١١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ ﷿: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (^١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا: الشبر بكسر الشين ما بين طرفي الخنصر والإبهام، وجمعه أشبار (^٢).
والذراع: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (^٣)، وهو شبران (^٤).
_________________
(١) الصحيح (٤/ ٢٠٦٨، ٢٦٨٧).
(٢) جمهرة اللغة (٣/ ١٢٧٩)، ومختار الصحاح ص ١٦٠.
(٣) تاج العروس (٢١/ ٥).
(٤) فيض القدير (٣/ ٧٦١).
[ ٣٩ ]
والباع: قدر مد اليدين (^١)، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، وذلك أربعة أذرع (^٢).
وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً: الهرولة: هي الإسراع في المشي دون الهرولة (^٣).
وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً: قراب: بضم القاف، وحكى بعضهم الكسر، ومعناه ملء الأرض، أو ما يقارب من ملئها (^٤).
تنبيه مهم: قال النووي ﵀: "هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره وقد سبق الكلام في أحاديث الصفات مرات ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ١٢٧).
(٢) المنتقى (١/ ١٢)، ومطالع الأنوار على صحيح الآثار (١/ ٥٥٤).
(٣) مرقاة المفاتيح (٤/ ١٥٤٣).
(٤) إكمال المعلم (٨/ ١٨٥)، والنهاية لابن الأثير (٤/ ٣٤).
[ ٤٠ ]
على حسب تقربه" (^١)،
قلت: "هذا تأويل لصفات الله عزو وجل خلافًا لطريقة أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل وقد أوردت كلام الإمام النووي ﵀ من أجل التنبيه عليه، وبيان خطئه"، فقد قال ابن رجب ﵀: "ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا، فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله ﷺ، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير" (^٢).
وقال صاحب مرعاة المفاتيح ﵀ بعد ذكره لمن أول صفات الله الواردة بهذا الحديث وتعداد أسمائهم: "قلت لا حاجة إلى هذا التأويل والتفسير والصواب أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنؤمن به على ما يليق بعظمة الله تعالى كالمجيء والنزول ونحوهما وربنا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) المنهاج (١٧/ ٣).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣١).
(٣) مرعاة المفاتيح (٧/ ٣٨٧).
[ ٤١ ]
وقال الشيخ محمد على آدم ﵀: "لقد أجاد صاحب "المرعاة"، وأفاد، فهكذا ينبغي لشارح الحديث أن يكون مع ظواهر النصوص، إلا إذا وجد دليلًا صارفًا يصرفه عنها، ولا يوجد صارف في إجراء أحاديث الصفات على ظواهرها، إلا ما تخيّله المتأخرون الذين تأثّروا بأفكار أهل الكلام، ففسَّروها بالمعنى الذي يكون للمخلوق، ثم فرّوا من التشبيه، فأداهم ذلك إلى نفي معانيها، وهذا هو الخطأ المُبِين، فإن هذه الصفات إذا اتّصف بها الله ﷿ تكون على المعنى اللائق به، فلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١)، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين" (^٢).
لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً: شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو القلب
_________________
(١) الشورى، آية (١١).
(٢) البحر المحيط الثجاج (٤٢/ ١٠٤)، وللاستزادة يراجع القواعد المثلى ص ٦٩ لشيخنا محمد صالح العثيمين ﵀.
[ ٤٢ ]
السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (^١)، (^٢).
قال ابن رجب ﵀: " فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل فإن شاء غفر له وأن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة … فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه او بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات .. " (^٣).
* * *
_________________
(١) الشعراء، الآيتان (٨٨ - ٨٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٧٤.
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧).
[ ٤٣ ]