١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ.
أولًا: التخريج:
أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) وهذا لفظ مسلم.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ١٤٩).
(٢) الصحيح (٩/ ٥٨، ٧١١٥).
(٣) الصحيح (٤/ ٢٢٣١،
[ ٥٢ ]
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا): أي: لا تفرغ ولا تنقضي.
قوله: (حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ) فيتمرغ: أي: يتقلب الرجل على القبر.
قوله: (وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ): أي: ميتًا.
قوله: (وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ): الدين: بكسر الدال، وقوله (إلا البلاء): أي الحامل له على التمني ليس الدين بل البلاء وكثرة المحن والفتن وسائر الضراء (^١).
قال ابن حجر: "قال ابن بطال: "تغبط أهل القبور، وتمني الموت عند ظهور الفتن، إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر … " (^٢) انتهى. وليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم، فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في
_________________
(١) انظر: مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٤٣٢).
(٢) شرحه على البخاري (١٠/ ٥٨).
[ ٥٣ ]
ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم: " لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ" (^١). وذكر الرجل فيه للغالب، وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه: " يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده "، وبهذا جزم القرطبي (^٢)، وذكره عياض احتمالًا (^٣)، وأغرب بعض شراح " المصابيح " (^٤) فقال: المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى: أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي (^٥) بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي: ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا، وقال ابن عبد البر: "ظن بعضهم أن هذا الحديث
_________________
(١) حديث الباب.
(٢) المفهم (٧/ ٢٤٥).
(٣) إكمال المعلم (٨/ ٤٥١).
(٤) لعله يقصد المظهري صاحب المفاتيح في شرح المصابيح (٥/ ٣٩٦)، فقد ذكر ذلك.
(٥) الكاشف عن حقائق السنن (١١/ ٣٤٣٩).
[ ٥٤ ]
معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال" (^١)، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا … وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت (^٢) معارضة؛ لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: " وليس به الدين إنما هو البلاء "، فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.
قال النووي: "لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعيسى الغفاري، وعمر بن عبد العزيز
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ١١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٧٦، ٦٣٥١)، ومسلم (٤/ ٢٠٦٤، ٢٦٨٠) من حديث أنس بلفظ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي"
[ ٥٥ ]
وغيرهم " (^١). ثم قال القرطبي (^٢): "كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم (^٣) من حديث معقل بن يسار رفعه: " الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ"، ويؤخذ من قوله: " حتى يمر الرجل بقبر الرجل " أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني، أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور، فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دلَّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده؛ حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت " (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: المنهاج (١٧/ ٨).
(٢) المفهم (٧/ ٢٤٦).
(٣) الصحيح (٤/ ٢٢٦٨، ٢٩٤٨).
(٤) فتح الباري (١٣/ ٧٥).
[ ٥٦ ]