١ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ".
أولًا: التخريج:
أخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢)، والنسائي في الكبرى (^٣)، كلهم من طريق حماد ابن زيد، وأبو داود الطيالسي (^٤) من طريق هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وشعبة، وأحمد (^٥) من طريق الثوري
_________________
(١) الجامع (٤/ ٦٠١، ٢٣٩٨).
(٢) السنن (٢/ ١٣٣٤، ٤٠٢٣).
(٣) السنن الكبرى) ٧/ ٤٦، ٧٤٣٩).
(٤) المسند (١/ ١٧٤، ٢١٢).
(٥) المسند (٣/ ٧٨، ١٤٨١).
[ ٢٤ ]
كلهم عن عاصم بن بهدلة.
وأخرجه البزار (^١) والطحاوي (^٢) كلاهما من طريق شريك النخعي عن سماك بن حرب.
وأخرجه البزار (^٣) من طريق عبد الرحمن المحاربي، عن العلاء بن المسيب، كلهم (عاصم بن بهدلة، وسماك، والعلاء بن المسيب) عن مصعب بن سعد، عن أبيه.
وأخرجه ابن حبان (^٤) من طريق جرير بن عبد الحميد، والحاكم (^٥) من طريق خالد ابن عبد الله، والضياء (^٦) من طريق عبيدة بن حميد كلهم (جرير، وخالد، وعبيدة) عن العلاء بن المسيب عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص به، والمسيب بن رافع عن سعد مرسل (^٧).
_________________
(١) البحر الزخار (٣/ ٣٤٩، ١١٥٠).
(٢) مشكل الآثار (٥/ ٤٥٦، ٢٢٠٧).
(٣) البحر الزخار (٣/ ٣٥٣، ١١٥٥).
(٤) الصحيح (٧/ ١٨٣، ٢٩٢٠).
(٥) المستدرك (١/ ٤٠، ١٢٠).
(٦) المختارة (٣/ ٢٤٦، ١٠٥٣).
(٧) جامع التحصيل ص ٢٨٠.
[ ٢٥ ]
وقد اختلف على العلاء بن المسيب، فرواه جرير بن عبد الحميد، وخالد بن عبد الله، وعبيدة بن حميد عنه عن أبيه، وخالفهم عبد الرحمن بن محمد المحاربي فرواه عنه، عن مصعب بن سعد به، وقال ابن فضيل وهو الصواب (^١)، وقال عنه الترمذي: " حسن صحيح"، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأحمد شاكر (^٢)، والألباني (^٣).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ): قال النووي: " قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدَّ بَلَاءً ثُمَّ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْرِ وَصِحَّةِ الِاحْتِسَابِ وَمَعْرِفَةِ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَتِمَّ لَهُمُ الْخَيْرُ وَيُضَاعَفُ لَهُمُ الْأَجْرُ وَيَظْهَرُ صَبْرُهُمْ وَرِضَاهُمْ " (^٤).
قوله: (ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ): قال ابن حجر: "وَالْأَمْثَلُ أَفْعَلُ مِنَ الْمَثَالَةِ وَالْجَمْعُ أَمَاثِلُ وَهُمُ الْفُضَلَاءُ … لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ قَالَ ثُمَّ
_________________
(١) المصدر السابق رقم ٤.
(٢) في تعليقه على مسند أحمد (٢/ ٢٢٧، ١٤٨١).
(٣) الصحيحة (١٤٣).
(٤) المنهاج (١٦/ ١٢٩).
[ ٢٦ ]
مَنْ قَالَ الصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ " (^١).
قوله: (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ): أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَنَقْصًا وَكَمَالًا (^٢).
قوله: (فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ): صُلْبًا بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا، واشْتَدَّ أَيْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (^٣).
قوله: (وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ): رِقَّةٌ أيّ ضَعْفًا وَلِينًا، ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ وَالْبَلَاءُ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ فَمَنْ كَانَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَبَلَاؤُهُ أَغْزَرُ (^٤).
