٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ.
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٢٤٢، ٦٤٢٤)، و(٣/ ١١٩، ١٢٤٨).
(٢) الصحيح (٨/ ٧، ٥٩٩٥).
(٣) الصحيح (٤/ ٢٢٧، ٢٦٢٩).
[ ٧٩ ]
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قَوْلُهُ: (جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا) لم أقف على أسمائهن (^١).
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) وقع في رواية عراك ابن مالك عن عائشة: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهن تمرة ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فأعجبني شأنها" الحديث أخرجه مسلم (^٢)، .. ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: " فلم تجد عندي غير تمرة واحدة" أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم يكن عندها في أول الحال سوى واحدة، فأعطتها، ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة (^٣)
قَوْلُهُ: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ) قال ابن حجر: "واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلي بما يصدر منهن، وكذلك هل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتصف منهن
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤٢٨).
(٢) المصدر السابق رقم ٢.
(٣) المصدر السابق رقم ٤.
[ ٨٠ ]
بالحاجة إلى ما يفعل به "، قال النووي (^١) تبعًا لابن بطال (^٢): " إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن" (^٣).
وقال العراقي: " يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء، ولهذا قيده في حديث أبي سعيد (^٤) بالتقوى، فإن من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه. والله أعلم" (^٥).
قَوْلُهُ: (مِنَ الْبَنَاتِ): تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن
_________________
(١) المنهاج ١٦/ ١٧٩.
(٢) في شرحه على البخاري ٩/ ٢١٣.
(٣) فتح الباري ١٠/ ٤٢٩.
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٣٢٠، ١٩١٦)، ولفظه «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ»، وفي إسناده سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل، مجهول الحال روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٣٥١، والحديث ضعفه الألباني في الصحيحة (٢٩٤).
(٥) المصدر السابق رقم ٤.
[ ٨١ ]
وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال (^١).
فائدة: قوله من البنات يشمل أيضًا الأخوات، وذوات القربى لما جاء في حديث أنس عند مسلم (^٢) بلفظ العموم: " مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ "، وحديث أم سلمة عند أحمد (^٣) بلفظ: " مَنْ أَنْفَقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَاتَيْ قَرَابَةٍ يَحْتَسِبُ عَلَيْهِمَا يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُغْنِيَهُمَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ﷿ أَوْ يَكْفِيَهُمَا كَانَتَا لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ".
قَوْلُهُ: (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ): قال ابن حجر: " الذي يقع في أكثر الروايات بلفظ الإحسان وفي رواية عبد المجيد (^٤) " فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ " (^٥)، ومثله في حديث عقبة بن عامر في " الأدب
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الصحيح (٤/ ٢٠٢٧، ٢٦٣١).
(٣) المسند (٤٤/ ١٣٥، ٢٦٥١٧)، وفي إسناده محمد بن أبي محمد الأنصاري الزرقي، ضعيف، التقريب (٥٨٣٦).
(٤) عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي روَّاد - بفتح الراء وتشديد الواو- صدوق يخطئ، التقريب (٤١٦٠).
(٥) جامع الترمذي (٤/ ٣١٩، ١٩١٣)، وفي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز صدوق يخطئ، والراوي عنه: العلاء بن مسلمة البغدادي متروك، التقريب (٥٢٥٦)، ولكن اللفظة ثابتة كما في الحديث التالي. قد جاء من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا عند ابن ماجه وأحمد (٢٨/ ٦٢٢، ١٧٤٠٣) بسند صحيح
[ ٨٢ ]
المفرد " (^١)، وكذا وقع في ابن ماجه (^٢) وزاد " فَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ " وفي حديث ابن عباس عند الطبراني (^٣) " فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ أدَبَهُنَّ"، وفي حديث جابر عند أحمد (^٤)، وفي الأدب المفرد (^٥) " يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ " زاد الطبري فيه " ويزوجهن " (^٦) وله نحوه من حديث أبي هريرة في " الأوسط (^٧) "، وللترمذي (^٨)، وفي " الأدب المفرد " (^٩) من حديث أبي سعيد " فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللهَ فِيهِنَّ " وهذه الأوصاف يجمعها لفظ " الإحسان " الذي اقتصر عليه في حديث الباب، وقد اختلف في
_________________
(١) ح ٧٦.
