥) ح ٤٩٣.
(٦) فتح الباري (١٠/ ١١٦).
[ ٨٧ ]
قوله: (عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ) وهذا أعظم العوض، لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها، وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور. ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في " الأدب المفرد (^١) " بلفظ: "إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ"، فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود وقد مضى حديث أنس في الجنائزوقد مضى حديث أنس في الجنائز (^٢): "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأَوْلَى" (^٣).
فائدة: أن الصبر والاحتساب لايتعارض مع التداوي لعموم
_________________
(١) ح ٥٣٥، وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٥٦٢، ٢٢٢٢٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٥٠٩، ١٥٩٧) كلهم من طريق إسماعيل بن أبي عياش، عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة به، وإسناده حسن، فيه الرواة الثلاثة على التوالي كل واحد منهم صدوق، وإسماعيل بن أبي عياش فهو من روايته عن أهل بلده، فشيخه هنا حمصي، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ح ١٢٩٨، وانظر: التقريب (٤٧٣، ٨٢٢، ٥٤٧٠).
(٢) صحيح البخاري (٢/ ٧٩، ١٢٨٣).
(٣) فتح الباري (١٠/ ١١٦).
[ ٨٨ ]
قوله ﷺ: " يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً" (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٣، ٣٨٥٥)، والترمذي (٤/ ٣٨٣، ٢٠٣٨)، وابن ماجه (٢/ ١١٣٧، ٣٤٣٦)، وإسناده صحيح، وللاستزادة راجع الأشفية في السنة النبوية ص ٧ - ٨.
[ ٨٩ ]