قوله: (فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ): أَيْ مَا يُفَارِقُ أَوْ مَا يُزَالُ، (وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) كِنَايَةً عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ يَمْشِي مَا عَلَيْهِ بَأْسٌ (^٥).
* * *
_________________
(١) الفتح (١٠/ ١١١)، وسيأتي تخريج الحديث بعده مباشرة.
(٢) مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٤١).
(٣) انظر: التنوير شرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٢)، وتحفة الأحوذي (٧/ ٦٧).
(٤) انظر: المفاتيح شرح المصابيح (٢/ ٤٠٦)، وتحفة الأحوذي (٧/ ٦٧).
(٥) المصدر السابق.
[ ٢٧ ]
٢ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مَوْعُوكٌ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فَوْقَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا أَشَدَّ حَرَّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلَاءُ وَيُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ "، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " الْعُلَمَاءُ "، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ الصَّالِحُونَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالْقُمَّلِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالْبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ.
التخريج:
أخرجه أحمد (^١)، وعبد بن حميد (^٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد به، ورجاله ثقات لكن فيه رجلًا لم يسم، وقد جاء مصرحًا به، أخرجه ابن ماجه (^٣)، والبخاري في الأدب المفرد (^٤)، وأبو يعلى (^٥)،
_________________
(١) المسند (١٨/ ٣٩١، ١١٨٩٣).
(٢) المنتخب من مسند عبد بن حميد (٢/ ١٠٩، ٩٥٨).
(٣) السنن (٢/ ١٣٣٤، ٤٠٢٤).
(٤) ح ٥١٠.
(٥) المسند (٢/ ٣١٢، ١٠٤٥).
[ ٢٨ ]
والطبراني (^١)، والحاكم (^٢)، والبيهقي (^٣) كلهم من طريق هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد به، وإسناده حسن، فيه هشام بن سعد، صدوق ربما وهم (^٤)، لكنه من أثبت الناس في زيد بن أسلم كما قال أبو داود (^٥)، ويشهد له حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم قبله، وحديث ابن مسعود بعده، والحديث صححه الحاكم، والبوصيري (^٦)، والألباني (^٧).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (وَهُوَ مَوْعُوكٌ): الْوَعْكُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ هِيَ الْحُمَّى، وَقِيلَ أَلَمُ الْحُمَّى، وَقِيلَ تَعَبُهَا، وَقِيلَ إِرْعَادُهَا الْمَوْعُوكَ وَتَحْرِيكُهَا إِيَّاهُ، وَمَوْعوكٌ: مَحْمُومٌ (^٨).
قوله: (عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ): الْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ مُخْمَلٌ (^٩).
_________________
(١) الأوسط (٩/ ٣١، ٩٠٤٧).
(٢) المستدرك (١/ ٤٠، ١١٩).
(٣) السنن الكبرى (٣/ ٣٧٢، ٦٧٧١).
(٤) التقريب (٧٢٩٤).
(٥) تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٨).
(٦) مصباح الزجاجة (٤/ ١٨٨، ٧١٤١).
(٧) الصحيحة (٢٠٤٧).
(٨) انظر: لسان العرب (٦/ ٤٨٧٥)، وفتح الباري (١٠/ ١١١).
(٩) المنهاج (١٨/ ٥٥).
[ ٢٩ ]
قوله: (وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالْبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ): كَرَاهِيَةُ الْبَلَاءِ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، وَلَكُنَّ بِسَبَبِ قُوَّةِ إيمَانِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْإكْرَامِ وَالْإحْسَانِ صَيَّرَ ذَلِكَ مَحْبُوبًا عِنْدهُمْ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ كَلَمَّا قَوِيَتْ بِالْمُبْتَلَى هَانَ الْبَلَاءُ، وَلَا يُزَالُ يَرْتَقِي فِي الْمَقَامَاتِ حَتَّى يَلْتَذُّ بِالضَّرَّاءِ أَعْظُمُ مِنَ اِلْتِذَاذِهِ بِالسَّرَّاءِ (^١).
* * *