(٢) السنن (٢/ ١٢١٠، ٣٦٦٩)، وإسناده صحيح.
(٣) المعجم الكبير (١١/ ٢١٦، ١١٥٤٢)، وفي إسناده الحسين بن قيس الرحبي، لقبه حَنَش، متروك. التقريب (١٣٤٢).
(٤) (٢٢/ ١٥٠، ١٤٢٤٧)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان التيمي ضعيف، التقريب (٤٧٣٤)، وقد تابعه سفيان بن الحسين الواسطي وهو ثقة، التقريب (٢٤٣٧)، أخرجه أبو يعلى في المسند (٤/ ١٤٧، ٢٢١٠).
(٥) ح ٧٨.
(٦) لم أقف عليه في مظانه، ولكن أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٠، ٤٧٦٠).
(٧) (٦/ ٢٠٥، ٦١٩٩).
(٨) تقدم تخريجه قبل صفحتين.
(٩) ح ٧٩.
[ ٨٣ ]
المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه؟ والظاهر الثاني، فإن عائشة أعطت المرأة التمرة فآثرت بها ابنتيها فوصفها النبي ﷺ بالإحسان بما أشار إليه من الحكم المذكور، فدل على أن من فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه أو زاد على قدر الواجب عليه عد محسنًا، والذي يقتصر على الواجب وإن كان يوصف بكونه محسنًا لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله، وقد جاء أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط، ففي حديث ابن عباس المتقدم " فقال رجل من الأعراب: أو اثنتين؟ فقال: أو اثنتين"، وفي حديث عوف بن مالك عند الطبراني (^١) " فقالت امرأة "، وفي حديث جابر " وقيل" (^٢)، وفي حديث أبي هريرة " قلنا" (^٣)، وهذا يدل على تعدد السائلين،
_________________
(١) المعجم الكبير (١٨/ ٥٦، ١٠٢)، ولفظه "فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَوِ اثْنَتَانِ؟ قَالَ: " وَثِنْتَانِ. "، وفي إسناده النهَّاس بن قَهْم القيسي، ضعيف، التقريب (٧١٩٧).
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
[ ٨٤ ]
وزاد في حديث جابر " فَرَأَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ لَوْ قَالُوا لَهُ: وَاحِدَةٌ؛ لَقَالَ: وَاحِدَةٌ " (^١)، وفي حديث أبي هريرة " قُلْنَا: وَثِنْتَيْنِ؟ قَالَ: " وَثِنْتَيْنِ "، قُلْنَا: وَوَاحِدَةً؟ قَالَ: " وَوَاحِدَةً " (^٢)، وشاهده حديث ابن مسعود رفعه " مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا " أخرجه الطبراني (^٣) بسند واه.
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في المسند (٤/ ١٤٧، ٢٢١٠)، وإسناده صحيح، وانظر: الصحيحة (٢٤٩٢).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ٢٠٥، ٦١٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٨، ١٣٤٩٨): " وفيه من لا أعرفهم"، وقد أخرجه أحمد في المسند (١٤/ ١٤٨، ٨٤٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٢، ٢٥٤٤٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٧٦، ١٣٤٩٨)، كلهم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عمر بن نبهان، عن أبي هريرة به، وابن جريح وأبو الزبير مدلسان ولم يصرحا بالتحديث، وعمر بن نبهان مجهول، التقريب (٤٩٧٦)، ويشهد له الأحاديث التي قبله، والله أعلم.
(٣) المعجم الكبير (١٠/ ١٩٧، ١٠٤٤٧)، وفيه طلحة بن زيد القرشي، متروك، التقريب (٣٠٢٠).
[ ٨٥ ]